باتريس لوممبا، فالثوار لهم وجه واحد في روحي

باتريس لومومبا، الثائر الذي كافح وناضل ضد الاستعمار البلجيكي لبلاده، والذي اغتاله الاستعمار وأعوانه بدم بارد، يعود اليوم، عقب 53 عاماً على اغتياله، إلى قلوب أبناء شعبه في الكونغو، وهو الذي ما انفك يخرج من ذاكرتهم الجمعية.
Lumumba
راديكال - طلال عبدالله

يعتبر لوممبا هو القائد الفعلي لحركة المقاومة الكنغولية التي جابهت المستعمر البلجيكي، ومؤسس الحركة الوطنية في بلاده، والثائر الذي قاد التحركات الشعبية ضد الاستعمار، والمعتقل السياسي لدى الاستعمار. لوممبا الذي اعتقل بسبب قيادته للحركة الوطنية المجابهة للاستعمار لمدة ستة أشهر، أفرج عنه ونقل إلى بروكسل للاتفاق على استقلال الكونغو، وإنهاء حقبة الاستعمار البلجيكي للكونغو، والتي استمرت لأكثر من ثمانين عاماً.

الاستعمار البلجيكي، كغيره من تجارب الاستعمار التي حلت على العالم، كان يؤسس للبقاء في الكونغو التي يريد الخروج منها عسكرياً، من خلال زرع سلطة موالية وتابعة له، وعلى الرغم من لجوء الاستعمار إلى إخفاء نتائج الانتخابات البرلمانية وتنصيب حليفه جوزيف إليو، إلا أن الشعب الكنغولي قال كلمته ورفض تلك النتائج من خلال مظاهرات واسعة عمت البلاد انتهت بتنصيب باتريس لوممبا رئيساً للوزراء، لتتشكل الحكومة المنتخبة ديمقراطياً برئاسة لوممبا.

رفض بلجيكا لتلك الحكومة وسياساتها المناهضة للاستعمار والمناصرة للطبقات المهمشة والفقيرة لم يعطها (الحكومة) فترة زمنية سوى عاماً واحداً، نجحت بعده بلجيكا وأعوانها في الداخل الكونغولي من نزع السلطة من لوممبا، وإعدامه بطريقة وحشية، سبقها تمرد عسكري في الجيش بترتيبات بلجيكية، ودعم أمريكي-بلجيكي لعملاء الداخل انتهى بانفصال إقليم كتانغا، والذي يعد من أهم أقاليم البلاد.

الأمم المتحدة لم تحرك ساكناً لاغتيال لوممبا بطريقة وحشية، ولم يحرك “دعاة الحرية والديمقراطية” ساكناً لتقطيع جثته إلى أجزاء صغيرة وإذابتها في حمض الكبريتيك! هكذا رأى الاستعمار لوممبا المنتخب ديمقراطياً بأصوات بلغت نسبتها 90 بالمئة، أما الرئيس الأمريكي آنذاك جون كينيدي، فقد علّق على اغتيال لوممبا بقوله: “إنها لصدمة عنيفة لي”! فيما كان العم سام يساعد بلجيكا بكل ما أوتي من قوة للتخلص من لوممبا!

تشبه حالة لوممبا حالات أخرى لقادة تم ترتيب انقلابات ضدهم، على الرغم من شعبيتهم الواسعة، ما حدث مع لوممبا، حدث مع محمد مصدق في إيران، كما حدث بالضبط في المحاولات الخائبة لإسقاط القائد البوليفاري هوغو تشافيز. في قصيدة مظفر النواب ، بكائية على صدر الوطن:

واحتشد الفلاحون علي وبينهم كان

علي .. وأبو ذر .. والأهوازي .. ولوممبا .. وجيفارا .. وماركس

لا أتذكر فالثوار لهم وجه واحد في روحي

لوممبا .. بوليفار أفريقيا وناصرها

تماماً كما سعى سيمون بوليفار لتحرير أمريكا اللاتينية، سعى لوممبا إلى تحرير قارته السمراء من نير الاستعمار، في الوقت الذي كان الاستعمار ينظر إلى الكونغو من عدة نواحي، فمن ناحية الثروات الطبيعية الهائلة في البلاد، وبالأخص الألماس والنحاس، ومن ناحية موقعها الاستراتيجي، ومساحتها الكبيرة، وبالطبع، فإن لعاب الدول الاستعمارية يسيل عند الحديث عن تلك النواحي.

وتماماً كما اشتهر بوليفار بخطاباته الحماسية التي توضح جرائم الاستعمار، كان لوممبا يشعل الجماهير حماسة ويهز الأرض تحت الأقدام المرتعدة لأعدائه، ومن ذلك خطابه في إعلان الاستقلال ودحر الاستعمار.

أما مقالاته فقد كانت غنيّة بالأدلة والبراهين والوثائق والتقارير والإحصائيات التي توضح النهب الذي قامت به الحكومة البلجيكية لثورات وخيرات الكونغو.

الأهم من ذلك كله، أن لوممبا وكأنه تلميذ لبوليفار، كان لا يعرف المساومة، ولا يعترف بأنصاف الحلول، صاحب مبدأ حقيقي، وعلى الرغم من سجنه وتعذيبه من قبل الاستعمار، إلا أنه داوم العمل على تحرير بلاده، إيماناً منه بأن هذا العمل، هو عمل مقدّس.

الاستعمار .. لم يتغير على مدار السنوات

آن للعرب أن يعوا بأن الاستعمار هو الاستعمار، الولايات المتحدة هي القوة الاستعمارية الكبرى اليوم، ومعها الكثير من دول أوروبا الغربية، وبالأخص، بريطانيا وفرنسا، آن لهم أن يدركوا بأن الاستعمار الذي يجثم على صدر كل من ليبيا والعراق وفلسطين، ويحاول النيل من سورية، هو ذاته الذي جر على البشرية الدمار والويلات في القرنين التاسع عشر والعشرين.

الاستعمار هو الاستعمار، قديماً وحديثاً، ما تغير بالفعل هو “وسائل تنفيذ أهدافه”، وذلك بحسب الظروف العالمية السائدة، أما أهدافه فقد بقيت هي ذاتها، نهب ثروات الدول المستعمَرة، والسيطرة على أراضيها، واستغلال شعوبها، بينما بقيت تلك القوى المستعمِرة تحمل شعارات رنانة كاذبة، هي ذاتها لم تتغير على مدار السنوات، “تحرير الشعوب”، “نشر مبادئ الحرية والديمقراطية”، يضاف إليها اليوم “مكافحة الإرهاب”!

اليوم، في الذكرى الثالثة والخمسين لاغتيال باتريس لوممبا، أحد أهم رموز مجابهة الاستعمار، وفي ظل تصاعد محاولات الاستعمار للسيطرة على المنطقة العربية، علينا التأكيد على نقاط أربعة رئيسية:

• الاستعمار هو الاستعمار، لم يتغير بتغير الأزمان.

• للأمم المتحدة وظيفة حقيقية واحدة، وهي بلا شك وظيفة سرية لا يتم الإعلان عنها، وهي “إضفاء طابع الشرعية على جرائم الاستعمار بحق الشعوب”. وتحتكم في النهاية لعلائق القوة فقط، وليس إلى أي منطق “أخلاقي” ممنهج.

• الولايات المتحدة، هي قوة استعمارية إمبريالية، لا يمكن أن تأتي بالورد للشعوب التي تضطهدها، وهي التي تسعى للتخلص من أية قيادة ثورية قد تتشكل في أي منطقة من العالم.

• لا يمكن بحال من الأحول أن يتغلغل الاستعمار في أية دولة سوى بالـ “السوس الذي ينخرها من الداخل”، هؤلاء المرتزقة والخونة والعملاء، عملاء أمريكا والاستخبارات المركزية الأمريكية، ودوائر الصهيونية العالمية.

للوممبا، مقعد محجوز في ذاكرة التاريخ، وضوء ينير للمستقبل طريق

“في كل مرة أستعيد تاريخ لوممبا أشعر بالدموع تترقرق في عيني؛ نهايته شديدة المأساوية، ونضاله الصادق، وقوته النفسية التي لا حدّ لها تثير في النفس كل ما تثيره.. وأدرك بالفعل أنه كان يستحقّ تلك الشهرة؛ لدرجة أن يكون من المفردات المألوفة في بيت جدتي في بلد تبعد آلاف الأميال عن قريته النائية في الكونغو”.

بهذه الجملة تختتم الكاتبة سارة محمد شحاته مقالاً لها بعنوان: “لوممبا.. بدايات مصطفى كامل ومسيرة ناصر ونهاية جيفارا”، وبهذا المقال نتذكر خطاب لوممبا الشهير “الدموع والدم والنار”، ونتذكر كيف وضع التاريخ اسم لوممبا في إطار نضالي كبير، إلى جانب فيديل كاسترو، إيفو موراليس، هوغو تشافيز، السلفادور إلليندي، إرنستو جيفارا، سيمون بوليفار، فلاديمير لينين، وجمال عبدالناصر.

ما زال لوممبا حلماً للجماهير في الكونغو، كما هو الحال بالنسبة للثائر الأممي إرنستو جيفارا، الذي لم تفارقه صورة لوممبا عندما ذهب إلى الكونغو. جيفارا الذي ناضل لتحرير الشعوب من نير الاستعمار كان معجباً بلوممبا، وعندما اغتيل لوممبا، ما كان منه إلا أن قال: “يجب أن يكون اغتياله درساً لنا جميعاً”، ولم يعلم بأن أعوان الاستعمار ذاتهم الذين تخلصوا من لوممبا في الكونغو في العام 1960 وهو ابن السادسة والثلاثين، سيتخلصون منه في بوليفيا عقب ذلك بسبع سنوات، وهو ابن التاسعة والثلاثين.

تتشابه المشاهد، وتتشابك، وعلى العرب أن يتعلموا الدروس، وعلى اليسار العربي أن يعود إلى تاريخه، وأن يدرسه جيداً، ليكون كما كان الحال دوماً، على رأس النضال أينما وجد.