محاولة في تصنيف عبدالهادي راجي المجالي

كيف يمكن لنا أن نحلل ما قام به مدير "مركز ثقافي" السبت الماضي عندما اندفع لمشاجرة بالأيدي والكراسي مع فرقة موسيقية تقدم بحق أبداعاً فنياً متميزاً؟ لا يمكن فهم هذه الظاهرة إلا من خلال فهم التطور التاريخي للشخص، وإدراك مجمل الوظائف التي يؤديها، ودوافع تأديتها وحاضنة هذه التأدية كذلك.
Raji
راديكال - محمد فرج

هل هو مثقف سلطة؟

تضمنت العلاقة بين المثقف والسلطة حالات متعددة ليس من السهل حصرها من خلال الاعتماد على التأمل في الخيارات المحتملة. في دراسة علاقة من هذا النوع، المثقف أحد عناصرها، لا بد أن تكون الممارسة إحدى المدخلات في التحليل. بمعنى آخر، الاعتماد على العيان، وليس المثال فقط.

من المثقفين من يفرضون حالة من المقاطعة الدائمة مع السلطة التي تتناقض مفاهيمها تناحرياً مع مفاهيمهم، فيفرضون تلك الحالة من باب محاولة عزل تلك السلطة، ولا يشاركون في فعالياتها ولو كانت تسمح لهم بتقديم الحد الأدنى من أطروحاتهم ” المقبول للسلطة طبعاً”. هؤلاء المثقفين مستعدون لدفع أية ضريبة مقابل التعبير المستمر عن مواقفهم من السلطة التي يختلفون معها، ابتداءً بمحاصرة السلطة لهم أمنياً ومعيشياً وليس انتهاءً بتوصيفهم بالعدميين من قبل “مثقفي السلطة” أنفسهم. هؤلاء المثقفين يستمرون رافداً للمعارضة، رافداً معرفياً ومعنوياً في الوقت نفسه. عبدالرحمن منيف يشكل مثالاً وضحاً لهذه الحالة (لا يمكن إدراج الأستاذ عبدالهادي المجالي في هذه المجموعة من المثقفين، لأنه بالتأكيد لم يقدم للمعارضة هذا الرافد المعرفي أو المعنوي!).

من المثقفين كذلك من هم “مثقفي سلطة”، وهي سلطة تتفق معهم، يغذونها وتغذيهم، ممارسات السلطة السياسية والأدبيات التي يصوغها هؤلاء المثقفين في تجانس وتناسق مستمر. ومن ذلك حالة بابلو نيرودا في تشيلي، كما هي بالضبط حالة فون هايك في بريطانيا، وميلتون فريدمان في أميركا، ومكسيم غوركي في روسيا. (لا يمكن إدراج عبدالهادي راجي المجالي في هذه الخانة لأنه لم يقدم من الثقافة ما يغذي سياسة السلطة ويوجهها، كما أن ما قدمه لم يحظى شعبياً بما هو داعم للسلطة السياسية نفسها).

الكثير من المثقفين ينظرون إلى الثقافة على أنها حالة رعوية هائمة، تنبش في التفاصيل لتحفر الأفكار وتخلق تسلسلها، هم يكرهون الأدب المواقفي، وينأون بأنفسهم عن أي موقف سياسي، ويرون العالم من بوابة الأدب، ولا يحاولون استخدامها (بوابة الأدب) في تفسير السياسة. هؤلاء المثقفين قد تراهم ينثرون النصوص دعماً للثورات ، وينظمون قصائد للحكام في اليوم التالي. حبيب الزيودي مثال واضح على ذلك. (لا يمكن تصنيف عبدالهادي راجي المجالي في هذه الخانة، لأن هذه الحالة الرعوية التي تُنتج الإبداع الأدبي، أو تنتج عنه لا تتمظهر في شخص عبدالهادي. كما أن هذه المجموعة لها سمات انفعالية مختلفة تماماً عن الانفعالات التي حصلت في مركز الحسين الثقافي، انفعالاتهم أكثر هدوءاً وعمقاً وأحياناً إيلاماً).

في بلد بحجم بلدنا، سياسته الاقتصادية لا ترسم بأيدي مثقفيه ومفكريه، وإنما في المراكز التي نعتمد على مساعداتها وقروضها وحمايتها… في بلد كبلدنا، تلجأ السلطة إلى مثقفين من المستوى المتوسط، بمعنى أن السلطة في الأردن ليست بحاجة إلى هايك أو فريدمان لتبرير سياساتها الاقتصادية، وليست بحاجة إلى كاتب ساخر بحجم برنارد شو لتخفيف وطأة ونتائج تلك السياسات. فهد الفانك وجواد العناني من الشخصيات الأردنية المثقفة التي لعبت دور التبرير للسياسات الاقتصادية، وكان لهما أثر في ذلك.

في نفس الوقت تخطئ السلطة أحياناً، حالها حال أية جهة، في الاختيار، وتراهن على الاستثمار في شخصية ما لتلعب هذا الدور في مكان محدد “ليس بالضرورة الاقتصادي”، وتكتشف لاحقاً أنها أخطأت في الاختيار، وأن الشخصية المنتقاة لم تملاً الفراغ ، ولم تؤدي المهمة المطلوبة، وفي بعض الأحيان تعطي نتائج عكسية، خاصة في اللحظة التي تبداً فيها الشخصية والسلطة بالاكتشاف أن الاستثمار كان خاطئاً بالتأكيد !

هل هو رجل دولة؟

رجل الدولة، هو الشخص الذي تؤهله مجموعة من الخصائص، الثقافة اليوم ليست من ضمنها، للتأثير في مؤسسات الدولة وسياساتها أو على الأقل أن يكون شريكاً فيها (المال “في عصرنا هذا”، تولي رئاسة دائرة مهمة كالمخابرات العامة، … إلخ).

وبالتالي حتى التسمية لعبدالهادي راجي المجالي ب “زلمة دولة” كما يتداولها الكثيرون، هي تسمية غير منصفة أبداً بحق عبدالهادي نفسه والدولة كذلك !

هل هو كاتب ساخر؟

الكاتب الساخر هو آخر من يلجأ إلى الشتم، شتم الكاتب الساخر مبطن، كما أن الكاتب الساخر بالعادة لا يستخدم عضلاته، فالأفكار والتفاصيل هي مجاله الحيوي، سرعة بديهته هي عموده الفقري، ودقة ملاحظته هي أساس إنتاجه.

هو لا يرد بالشتم اللفظي الواضح والفاقع، لأن دماغه خزَّن في خلايا خاصة نوعاً خاصاً من الردود، الشتم ليس أولها ولربما ليس آخرها أصلاً، ردوده أقسى ، أعمق، وبالمناسبة هي ردود قابلة للتأويل لغايات الدفاع عن النفس ولكنها تُأول باتجاه واحد في السياق المطروح. هذه هي شخصية الكاتب الذي يمكن لي أن أصنفه ساخراً، هذا تصنيفي الخاص الذي قد لا يعني شيئاً للكثيرين.

يقول الكاتب الساخر الفذ، برنارد شو: “الناس ترى الأشياء التي تحدث وتقول لماذا؟ دعوني أرى الأشياء التي لم تحدث أبداً، وأقول… لمَ لا؟”. بعد أن نعرف من هم؟ و من نحن؟ يصبح عبء الإجابة عن الأسباب الصغيرة التي أوقعت الحادثة أقل إلحاحاً…