مجزرة صنعاء… هل تكون مفصلاً ميدانياً وسياسياً؟

الكاتب: طلال عبدالله

18-10-2016

أكثر من 110 شهداء و600 جريح حصيلة مجزرة صنعاء، المجزرة التي وقعت عبر قصف طائرات التحالف السعودي لقاعة عزاء والد وزير الداخلية اليمني جلال الرويشان، في أكبر مجزرة منذ قرابة العامين من الحرب على اليمن، في ظل صمت دولي لم يعد مريباً.
yemen

لا يمكن بحال من الأحوال فصل ما يحدث في اليمن، ومن ضمنه هذه المجزرة التي قامت بها طائرات التحالف السعودي في اليمن، عما يحدث في المنطقة بأكملها، وعلى رأسه ما يحدث في سورية.

إذا كنتَ ممن يُقدمون على حمل عدة ملفات، فأنتَ بلا شك تُقدم على أفعال تبدو وكأنها ابنة زمانها وظرفها الموضوعي في مكان ما، ولكنها في واقع الأمر تكون ردة فعل على شيء آخر، أو ملف آخر، لم تكن أنتَ الرابح فيه، وهذا ما حدث بالضبط مع السعودية.

إن ارتفاع وتيرة القصف والتعطش للقتل الذي تقوده السعودية في اليمن، يعود في الأساس إلى شعورها بأنها ليست في موقع الرابح في سورية، وبالأخص في ظل عدم اكتراث اللاعبين الدوليين في سورية بالسعودية وآرائها، بعدما دخلت الأزمة السورية عامها السادس.

مجزرة اليمن تشكلت في إطار رد الفعل السعودي، رد فعل غير مدروس، ولم يتمتع بأدنى درجات الذكاء، على ما يحدث في سورية، وهي رسالة سعودية واضحة تقول بأنها قادرة على رفع حدة الصراع في المنطقة، وكأنها تحاول إثبات أنها لا تزال لاعباً رئيسياً في المنطقة، وبالأخص أنها في وضع مأزوم في سورية.

ولكن، وعلى ما يبدو؛ فإن السعودية لم تدرس بالفعل تبعات ما قامت به في اليمن قبل قيامها به، وهي كمن يتخبط بسبب ما يحدث في سورية، وهي لا تعي بأن ما قامت به في اليمن سيرتد عليها، وبالتحديد سيظهر هذا الارتداد كعجز مالي تعاني منه السعودية أصلاً، منذ تسعير حملتها على روسيا وإيران وفنزويلا في حرب النفط، عندما قامت بتخفيض أسعار النفط في سبيل ضرب هذه الاقتصادات، فكانت كمن يُطلق النار على قدميه، وهذا تحديداً ما قد يدفعها إلى تأجيج وتيرة الصراع في أماكن أخرى كليبيا والعراق.

من ضمن جملة الرسائل التي تريد السعودية أن تُبرق بها إلى الجميع، هو أنها قادرة على الحسم في اليمن، ومن المعروف أن ضحايا الحسم عادة تكون من المجتمعات المدنية، وهو أسلوب معروف، يشبه ما قام به الكيان الصهيوني في لبنان عام 1982.

وعلى ما يبدو تخشى السعودية أن تغيُّر الإدارة الأمريكية قد يضعف موقفها في اليمن، وبهذا فهي ستسعى للحسم الذي تحدثنا عنه قبل رحيل إدارة أوباما، نظراً لكونها داعماً رئيسياً لها في الحرب على اليمن، وهذا منطق براغماتي خبيث، ولكنه أعمى؛ لا يدرك بأن في اليمن شعب وجيش لن يسكت عن ذلك.

مما لا شك فيه بأنه على السعودية وتحالفها أن تعي بأن الصراع في اليمن لن يُحل بطريقة عسكرية، ومن الغباء أن تراهن على ذلك. تسعير السعودية للخيار العسكري لن يجدي نفعاً، وتقديمها لملف على آخر، أو طرح نفسها كرابح في مكان ما للتفاوض في مكان آخر هي خاسرة فيه، أو التسعير في مكان ما مقابل الخسارة الفادحة في مكان آخر، عناوين مشهد الحرب السعودية على اليمن اليوم.

أحد الرسائل السعودية التي أرسلتها من خلال مجزرة صنعاء، هو أنها تتفرد بالمشهد اليمني، وبأنها قادرة على حصار اليمن وتطويقه والقيام بعمليات تهجير داخلية في مسعى لإعادة تقسيم اليمن لربما، أو حتى فصله عن دائرة بعينها وإلحاقه بمحور التبعية الذي تتزعمه السعودية.

هي رسالة أرادتها السعودية إلى أنصار الله، من خلال قصف صالة عزاء وزير الداخلية جلال الرويشان، وهو رئيس اللجنة الأمنية العليا.

ردود اليمن على الرسائل السعودية كانت واضحة، ما قبل مجزرة صنعاء أو جريمة الحرب السعودية في اليمن، ليس -ولن يكون- كما بعدها. الرد اليمني سيشفي صدور اليمنيين، بكافة الوسائل المتاحة، وهو ما عبر عنه المجلس السياسي الأعلى في اليمن، في حين أن حركة أنصار الله رأت بأن الرد على السعودية لا بد أن يأخذ طابع القوة.

إذا ما رأينا ردود فعل حقيقية من جانب الجيش اليمني على مجزرة صنعاء، سواء عسكري مباشر أو قصف لبعض المواقع والتجمعات السعودية ولحلفائها، فإن هذا سيكون مفصلاً ميدانياً وسياسياً للحرب على اليمن، فالمفصل الميداني العسكري يقود إلى المفصل السياسي بالتأكيد.

العجز السعودي المالي سيتفاقم في ظل كل هذا، ليس فقط بسبب ما قامت به السعودية سابقاً من تخفيض أسعار النفط لضرب اقتصاديات روسيا وإيران تحديداً، وذلك للضغط عليهما في الأزمة السورية، بل في ظل صفقات السلاح الكبرى التي تقوم بها السعودية، وبالتحديد عبر شراء الأسلحة الأمريكية والبريطانية. وبالتأكيد فإن الولايات المتحدة تستفيد من صفقات السلاح تلك اقتصادياً، وفي ذات الوقت فهي تديره ميدانياً، أو على الأقل تفرض عليه فيتو في بعض المناطق، وكله وفق مصالحها.

ضرب من يعادي الكيان الصهيوني في اليمن، ويرفع شعار “الموت لإسرائيل”، بيد سعودية، يوضّح واقع الحال الذي طالما تحدثنا عنه، وهذا جزء من الموقف السعودي في اليمن، وغيرها، بل وهو موقفها منذ تأسيسها.

في تقرير لقناة الميادين عن مجزرة أخرى ارتكبتها طائرات التحالف السعودي سابقاً في مدينة المخا بتعز، نقل الهمجية السعودية في قصف المدنيين، قالت معدّة التقرير والصورة معلّقة بجثة طفل استشهد وبقيت عينه مفتوحة: “عندما يبكي الرجال فإن الأمر جلل، ولا تحسب بأن الأطفال نيام، هي إحدى الغارات السعودية التي قتلت هذا الطفل، لكنها عجزت عن إغماض عين اليمن”، وهي كذلك عين اليمن!

رسائل أرسلتها السعودية بالدم، أنها قادرة على تسعير وتيرة الصراع في عدة أماكن من المنطقة، ولكنها لم تدرك بعد أنها تطلق النار على قدميها!

شارك: Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterPin on PinterestShare on StumbleUponShare on TumblrShare on LinkedInPrint this page