متشائل إميل حبيبي…

الكاتب: محمد فرج

03-09-2016

"عرب الداخل"، "عرب الـ 48"، "عرب إسرائيل"، تعددت مسمياتهم تماماً كما تعددت المواقف منهم، ابتداءً بالموقف من بقائهم على الأرض وعدم التحاقهم بقوافل اللاجئين و "حملة المفاتيح"، إلى الموقف من حملهم الأوراق الرسمية الخاصة بـ "الدولة" الناشئة، إلى الموقف من انخراطهم في مؤسساتها الرسمية. مهما يكن الموقف السياسي مربك وملتبس، إلا أن أدباً واسع الانتشار خرج من هذا المكان بالتحديد، وكان أكثر إرباكاً والتباساً بالنسبة للكثيرين، وفي الحديث عن هذا الأدب لا يمكن القفز عن واحد من مؤسسيه، إميل حبيبي ومتشائله الذي ترجم رواية ومسرحاً.
إيميل حبيبي

المتشائل ونسبه

المتشائل، المتفائل والمتشائم، “أقوم في الصباح من نومي فأحمده على أنه لم يقبضني في المنام، فإذا أصابني مكروه في يومي أحمده على أن لا الأكره منه لم يقع، فأيهما أنا المتشائم أم المتفائل؟”.

والمتشائل في الرواية هي سمة عائلة، يتمتع أفرادها جميعاً بجدلية دائمة من التفاؤل والتشاؤم، “ووالدتي من عائلة المشائل أيضاً، وكان أخي البكر يعمل في ميناء حيفا، فهبت عاصفة اقتلعت الونش الذي كان يقوده وألقته معه في البحر فوق الصخور، فلموه وأعادوه إلينا إرباً إرباً، لا رأس ولا أحشاء. وكان عروساً ابن شهره. فقعدت عروسه تولول وتندب حظها. وقعدت والدتي تبكي معها صمتاً. ثم إذا بوالدتي تستشيط وتضرب كفاً بكف وتبح قائلة “مليح إن صار هكذا وما صار غير شكل”، فما ذهل أحد سوى العروس، التي لم تكن من العائلة فلا تعي الحكم. ففقدت رشدها، وأخذت تعول في وجه والدتي: أي غير شكل يا عجوز النحس، أي شكل بعد هذا الشكل يمكن أن يكون أسوأ منه؟ فأجابتها بهدوء: أن تخطفي في حياته يا بنية“.

ولكن هذا التشاؤل لا يلعب في الرواية دوراً سيكولوجياً مجرداً، بل دوراً سياسياً وموقفاً، فالمتفائل في عائلة المتشائل هو من يخفف من حجم المصيبة التي حلت بهذا الشعب، فقد كان من الممكن أن يحل به ما هو أكثر مأساوية. في حوار جمع سعيد أبو النحس المتشائل مع معلمه، يقول المعلم: “في الحقيقة، ليسوا (اليهود) أسوأ من غيرهم في التاريخ، وإن في قلوبهم لرأفة لم يحظ بها أجدادنا من الغزاة الذين سبقوهم، خذ لك عكا هذه مثلاً، فحين افتتحها الصليبيون سنة 1104م، بعد حصار دام ثلاثة أسابيع، ذبحوا أهلها، ونهبوا أموالهم، وبقيت في أيديهم 83 عاماً حتى حررها صلاح الدين بعد وقعة حطين التي علمتكم عنها في المدرسة، هؤلاء ليسوا مماليك، وليسوا صليبيين، بل عائدون إلى وطنهم بعد غيبة ألفي سنة“.

يسأل سعيد معلمه: “وهل يدخلون جامع الجزار كما دخل الصليبيون مسجد عمر؟”، فيجيب الأستاذ: “حاشى وكلا يا بني، بل يقرعون الباب فنخرج نحن إليهم. إنهم لا يدنسون حرمة دور العبادة، بل إن لهم في خارجها متسعا لهذا الأمر“.

أما المتشائم في المتشائل، فهو من ضاع في أزمة الخيارات المتاحة، وقد كرس حبيبي ذلك في مصائر الشخصيات التي ابتكرها في روايته وفي تأثير هذه الشخصيات على سعيد أي النحس المتشائل، شخصيات عبرت هي الأخرى عن أماكن وأزمنة ومواقف وبرامج سياسية كذلك، فزوجته الأولى يعاد، هي التي لجأت عام 1948م، وحاول هو “رفعها إلى أعلى”، ولكنها كانت دائماً تشده إلى قبر الغربة، وقد مثلت يعاد خيار اللجوء وترك الأرض. وابنته يعاد التي عادت إلى الأرض كي تبحث عن شقيقها من أمها في السجن، سعيد، وكلاهما تبنى خيار المقاومة، وباقية الطنطورية، الزوجة الثانية، التي بقيت في الأرض ضمن شروط السجن والتعذيب والتهميش، وابنها ولاء، الذي أسماه والده سعيد أبو النحس بهذا الاسم ليقدم ولاءه للدولة الجديدة، فما كان منه إلا أن انقلب على هذا الولاء، وأضاعه حبيبي في البحر مخفياً أثره إلى ما بعد الصفحة الأخيرة من الرواية. كل تلك الخيارات لم ترق للمتشائم في المتشائل وقرر في نهاية الرواية الالتحاق بمخلوقات فضائية متأملاً في هذه الخيارات من عل، بلا فعل، وبلا موقف، وهذا بحد ذاته يبني جانباً سريالياً في النص، يريح الكاتب من عبء الموقف الواضح، ويحيل النص بعيداً عن خيارات الأدب المواقفي لحساب المواقف التي تم تكريسها في بداية الرواية.

وللمتشائل نسب كذلك، فأصل العائلة “يعود إلى جارية قبرصية من حلب لم يجد تيمورلنك لرأسها مكاناً في هرم الجماجم المحزوزة، مع أن قاعدته كانت عشرين ألف ذراع وعلوه كان عشر أذرع، فأرسلها مع أحد قواده إلى بغداد لتغتسل فتنتظر عودته. فاستغفلته وفرت مع أعرابي من عرب التويسات، اسمه أبجر الذي طلقها حينما رآها تخونه مع الرغيف بن أبي عمرة (الدلالة هي الجوع هنا)”.

لم يكن تصدير النسب سرداً تاريخياً مجرداً هو الآخر، لقد حمل موقفاً سياسياُ خالصاً: في قضية فلسطين لا طائل من العودة إلى الوراء في التاريخ، فلقد مروا زائرونا من هنا، تماماً كما جئنا نحن من مكان آخر يوماً ما.

وبهذا تدمج أية لحظات غزو لأي شعب في الأرض، بتاريخ اختلاط الأعراق البشرية، لو استقر الأتراك اليوم في البلقان وهجروا أهلها، فذلك لأنهم مكثوا فيها قروناً في حقبة الدولة العثمانية، واستقرارهم في آسيا قبل لجوئهم إلى الإمبراطورية السلجوقية لا يعني شيئاً، بل أيضاً تبرير إحلال ديمغرافي أوروبي للعرب في الشرق استناداً إلى حقبة حروبهم وسيطرتهم عليه.

في جولات سعيد على الشاطئ التقى بطفل يهودي وقد قعد إلى جانبه دون أن يلحظه، ليفاجئه بالسؤال: بأية لغة تتكلم يا عماه؟

– بالعربية.

– مع من؟

– مع الأسماك.

– والسمك هل يفهم اللغة العربية فقط؟

– السمك الكبير العجوز الذي كان هنا حين كان العرب هنا.

– والسمك الصغير، هل يفهم العبرية؟

– يفهم العبرية والعربية، وكل اللغات. إن البحار واسعة ومتصلة. ليس عليها حدود وتتسع لكل السمك.

في تفاؤل المتشائل وتشاؤمه حالة خضوعية، فتفاؤله يخفف من حجم المصيبة القائمة لحساب مصيبة متخيلة ومصطنعة، كان من الممكن لها أن تحدث بدلاً من “المصيبة الخفيفة” التي حدثت فعلاً، وتشاؤمه يضع الخيارات جميعاً في خانة اللاجدوى، وأحياناً كثيرة أكثر. أما نسبه فيقدم مساواة تضليلية بين الظالم والمظلوم، واستناداً إلى التاريخ كوحدة غير قابلة للتجزئة، وبذلك يتلاشى مفهوم الاحتلال تماماً.

ويتقاطع دور النسب هذا مع الدور الذي وظفه إلياس خوري في ممكلة الغرباء وباب الشمس، أن الجميع غرباء في هذا الكوكب، فتعميم الغربة عند خوري، مماثل تماماً لتجميد التاريخ في كتلة واحدة عند حبيبي، إيلا دويك، اليهودية اللبنانية، التي هاجرت إلى فلسطين تشعر بالغربة وتلتقي أم حسن الفلسطينية التي هاجرت إلى بيروت وتركت منزلها لإيلا، لتقول الأخيرة “أنا يللي بدي أبكي، قومي يا أختي روحي، ردي لي بيروت، وخذي كل هالأرض المقطوعة”.

الأنسنة، التعميم، المقاومة والعروبة

الجندي الصهيوني الذي يحلم بالزنابق البيضاء في شعر درويش، وإميل آزاييف في رواية إلياس خوري، الذي يترك “إسرائيل” ويستقر في نيويورك عندما يجد العدالة مستحيلة في “إسرائيل”، لتلك الحالات نظائر، أسبق تاريخياً، في أدب حبيبي: “فاستغربت يعاد أن يتقن اليهود، القادمون من أوروبا، هذا الفلكلور العربي، فقلت لها: بل هم قادمون من بلاد العرب، ولم يتغير عليهم شيء حتى ولا الشتيمة، يشتمون ويشتمون بلغة الضاد. الماء لا يترك البحر، يتبخر ثم يعود في الشتاء. ويعود أنهاراً وجداول. ولكنه يعود“.

– يعاد: كيف تأتي الفرحة بنعمة الغازي؟

– سعيد: كما ينضج الطعام بنعمة النار”.

إن هذه الفانتازيا العبثية في أنسنة ما لا يؤنسن تحيل شعباً بأكمله إلى حالة من الانتظار، وهذه الحالة من الانتظار تحال لاحقاً إلى تمجيد حالات فردية من الرحمة والتعاطف، كما هو الحديث عن المحاميتين فيلتسيا لانغر وليئه تسيمل والأكاديمي إيلان بابيه، ولكنها لا تمحي حقيقة العصابات الغازية التي تشكلت لاحقاً في إطار مجتمع، غاز أيضاً، مزاجه العام لا ينتج جنوداً يحلمون بزنابق بيضاء، ولا مغادرين بالجملة محتجين على سياسة الدولة الناشئة، ولا هيئة محامين تدافع عن حقوق الفلسطينيين.

تتقدم الفانتازيا خطوة ثانية باتجاه الحديث عن المقاومة. يأخذ إميل حبيبي القارئ ببراعة في مراوحة بين الموقف الشعوري من المقاومة، والموقف العملي منها، فيكرس شخصية المقاوم الشجاع الذي تنحني له الهامات احتراماً، إلا أنه ساذج وغير ناضج سياسياً، وهو في نهاية المطاف من دلق المزيد من المصائب على رأس الشعب الفلسطيني.

ينسج حواراً دار بين سعيد أبي النحس وفدائي لاجىء، جمعتهما صدفة السجن:

– هل هذه هي الزنزانة؟

– أول مرة؟

– هناك غرفة بلا نوافذ.

– وهناك أمل بلا جدران.

– وأنت؟

– فدائي ولاجئ، وأنت؟

– فتحيرت في هويتي، كيف أنتسب أمام هذا الجلال المسجى الذي حين يتكلم لا يئن، ويتكلم كي لا يئن. هل أقول له “إنني كبش ومقيم”؟ أم أقول له “دخلن إلى بلاطكم زحفاً”؟ فسترت عورتي بأنين طويل.

– “كف يا رجل”.

– ها قد أصبحت رجلاً بعد أن ركلتني أرجل الحراس.

– مالك يا أخي؟

– لو كنا التقينا في الخارج، هل كان يناديني بيا أخي؟ دوسي أيتها الأحذية الضخمة على صدري، أخنقي أنفاسي، أيتها الغرفة السوداء أطبقي على جسدي العاجز، فلولاكم لما اجتمعنا من جديد”.

يأخذ مصير ابنه ولاء -الذي انقلب عن ولائه للدولة الجديدة إلى المقاومة المسلحة- إلى الضياع في البحر، وينسج حواراً مع أمه باقية الطنطورية:

– ما الذي جاء بك يا أماه؟

– أرسلوني كي أقنعك بأن تلقي السلاح، فتخرج إلينا فتسلم.

– لماذا؟

– قالوا رحمة بي وبأبيك.

– قهقهقهقه.

– أتطلق الرصاص على البطن الذي حملك؟

– بل أقهقه يا أماه. أرأيت كيف أصبحوا يتحدثون عن الرحمة. فكيف بهم إذا لعلعت؟ فتنحنح العسكر.

– ولكنهم لا يرحمون أحداً يا ولدي.

– فخفتهم؟

– خوفي عليك يا ولاء. ولاء يا ولدي ألق سلاحك وأخرج.

– يا إمرأة يا التي جئت معهم، إلى أين أخرج؟

– إلى الفضاء الرحب يا بني. كهفك ضيق، مسدود كهفك. وسوف تختنق فيه.

– أختنق؟ أتيت إلى هذا الكهف كي أتنفس بحرية. مرة واحدة أن أتنفس بحرية.

– لو كنا أحراراً يا ولدي، ما اختلفنا. لا أنت تحمل سلاحاً ولا أنا أدعوك إلى احتراس. إنما نحن نسعى في سبيل هذه الحرية.

– كيف؟

– مثلما تسعى الطبيعة في سبيل حريتها. فالفجر لا يطلع من ليله إلا بعد أن يكتمل ليله. والزنبقة لا تبرعم إلا بعد أن تنضج بصلتها. الطبيعة تكره الإجهاض يا ولدي. والناس لا يتحملون ما أنت مقدم عليه.

ويبني مشهد الفلسطينيين القادمين للعمل في “إسرائيل” في إشارة إلى عدم نضج خيار المقاومة: “ولقد رأيتهم في ساحة العجمي بيافا، شباباً في عمر التمر، من غزة وجباليا وبيت لاهيا وبيت حانون ودير البلح وخان يونس ورفح، يتمايلون على سيارة المقاول كتمايل شواهد القبور فوق إخوتهم الشهداء في مقابر غزة، فآمنت بأن الأحياء يستطيعون هم أيضاً أن يبقوا في وطنهم. (في إشارة عما انتشر في غزة وباقي المناطق المحتلة عن تمايل شواهد القبور فوق قبور الشبان الأربعة في أواخر أيلول عام 1972م، في مقبرة حي الشجاعية في غزة، مصطفى عبدالقادر وحسين سليمان وعون سعيد ونوفل شمالي، الذين صرعهم رصاص الاحتلال)”.

ومشهد ثريا التي سافرت وأهلها إلى الكويت لجمع المال، وعادت لتبني منزلاً في الأردن هدم في أحداث أيلول عام 1970م:

عاشت في عمّان مع زوجها وطفلها وأبي عمرة (رغيف الخبز)، الذي رحمها فلم تنجب عنه أطفالاً. حتى شب ولداها، فسعيا إلى الكويت في طلب الرزق. فعادا بحفنة نفط أحمر شيدا بها بيتاً في عمّان شيعا منه والدهما إلى مقره الأخير. ثم أقبل أيلول الأسود، عام 1970م، على صورة دبابة هاشمية نقية تقية من طراز “شيرمان” هدمته، فلم يخرج من تحت الأنقاض سالماً سوى الثريا وطويتها السليمة. فلما وقفت ثريا عبدالقادر مقبول بين الأنقاض في صحراء الغربة القاحلة، تذكرت عزها الدارس في فردوسها المفقود، في بيتها العامر في اللد“.

ويخلص من رحم هذه الحوارات والمشاهد إلى الخيار السياسي الأكثر نضجاً، خيار “الحزب الشيوعي الإسرائيلي”، القائم في أدبيات حبيبي على مقاومة المحتل في الداخل، على الرغم من فانتازيا الأمل في رحمته، والانخراط السياسي في مؤسساته على الرغم من تنكيله بالشعب الفلسطيني ورميه في السجون، ويتكرس ذلك في حواراته مع باقية الطنطورية.

ألم يكن لأخوالك أرض في جسر الزرقاء؟ فأجابت: بلى، ولكن الحكومة استولت عليها كما استولت على بقية الأراضي في جسر الزرقاء. فسألتها: ألم يرفع أخوالك أمرهم إلى القضاء؟ فأبدت دهشتها، وقالت، إنهم قالوا له: حاربتم فانهزمتم، فأصبحتم وأموالكم، حلالاً لنا، فبأي قانون يطالب المغلوب بحقه؟ فما انتبهت إلا وأنا أهتف، ها ها! الآن فهمت حرص الرجل الكبير على منع الشيوعيين عن دخول قريتكم أو عن دخول أمثالها من القرى التي عزلتها الطبيعة“.

ما من مجير سوى الشيوعيين وأهل الكيبوتس. وأما الشيوعيون فيجرؤ نوابهم على اختراق الطوق. فيدخلون معنا فيه مؤاسين ومشجعين أن اصمدوا. ويجمعون الحقائق، ويصيحون في الكنيست، وهو مثل البرلمان عندكم“.

تتقدم الفانتازيا خطوة ثالثة باتجاه الحديث عن العروبة، ويعمم حبيبي مجدداً الموقف العربي الرسمي على الموقف العربي الشعبي، وبذلك يصبح خيار العروبة خياراً ساذجاً هو الآخر:

في الحديث عن العروبة وعصر التشمير، يتحدث حبيبي عن أمراء الجزيرة، ويقتبس من أبي نواس:

يا بشر مالي للسيف والحرب … وإن نجمي للهو والطرب

لو كان قصف وشرب صافية … مع كل خود تختال في السلب

والنوم عند الفتاة أرشفها … وجدتني ثم فارس العرب

“ثم ينتشي منتشيهم صائحاُ يتهم كل مطالب بتنفيذ قرارات مجلس الأمن بأنه خائن للعروبة.

فمن شيد المباني الشاهقة في هذه البلاد، وشق طرقها العريضة، وزفتها وأحكم الاستحكامات، وحفر الملاجئ؟

ومن زرع القطن، ثم جناه، ثم حلجه، ثم نسجه أثواباً يتيه فيها سادة رغدان وبسمان، حتى قيل أن الاتحاد الوطني سيخيط منها لباسه الموحد، فيتساوى أعضاؤه، كأسنان المشط. لا فضل لعربي على أعجمي إلا بملوكهم وبتقبع الكوفية، رمز العروبية.

من شيد المباني وشق الطرق وحرث الأرض وزرعها في إسرائيل غير العرب الباقية في إسرائيل؟ فالعرب الباقية فيما احتلته دولتنا من أرض لم يجد لها أحمد الشقيري متسعاً في ملفات خطبه الرنانة”.

لا يمكن القفز عن المتشائل كرواية متقنة ببراعة من الناحية الفنية واللغوية، لقد تمكن حبيبي خلالها من تفجير الشخصيات إلى أماكن وأزمنة ومواقف وحالات شعورية عامة، إلا أنها من ناحية المعنى استندت إلى العناصر والتناقضات التالية:

– سينضج الطعام بنعمة النار، صحيح أن “البوليس يقوم بتطويق القرية ويسد منافذها، ويفرض منع التجول فيها. ثم تهدر سياراته المصفحة في أزقة القرية. وينتشرون، في أثرهم كلاب الأثر، يدخلون البيوت ويروعون الأطفال ويدلقون خوابي الزيت على عدل الطحين خوفاً من أن يكون المتسللون قد تسللوا إلى الخوابي والعدل. فإذا سمعنا صراخاً في بيت تسللنا إليه في حلكة الليل، فليل القرية حالك، وهذا حاله عشرين عاماً“، إلا أن الخيار الأسلم والأكثر جدوى هو المقاومة في الداخل لكل ذلك، والحيز الأساسي لهذه المقاومة هو الانتظار، انتظار جنود درويش، وشخوص ممكلة الغرباء.

– تشريف المقاومة على اعتبارها خياراً شجاعاً إلا أنه ساذجاً.

– اختصار العروبة في النظام العربي الرسمي وإحالتها لاحقاً إلى ضرب من الشوفينية والعنصرية.

تتراكم التناقضات في أدب حبيبي لتقديم خلاصة مفادها: إن استمرت مقاومتكم، ستكون عندها أكثر من ساذجة!

شارك: Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterPin on PinterestShare on StumbleUponShare on TumblrShare on LinkedInPrint this page