متزوجة من تشي

الكاتب: ترجمة روزا خليل لألايد مارش

04-10-2015

Remembering Che

إنها فعلاً لمهمة شاقة بأن أصف تجربتي الشخصية مع رجل، قبل أن يكون شريكي، كان معروفاً في الأصل على أنه شخص استثنائي.

تبدأ القصة مع أول لقاء لي مع القائد آرنستو “تشي جيفارا” في جبال الإيسكامبري خلال الحرب الثورية في كوبا. تشي، الأرجنتيني، الذي كان له في ذلك الحين صيت استحقه عن جدارة، كان قائد العمود الثامن. كنت أنا آنذاك نشطة في الحركة المدنية السرية، وكنت في مهمة أوكلت إلي من بعض القادة المحليين في حركة 26 يوليو.

كانت المقاطعة التي نتواجد فيها محاطة وتحت مراقبة شديدة من قبل القوات القمعية التابعة لنظام باتيستا الديكتاتوري. مهمتي كانت القيام بدور ساعي بريد، أنقل النقود والوثائق للثوار عند وصولهم جبال الإيسكامبري. كانت مهمة محفوفة بالمخاطر، بالإضافة إلى أنها كانت فرصتي الأولى لأن أكون على اتصال مباشر مع المقاتلين. عند وصولي لمخيم الثوّار، وجدت أنهم كانوا يراقبونني بقدر ما كنت أراقبهم.

بعض المقاتلين لم يتمكنوا من فهمي أبداً، متسائلين ما الذي أتى بي إلى هناك! ولم يكن هذا مستغرباً، حيث أنني بالكاد كنت أبدو كمقاتلة صلبة. كنت شابة جميلة فعلاً، أبدو كأي شيء إلا كمقاتلة مستعدة للمعركة.

مرت عدة سنوات قبل أن أعرف ما الذي كان يجول في بال تشي عند أول لقاء جمع بيننا. في رسالة بعث لي بها من الكونغو عام 1965، رسالة تفيض بالحنين إلى الماضي، وصف لي شعوره بالتمزق بين دور الرجل الثوري عالي الانضباط، والرجل العادي باحتياجاته العاطفية وغيرها. ذكرني على أنني “المعلمة طفيفة الشقار والممتلئة قليلاً”.

في تشرين الثاني من العام 1958، تلقيت أمراً بالتوجه نحو جبال الإيسكامبري بهدف أخذ الأموال إلى القيادة للمساعدة في تمويل نضال المقاتلين الثوّار.

على الرغم من أهمية هذه المهمة، إلا أنها بالنسبة لي كانت مجرد مهمة أخرى. كنت أعلم أنني في هذه المرة سوف ألتقي بالقائد المعروف تشي جيفارا. كان تشي قد وصل إلى سفوح الإيسكامبري خلال شهر تشرين الأول، على رأس السريّة الثامنة “سيرو ريدوندو”.

كان تشي الآن يقود اقتحام القوى الثورية لمركز كوبا. كنت أنا كأي مقاتل عادي يتلقى الأوامر ولم تكن لدي توقعات تفوق ذلك.

بالطبع، كنت أعلم حينها عن المآثر الأسطورية لتشي جيفارا. كانت القصص عنه تتداول شبه يومياً عبر محطة الراديو السرية (محطة إذاعة الثوار).

كانت حكومة باتيستا قد وسمته بلقب “الشيوعي”، وكانت صوره وإلى جانبها صور كاميليو سيينفويغوس تعلّق في شوارع سانتا كلارا على أنهم مطلوبون. كانت رحلتي في تسلق الإيسكامبري غير مريحة بتاتاً، ذلك لأني لم أستطع إخبار أحد بأني أحمل النقود، خوفاً من التعرض للسرقة، وكانت النقود ملصقة إلى جذعي. مع حلول الليل، وصلنا إلى مخيم قيادة الثوار، وكان هذا أول لقاء لي عن قرب مع أكثر جماعة تحظى بالإعجاب من جيش الثوار.

سعى الجميع لمحاولة التعرف إلى الوجوه الجديدة التي وصلت، وبالأخص وجهي. فقد كنت فتية ومن النساء القليلات اللواتي قمن بالزيارة – تواجد نادر في هذا المخيم.

كما كان متوقعاً، التقى تشي بـ [كبار القادة] أولاً…

وأخيراً جاء دوري لمقابلة تشي. كنت أقف إلى جانب مارتا لوخيويو، محامية وعضو في الحركة، وكانت قد التقت تشي في زيارة سابقة.

بعد أن تم تقديمي للقائد، أخذتني جانباً وسألتني عن رأيي به. أجبتها دون تكلّف بأنني اعتقدت أنه ليس سيئاً، وأضفت بأنني وجدت نظراته الثاقبة مثيرة للاهتمام. رأيته كرجل كبير في السن.

مارتا، من جهة أخرى، علقت على جمال يديه، وهو شيء لم ألحظه في ذلك الوقت إلا أنني تنبهت له في وقت لاحق. في المحصّلة، كنا مجرد امرأتين قد التقيتا برجل جذاب.

عندما أتيحت لي فرصة التحدث إلى تشي، أخبرته أنني أتيت لتسليمه طرداً. كان الشريط اللاصق لا يزال يسبب لي ألماً فظيعاً، وطلبت منه مساعدتي في إزالته. كان هذا أول لقاء جمع بيننا.

بقيت في المخيم لمدة ثلاثة أو أربعة أيام بانتظار الرحيل. كنت أتعرض على الدوام لمضايقات المقاتلين محاولين تبادل أطراف التحديث معي، [إلا أنني] أقمت عدة صداقات مع عدد من الرفاق ظلوا أصدقاء أعزاء طيلة هذه السنين. اتخذت لنفسي تحدياً جديداً هو أن أصبح جندية، كانت على الأقل تلك نيّتي. خططت لاقتراح تلك الفكرة على تشي عندما نلتقي لنناقش مستقبلي. اجتمعت به ذات مساء واقترح علي البقاء في المخيم كممرضة. أجبته بعنف بأنني أعتقد بأن عملي السري على مدار سنتين يعطيني حق الانضمام للوحدة المقاتلة.

لم يوافق.

بعد سنوات، أقر تشي أنه في ذلك الوقت كان يعتقد أنني مرسلة من قبل قيادة الحركة في لاس فيلاس (المكونة بشكل كبير من أشخاص ينتمون للجناح اليميني) لمراقبته، وذلك لصيته بأنه شيوعي. هذا كان دافعه [بداية] في رفض اقتراح انضمامي إلى الوحدة المقاتلة.

[بعد عدة أيام وفي شهر كانون الأول، كانت ألايدا لا تزال في بلدة أل بيدريرو تجادل من أجل السماح لها بالانضمام إلى مخيم وحدة تشي كمقاتلة. الحرب الثورية على أعتاب الدخول في مرحلتها النهائية.] في أحد الأيام، ظهر تشي في بلدة أل بيدريرو عند بزوغ الفجر، فبدأت قصتنا المشتركة منذ تلك اللحظة. كنت جالسة في أحد الشوارع وحقيبة سفري على ركبتي، عندما مر تشي في سيارة جيب ودعاني للانضمام إليه “في بضعة جولات لإطلاق النار”. بدون أي تردد، قبلت وصعدت في سيارته الجيب. وهذا ما كان. على نحو ما، لم أخرج بعدها من ذلك الجيب.

بعد دعوة تشي العفوية تلك، لم يكن هناك وقتاً كافياً للتفكير فيما قد يعني ذلك على المستوى الشخصي. كنت ملتزمة بقضية لدي ثقة كاملة بأنها ستفوز.

تدريجياً ومع مرور الأيام، أصبحت أشعر برهبة أقل من سمعة تشي، وتطور بدلاً منها إعجاب واحترام هائلين لشخصه. كان شديد الذكاء، وكان يعكس شعوراً بالأمن والثقة يعطي القوات التي يقودها إحساساً بالدعم الكامل، حتى في أكثر الظروف صعوبة. لم يكن يتوانَ عن مواجهة عدو ذو قوة متفوقة، وبالإضافة إلى شجاعته المذهلة، كان يمكن للمقاتلين الاعتماد على قائد يملك حس تكتيكي واستراتيجي مذهل.

تطورت الأحداث بسرعة هائلة. أضحينا كالآلات الموجهة بشكل شبه حصري إلى القتال. إعجابي لتشي تجاوز حتى حدود تعلقي الرومانسي المتنامي به.

بعد الاستيلاء على فومينتو، قدم تشي اقتراحاً بالاستيلاء على كاباغوان. فأصبحت هذه وجهتنا. من مزرعة خارج حدود المدينة، كان باستطاعتنا رصد مخيم للجنود. تم إرسال زوج من الكشافة للتحقق منه، ثم تقدمنا نحو المدينة، حيث لم نعثر على أي من الجنود. بقينا في مصنع للتبغ يقع على أطراف المدينة وبدأنا استعداداتنا للمعركة؛ أنشأنا مقراً وقاعدة للاتصالات اللاسلكية هناك.

اختار تشي هذه اللحظة المتوترة ليتلُ عليّ قصيدة. كانت هذه من أجمل الطرق التي عرف التعبير عن نفسه من خلالها.

كنت أقف في مدخل المصنع، عندما بدأ تشي فجأة بإلقاء قصيدة لم أعرفها. ولأني كنت أتبادل أطراف الحديث مع آخرين في ذلك الوقت، كانت هذه طريقته في جذب انتباهي. انتابني الشك حينها أنه يحاول لفت نظري إليه، ليس كقائد أو شخص يفوقني في المرتبة، بل كرجل.

كجزء من الوحدة المقاتلة، تغلبت على شكوكي بأنني لن أكون عضواً ذو منفعة بينهم. تحول محور الحرب إلى بلاسيتاس، وانتقلنا فوراً إلى هناك. في البداية، بقينا في متجر لتخزين الغذاء في تلك المدينة، مختبئين بين أكياس من الحبوب لمحاولة حماية أنفسنا من الغارات الجوية.

شققنا طريقنا نحو فندق لاس توليرياس، حيث قام تشي، وبطاقة ملحوظة، بالإعداد لما أصبح لاحقاً واحداً من أكبر انتصاراته العسكرية: معركة سانتا كلارا.

وجه إلي التعليمات بأن أنقل كلمات السر ليتم نقلها إلى سينيتشيو توريس في مانيكاراغوا. منذ تلك اللحظة وصاعداً، عملت كمساعدة تشي الشخصية، مما عنى بأني كنت بالكاد أخوض في أي قتال، لكنني كنت على الدوام إلى جانبه.

[في 28 كانون الأول، كان المقاتلون الذين تفوّق عليهم الجنود بالعدد بصورة كبيرة، كانوا لا يزالوا يقاتلون بهدف السيطرة على سانتا كلارا. تشي وألايدا عادوا إلى بلدة بيدريرو التي أصبحت آمنة، لحضور جنازة وزيارة المقاتلين المصابين، ليتوجها بعد ذلك عائدين إلى سانتا كلارا.]

عند الغروب، حدث شيء غير متوقع بتاتاً. لا أعلم إذا كان ذلك الوقت من اليوم، أو بدافع حاجة يمتلكها، إلا أنه للمرة الأولى، قام تشي بالتحدث معي حول حياته الشخصية. حدثني عن زواجه من هيلدا غادييا (خبيرة اقتصادية من البيرو) وعن ابنته هيلديتا. في ذلك الحين لم أكن متأكدة فيما لو قال أن عمرها ثلاثة أم ثلاثة عشر عاماً. قال لي أنه في الوقت الذي رحل فيه من المكسيك، كان قد انفصل عن هيلدا… أكاد أرى نفسي في تلك السيارة تحت ضوء الغروب المتلاشي، برفقة رجل يروي قصة حياته لجندية من رفاقه. أما هي، ولوعيها بما يجري حولها، تحرص على سلامة قائدها. إلا أنه تمت مقاطعة تشي عن حديثه، وأكملنا طريقنا.

حظينا بأكثر الأوقات متعة في خضم دوامة الحرب، وكانت هذه اللحظات هي السبب في قربنا جميعاً من بعضنا البعض. ساعدتنا في التعرف على بعضنا البعض كما كنا حقاً. بعضنا كان ساذج، والبعض الآخر كان شديد الذكاء؛ كنا جميعنا صغار في السن، مليئين بالأمل لانتصار مستقبلي. أخذنا كل فرصة لنشعر بالمتعة. أذكر أن تشي كتب لاحقاً: “رغم المخاطرة بأن أبدو مثيراً للسخرية، دعوني أقول لكم أن الثائر الحقيقي تقوده مشاعر حب عظيمة. من المستحيل التفكير بثوري أصيل يفتقر إلى هذه الميزة.”

في ليلة 29 كانون الأول، ذهبنا أنا وتشي في نزهة على طول الطريق العام. كان يدقق في كل شيء، بينما كنت أنا أدوّن الملاحظات كمساعدة جيدة. قال أنه يتوجب علينا تحديد موقع “كاتيربيلار”، أي جرافة، من أجل رفع السكة الحديدية لعرقلة القطار المدرّع الخاص بالدكتاتور والمتوقع وصوله.

كان لتشي صوت عميق، ولأن الوقت كان ليلاً فقد كان يهمس. لم أفهم تحديداً ما قاله. لم تكن لدي أية فكرة ما هو “الكاتيربيلار” -لأنه استخدم كلمة “كاتيربيلار” الإنجليزية- لذا قمت بتدوين ما اعتقدت أني فهمته بالاسبانية: أسرّة، مجارف وبطاريات. أدرك مدى حيرتي فطلب رؤية ما دونته. قال مازحاً: “معلمة، أليس كذلك؟”.

بعد عدة سنوات، عندما أخبرت أطفالي تلك القصة، كانت متعتهم السخرية مني بهتاف: “أسرّة، مجارف وبطاريات”.

[بحلول الأول من كانون الثاني عام 1959، كانت “قوات تشي الانتحارية” قد سيطرت على سانتا كلارا، وفرّ باتيستا من هافانا، بينما تشي وألايدا يشقان طريقهما إلى العاصمة.]

كان أول توقف لنا للتزود بالوقود عند الغسق. أعتقد أنه كان في لوس أرابوس، أو من الممكن أنه كان في كوليسييو. كان مكاناً أعرفه، فقد مررت به خلال فترة النضال السري. لكن الذي لم أكن أتخيله قط، أن ذلك المكان كان على وشك أن يصبح أكثر مكان مميز بالنسبة لي حتى آخر حياتي. في تلك المدينة الصغيرة، غير المهمة على ما يبدو، أعلن تشي حبه لي لأول مرة.

وجدنا أنفسنا جالسين لوحدنا في السيارة. استدار نحوي فجأة وقال بأنه أدرك للمرة الأولى حبه لي ذلك اليوم في سانتا كلارا، عندما ظهرت سيارة مدرعة من خلفنا. قال أنه خاف جداً من أن يصيبني أي مكروه. كنت منهكة من التعب وشبه نائمة، لذا كنت بالكاد أسمع ما يقول. لم آخذ الأمر على محمل الجد، كنت لا أزال أراه يكبرني سناً بفارق كبير. من المحتمل أنه كان ينتظر رداً ما من جهتي، لكنني في تلك اللحظة لم أكن قادرة على النطق بكلمة واحدة – كنت خائرة القوى. اعتقدت أني ربما لم أسمع ما قاله بشكل صحيح، ولم أشأ تكرار حادثة “الكاتيربيلار”.

عندما أنظر إلى الوراء، أعتقد بأن تشي لم يختر أفضل لحظة ليعلن فيها عن حبه لي، وشعرت بعدها بالانزعاج قليلاً بأنه لم يتلق الإجابة التي كان يأملها. لكن ذلك ما حدث. جاء البقية وتراكموا داخل الجيب، وسرعان ما كنا على الطريق مجدداً. إلا ألا أن الجليد كان قد انكسر بيننا بكل تأكيد.

[في حزيران عام 1959 تزوج تشي وألايدا.]

المادة الأصلية باللغة الإنجليزية.

شارك: Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterPin on PinterestShare on StumbleUponShare on TumblrShare on LinkedInPrint this page