مئة عام | سوريا على صليب

الكاتب: زينون عطية

08-04-2016

لم تسر الحياة بشكل ولو شبه طبيعي على الضفاف الشرقية للمتوسط وشواطئ الرافدين منذ سايكس بيكو. الكثير من أعراض هذا الحياة، الأقل من شبه الطبيعية، ترجمت كأسباب، فيما يكمن السبب الأساسي في معاهدة عمرها اليوم مئة عام، لذلك من المجدي أن نحاول إلقاء الضوء على أزمات المنطقة على هذا الأساس في سلسلة من المقالات نقدم لها هنا.
سايكس-بيكو

ضمن وثائقي تلفزيوني قبل بضعة سنوات قال بروفيسور التاريخ والعلاقات الدولية في جامعة إسكس البريطانية أنه من غير الممكن فهم الصراع في الشرق الأوسط دون وضع خريطة سايكس بيكو أمام عينيك.

من المفارقة أن تأتي هذه النصيحة من إنجليزي بينما يتجاهلها الكثير من أصحاب الشأن، إن لم تغب كلياً عن أذهان بعضهم. وليس في ذاك التجاهل جهل، بل نتيجة منطقية للضعف والارتهان، إذ لا يمكن الحديث عن حلول لسايكس بيكو والمشكلات الناتجة عنها دون استنفار كل دولة تنعم إما بأرض سورية عراقية مقتطعة، أو تنعم بتوازي الحجوم مع منتجات الاتفاقية، والحديث هنا على الصعيد الإقليمي. وبالطبع لا يمكن الحديث عن سايكس بيكو بغياب الاستراتيجية الواضحة والاستقلالية ومتطلباتها. والأهم أنه وإن توفرت تلك المقومات فلا حديث عن سايكس بيكو دون المساس بأشكال التجزئة القطرية الحالية، والتي لم يكن لها إلا أن تتبنى هذه الاتفاقية كسبب وجودها. فالوحدة بين سورية والعراق ما كانت لتتسع لزعامتين وكانت لتضم لبنان والأردن كنتيجة تلقائية، وصفة “الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني” تبنت خريطة سايكس بيكو وبذلك صدقت على اجتزاء سوريا الجنوبية مقابل زعامة على دولة في المنفى. أما دستور “لبنان الكبير” فيتسع لزعامات وزعامات تصل حد الحي والشارع، ولا تختلف المملكة إلا لكونها بلون واحد متفق على استقرارها ملجأ ومحطة للعبور.

لم تكن بذور المشكلة وليدة الاتفاق، والحديث عن زرع مشروع مذهبي أو فئوي لا بد أن يذهب إلى ما قبل سقوط الدولة العثمانية إن لم يكن إلى ما قبل قيامها. فبذور التجزئة كانت مزروعة بالطبع قبل وصول العم سام وكانت تغذى بسياسات الرجل المريض من جهة ومن قبل سادة الإليزيه وداوننج ستريت من جهة أخرى مع مساهمة من موسكو وبرلين في بعض المراحل. وقد حافظ المؤتمر السوري العام سنة ١٩١٩ على هذه الإشكالية بالرغم من أهدافه الوحدوية، إذ أن أكثر من تسعين ممثلاً عن المناطق حضروا بصفة مذهبية أو عرقية، محافظين على مقومات للتجزئة. وليس من المتسع هنا نقاش طبيعة الموروث والمراحل وما تضمنت من تجارب على الصعيد الاقتصادي والسياسي والثقافي، أفشلت أو لم تنضج.

عبر تلك المراحل تكررت حاجة كيانات سايكس بيكو إلى الحفاظ على التوازنات وتثبيت الخلافات عبر التحالفات، وهو من الطبيعي، إلا أن منها ما كان مع دول تستخدم التعددية العرقية أو الفئوية كعنصر قوة داخلي وتفوق وتوسع يصلح بالمقابل كعنصر تجزئة تمزق كيانات كلبنان والعراق. وتنطبق هذه المعادلة دون عكسها على إسرائيل، حيث يتلاقى مشروع دولة لليهود مع مشروع التجزئة الطائفية في دول الجوار.

ليست التجزئة بشكلها الجديد حدوداً سياسية جديدة بالضرورة، إذ يكفي لبننة العراق وسورية كما غيرهما لإرساء المحاصصة أو الفدراليات الفئوية “حلاً” في وجه أي مشروع دولة ومجتمع مركب. ليبرز هنا تناقض لا بد أن طهران وأنقرة تدركانه اليوم (مع بعض الشك فيما يخص حكومة إردوغان) وخطورته أنه في حال فرضه فإن العدوى لن تطول قبل أن تنتقل إلى دول الجوار، ما لا يتمناه أحد لنفسه إلا تل أبيب.

أما جغرافيا سوريا الطبيعية فتقع بين عدة مشاريع لدول الجوار. أبرزها اليوم توجهان، مشروع إيراني يشق طريقه من طهران إلى بيروت، يقابله حنين العثمانيين الجدد يشق طريقه من أنقرة إلى عمّان والحجاز أو مد وهابي بالعكس في إطار تنافسي يصل حد الخلاف أحياناً وربما الصدام في المستقبل. وينسجم الطريق الثاني بالطبع مع المشروع الإسرائيلي.

يتقاطع الطريقان صليباً يحمل الجسد السوري، لكن بغداد لم تفن بغزو المغول، ودمشق تبقى مفتاح السقوط كما هي مفتاح العبور، وقدر من رفع على الصليب القيامة.

شارك: Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterPin on PinterestShare on StumbleUponShare on TumblrShare on LinkedInPrint this page