لماذا يقاتلون بموتهم؟

الكاتب: محمد فرج

03-09-2016

قدر جيلنا أن يتحدث أكثر ما يتحدث عن العنف والقتل والموت، وكونه قدراً، يصبح عندها استسهال الإجابات فعلاً بلا جدوى، لماذا يقاتلون بموتهم؟
نمور التاميل

أعد الكاتب بسام الحجار كتاباً بعنوان ذهنية الإرهاب، لماذا يقاتلون بموتهم؟ وهو كتاب يتضمن مجموعة مقالات مترجمة لكل من المفكر الفرنسي جان بودريار، وجاك دريدا، وأمبرتو إيكو، وإد فوليامي. لا يخلو الكتاب من آراء تشبه حركات السيرك، براقة وملفتة، إلا أنها من الداخل هشة، خاصة أنه تضمن عدداً كبيراً من المقالات، وليس فقط مقالات الكتاب الرئيسيين المذكورين. في المجمل، الكتاب يفتح ثغرة عميقة في جدار التحليل السطحي لفعل العنف والإرهاب، إنه لا يحاكم العنف بمعزل عن الموضوع والاستجابات النفسية له، ولا يضع الموروث الثقافي على رأس الهرم، مع أنه لا يهملها.

كتاب ذهنية الإرهاب، لماذا يقاتلون بموتهم أثار فضولي للبحث عن عدد من التنظيمات العنفية، قبل اعتماد التصنيفات الدولية، أو الثقافية المجازفة، وهنا أناقش تجربة حركة نمور تحرير التاميل إيلام.

لماذا استيقظت نمور التاميل؟

عندما يأتي الحديث عن نمور التاميل، التي صنفتها العديد من الدول مع مطلع القرن كمنظمة إرهابية، أن نتحدث عن روح العنف، لأننا ببساطة لن نتمكن بسهولة من الانحياز لصالح الموقف الدولي، الرسمي بالتحديد، من هذه الحركة. لكل رواية تاريخية عند سردها نقطة انطلاق، وقد لا تكون دائماً نقطة الأصل، وفي حالة نمور التاميل لتكن نقطة الانطلاق في الرواية الاستعمار الإنجليزي للهند وما حولها. لقد تم نقل عدد من سكان الجنوب الهندي إلى شمال سيريلانكا وشرقها (التاميل وأغلبهم يتبعون الديانة الهندوسية، وشكلوا لاحقاً 15% من نسبة سكان سيريلانكا)، ومن الشمال الهندي إلى جنوب سيريلانكا وغربها (السنهاليين وأغلبهم يتبعون الديانة البوذية ومنهم أقليات مسيحية وشكلوا لاحقاً ما يزيد عن 70% من سكان سيريلانكا. (أعلن الاستعمار البريطاني اللغة الإنجليزية في سيريلانكا كلغة أساسية وأولى، مما يعني أن عتبة الوصول إلى الوظائف الحكومية كانت تعلم اللغة الإنجليزية، وهذا ما أجاده التاميل -حسب الكاتبة جوان ريتشارد- في تقريرها المفصل عن تاريخ الصراع في سيريلانكا. هنا كانت الفئة المهمشة -حسب الكاتبة نفسها- هي السنهاليين، أو البوذيين، لك أن تعتمد ما شئت، ولكن الحقيقة في النهاية أبعد من ذلك. مع البرلمانات الأولى، كان تمثيل التاميل مساو لتمثيل السنهاليين، وانضم الطرفان إلى الحزب الوطني الذي ضم التاميل “الهندوس” والسنهاليين “البوذيين” والمسلمين (ستتعدد وحدة القياس دائماً عندما يأتي الحديث عن البرلمانات الأولى للدول المستقلة من الاستعمار)، وكانت المطالب العامة للجبهة تتمثل في أن تحل اللغتين التاميلية والسنهالية بدلاً من الإنجليزية. تبنت تيارات سنهالية واسعة لاحقاً وجوب تحديد اللغة السنهالية كلغة أولى في الدولة، تشكل الحزب الفدرالي التاميلي عام 1949م، وكان ذلك الحزب أول منظمة تاميلية قومية تطالب بحل فيدرالي في سيريلانكا، وتوسع أكثر مع إصدار قانون يحدد اللغة السنهالية كلغة الدولة عام 1956م، الأمر الذي يعني تخفيض نسبة التاميل في الوظائف الحكومية، ونكران للهوية التاميلية، وكل ذلك ترافق مع نقل 165000 سنهالي -حسب التقرير- إلى مناطق التاميل. طالب الحزب الفيدرالي التاميلي بالعودة إلى اللحظات الأولى من الاستقلال، اعتبار اللغتين بديلاً عن لغة المستعمر، وكلما ارتفع صوت مطالب التاميل، اشتد اليمين السنهالي، والعكس صحيح. أعلن الحزب منطقة جفنا كأرض تاريخية للتاميل، وفي عام 1973م صدرت حزمة من القوانين تمنع التاميل من دخول الجامعات والوظائف الحكومية، وعندها تشكلت جبهة التاميل المتحدة. الحزب الفيدرالي والجبهة الموحدة كانت التعبيرات السياسية لاحتجاج التاميل، ولكن مع بداية السبعينات، لم تكن هذه المنظمات هي الخيار الأنسب للشباب الممنوع من دخول الجامعات والوصول إلى الوظائف الحكومية، كان الخيار الأنسب لهم هو المنظمات الراديكالية، وليست نمور التاميل إلى إحداها، إلى جانب عدد من المنظمات الطلابية والشبابية، منظمة تحرير التاميل إيلام (TELO)، والمنظمة الثورية الطلابية (EROS)، والجبهة الشعبية الثورية لتحرير إيلام (ERPLF)، والمنظمة الشعبية لتحرير التاميل إيلام (PLOTE)، ومنظمات أخرى وصل عددها إلى 37 منظمة. يمكن اعتبار أن المنظمات الراديكالية في سيريلانكا انحسرت لاحقاً في المنظمة الأكبر، نمور التاميل (LTTE)، التي وجهت نداءً صريحاً لشباب التاميل، عليكم أن تتقدموا وترموا أنفسكم في معركة الحرية وبناء الدولة المستقلة التي تتبنى الاشتراكية نهجاً لها. توسعت حركة نمور التاميل، وضمت هيكلاً واسعاً من المنظمات السياسية، والمؤسسات الاقتصادية، والهيئات العسكرية، التي تدربت -حسب الباحثة- في أكثر من موقع مع حركة فتح والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. تشكلت الأرذع العسكرية اللازمة من نمور البر، ونمور الجو، ونمور البحر (التي أدخلت في عملياتها القوراب المفخخة، التي يقودها المنتسبين المتطوعين للموت، حيث يتم تأهيلهم نفسياً وجسدياً للمهمة في الحدائق الحمراء. (في عام 1983م، وبعد عملية لنمور التاميل استهدفت قاعدة للجيش السيريلانكي، أعلنت الحكومة عن أسبوع أسود، أفسح فيه المجال للمدنيين السنهاليين لاغتصاب التاميل في محطات القطارات، وهدم البيوت، وحرق البشر، وتشريدهم. لقد كان ذلك كافياً لأن تتوحد المجموعات المسلحة الخمسة الأكبر في سيريلانكا ضد الجيش والحكومة، ومجدداً نمور التاميل تتوسع. قامت الحركة بعدد من العمليات الانتحارية في البحر، ومنها عملية فاليبوران الذي فجر نفسه وقاربه في وحدة بحرية للجيش السيريلانكي، كما اغتال انتحاري الرئيس السيريلانكي عام 1993م، وآخر اغتال راجيف غاندي بعد انحياز الهند للموقف السياسي ما قبل ظهور الحركات الراديكالية، ودور قوات حفظ السلام الهندية في حصار التاميل (مع الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الموقف الهندي من وقت لآخر. (بسبب الموقف الدولي وأسباب داخلية في مناطق التاميل، لا مجال لتفصيلها هنا، تراجعت الحركة، وحاصرها الجيش السيريلانكي، ورفضت الحكومة أية مطالبة بوقف إطلاق النار، وأصرت على شطب الحركة بالكامل، ومع كل المناطق التي أعلنت عنها الدولة (NFZ) كمناطق خالية من النيران للجوء المدنيين التاميل، إلا أن ما جرى منذ عام 2004م إلى 2009م كان مجزرة حقيقية في حق أعضاء الحركات التاميلية والمدنيين كذلك. انتهت حركة التاميل، وقتلت جميع قياداتها أو هربت أو انتحرت في العمليات الأخيرة أمام الجيش السيريلانكي، ويبقى السؤال من قاتل من؟ ولماذا؟ هل قاتل السنهاليون التاميل؟ هل قاتل البوذيون الهندوس؟ هل كان الوعي الديني البوذي القائم على نزع الرغبة والنيرفانا والملاحظة الدقيقة والتأمل في الذات وتخفيف المعاناة والتيقظ والاستنارة والاعتكاف مصدراً لطاقة القتل؟ هل كانت الهندوسية، التي لا تمتلك مؤسساً محدداً، وأدعيتها في الشك والارتياب مصدراً للمقاومة؟ هل ماجرى أبعد من كل ذلك، ولو كان جزءً من المشهد برمته؟

شارك: Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterPin on PinterestShare on StumbleUponShare on TumblrShare on LinkedInPrint this page