لذلك أسموا بناتهم زويا!

الكاتب: روزا خليل

31-05-2015

لم تخشَ ابنة الـ 18 عاماً أن تلقن النازية درساً قد يربك عشرات الرجال! من غير المنصف أبداً ألّا نرى تلك البطلة رمزاً، ومصدراً لإلهام المظلومين ممن عليهم أن ينتفضوا في وجه العدو! كثيرون هم الأبطال الذين تخشى الإمبريالية مرور أسمائهم إلى مسامع الشعوب، ما تفعله الإمبريالية هو أنها تغض النظر عن أبطال التاريخ الحقيقيين وتسلط الضوء على قصص بطولية خيالية، لا نراها ولا نسمع بها إلا على شاشات هوليوود!
cover

تحرر المرأة في إطار المجتمع السوفييتي

في مجتمع لم يعرف تسليع المرأة ولم ينظر إليها كأداة للتفريخ، نهضت المرأة لتؤدي دورها التاريخي في إطار مجتمع متحرر، كانت المرأة تصنع القنابل، تقاتل على الجبهات، تداوي الجرحى، كانت المرأة تنهض بالمجتمع. لم تكتفِ كوسموديميانسكايا بجمع وإعداد الطعام لجنود الصفوف الأمامية، كان يشغل بالها سؤال واحد: “هل يكفي ذلك؟”.

زويا كوسموديميانسكايا علّقت على حبل مشنقة نازية عندما كانت تزال على مقاعد الدراسة الجامعية، خلال الحرب العالمية الثانية. كانت ابنة الفكر الماركسي على أتم الاستعداد للانضمام إلى صفوف المقاومة الشعبية، بعد أن حاصر الألمان لينينغراد وباتوا يتقدمون باتجاه موسكو، وبعد إعلان الحكومة حينها عن حاجتها إلى متطوعين، ليتسللوا إلى خلف خطوط العدو، ويقوموا بالقتال وتدمير البيوت والحظائر والمخازن التي احتلها النازيون، واتخذوا منها ملاجئ ومساكن ومخازن أسلحة.

العدو الطبقي يصنع من جهله خيانة

في السابع والعشرين من تشرين الثاني 1941، تقسمت القوات التابعة إلى منظمات المقاومة الشعبية السرية، إلى مجموعات صغيرة، وتوزعت على مناطق وقرى محددة.

تم القبض في ذلك اليوم على قائد مجموعة زويا، وبطبيعة الحال تشتت المجموعة.

حل الظلام حينما قررت السوفييتية زويا أن تكمل مهمتها وتعود وحدها إلى نقطة التجمع المتفق عليها، لم يحالف زويا الحظ، ذلك لأن أحد المحليين أوشى بها وبلّغ الجيش النازي بمكانها، بينما كانت هي تستعد لإشعال النيران في أحد الحظائر.

“من أنتِ؟”.

“أرفض أن أخبرك”.

“هل كنتِ أنتِ من أشعل النيران في الحظيرة؟”.

“نعم، أنا”.

“لماذا؟”.

“كي أدمركم”.

هكذا كان الحوار الذي جمع زويا بأحد الضباط الألمان عقب القبض عليها.

ما أكثر من يخون وطنه وشعبه، وما أقل “الضمائر” التي لم تقدر أموال العدو على شرائها!

تعرضت زويا لتعذيب وحشي على أيدي أعداء الإنسانية طوال الليل، حتى بأن أحد الضباط في غرفة مجاورة لم يقدر على تحمل أصوات التعذيب! ومع ذلك، رفضت زويا الإفصاح عن اسمها وأسماء رفاقها في التنظيم، وادعت أن اسمها “تانيا” طوال الوقت.

نشعر بالخوف، نشعر بضربات قلوبنا تكاد تتفجر بفعل الأدرينالين، لربما هيبة أوخوفاً أو حماساً!

من المؤكد أن ابنة الـ 18 عاماً شعرت بالخوف للحظات، لكن لنا أن نتخيل إيمانها العميق بمدرستها الفكرية، نقاءها الثوري وإرادتها الصلبة، كلها عوامل اجتمعت لتذيب الخوف المتيبس عن قلبها! هكذا يكون شكل الثورة النقية حينما تصل ذروتها وتتفجر في وجه الظلم والعدو!

المجتمع الاشتراكي يصنع من الأطفال أبطالاً ثوريين

ننحني لتلك الصغيرة صاحبة القلب الكبير، زويا، ابنة أمين مكتبة ومُدرسة، ترعرعت في ظل النظام الاشتراكي في الاتحاد السوفييتي ، عندما كان في أوج نهضته الصناعية تحت حكم ستالين، وعندما كان الأطفال يتربون على أسمى القيم الأخلاقية الشيوعية.

تفوّقت الصغيرة في دراستها، كانت مهتمة بالأدب الكلاسيكي، تستمع لموسيقى موتزارت وبيتهوفين، تقرأ تولستوي وشيكسبير وغوته! تفوقت في تخصص الكيمياء وكانت على الدوام منخرطة في نشاطات أدبية وثقافية. لنا أن نتصور أهمية الثقافة والوعي الثقافي وعلاقتها بامتلاكنا فكر نقي وقلب ثوري صاف. ليس من الغريب أن تقف زويا، ابنة المجتمع الاشتراكي، لتناكف عدوها حتى آخر لحظة على حبل المشنقة!

“يجب أن نتشارك المصاعب بالتساوي” هذا كان رد الطالبة الجامعية على عدم توليها المهمات الصعبة، وتسليمها للفتيان والرجال حصراً. الوعي الثوري في ذلك الزمن كان حقيقياً، هو وعي دفع الشعب بأكمله لينخرط في قتال أعداء الإنسانية والوقوف في وجه المد النازي، وفي النهاية القضاء عليها وتخليص البشرية من بطشها.

لم يصل خبر إعدام زويا إلى موسكو حتى كانون الثاني 1942، عندما روى أحد المحليين قصة البطلة الشابة لأحد الصحافيين، فقام بإعداد بحث ونشر مقالة عنها في جريدة “الحقيقة” (البرافدا) السوفيتية.

وفور شيوع الخبر، أمر القائد ستالين جنوده على الفور بإحضار جثة الصغيرة، التي ظلت معلقة على الحبل لفترة طويلة، عارية، مشوهة الجسد، تتعرض للإهانات من بعض المحليين والجنود النازيين المارين بجانبها. تم إعدام المحليّ الذي وشى بزويا من أجل زجاجة فودكا، وتم إلقاء القبض على كل من قام بإهانة جثة الشهيدة.

“بطلة الاتحاد السوفيتيّ”.

“أين هو ستالين لينقذك الآن؟”.

“ستالين في موقعه القتالي الآن، مثلنا جميعاً. سوف تعلقونني على حبل المشنقة الآن، لكنني لست لوحدي! هناك 200 مليون منّا، ولن تستطيعوا إعدامنا جميعاً. سوف ينتقم لي الرفاق قريباً. أيها الجنود، استسلموا الآن قبل أن يحين الأوان! النصر حليفنا!”.

ظل المحليون الذين أجبروا على مشاهدة إعدام زويا واقفين، يحدقون فيها بإعجاب وفخر! لم تركع، لم تطلب الرحمة من عدوها، وقفت صامدة مرفوعة القامة، وجهت جملة أخيرة للواقفين: “وداعاً يا رفاق، قاتلوا! ولا تدعوا الخوف يجد سبيله إلى قلوبكم! ستالين معنا، سوف يأتي وينتقم لنا”.

أمر ستالين بإعطاء زويا لقب “بطلة الاتحاد السوفيتيّ”، وتم تشييد تمثال لها في قريتها، أطلق اسمها على عدة شوارع في موسكو ومدن سوفيتية أخرى. وما زال الشعب الروسي يذكر اسمها إلى الآن كمرادف للشجاعة والتضحية النقية.

البطولة ليست حكراً على من هم في سن معين، ولا من جنسيات محددة، كذلك الأمر ينطبق على النضال. اجعلوا من زويا كوسموديميانسكايا إلهاماً لثورتكم، لفكركم وماركسيتكم النقية! ليجثم شبح زويا على صدور النائمين في أمتنا، تلاحقهم في ركودهم، خيانتهم، تضرب بيد من حديد، توقظ الضمير فيهم! دعوها تنسدل قلادة على أعناقنا، في كل مرة نشعر بها تضرب على الصدر، رداً على كل نبضة قلب ما زال حياً، يطالب بالمزيد!

الكثير من الشيوعيين العرب الذين تأثروا بالتجرية السوفيتية، أسموا بناتهم زويا!

فيديو قصير عن حياة هذه البطلة.

شارك: Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterPin on PinterestShare on StumbleUponShare on TumblrShare on LinkedInPrint this page