كما يرحل الجد الطيب..

الكاتب: تمّام بركات

09-01-2017

مات فيديل كاسترو "1926-2016" مات في فراشه، بين أهله وأسرته التي حرص طوال حياته أن يجنبها حياة الأضواء ونجح في ذلك، رقد للمرة الأخيرة بين أولاده وأحفاده الذين أصغى إلى ضحكاتهم وهم ينادون الرجل الذي أرّقَ خيال أمريكا طوال حياته وسيفعل أيضاً بعد مماته، "جدي فيديل". كاسترو نام موتاً هانئاً، غفا غفوته الأخيرة إنما بعمق، بعدما بقي عمراً طويلاً لا يحصل في الأسبوع إلا على 4 ساعات نوم، الرجل الذي كان من المتوقع له أن يموت في ساحات القتال وفي المعارك الشديدة التي خاضها، أو بواحدة من محاولات الاغتيال الكثيرة "ستمائة وسبع وثلاثين محاولة" التي خططت لها "السي أي إيه" لكنها لم تنجح، حتى أنه نجا من "ماريتا -الجمال القاتل" ونجا من الكلمة المسمومة التي كان سيكتبها بالقلم المذهب المسموم. لم ينجُ من نوائب الزمان، من المرض وتقدم العمر وتلف العضلات، فمات عن 90 عاماً، قضاها مناضلاً ضد الرأسمالية بكافة أشكالها كما يقر بذلك حتى أعداؤه وعلى رأسهم، رأسمالية جارته القوية، المتبجحة بكونها سيدة العالم.
fidel-castro-salute

“فيديل كاسترو” وعلى خلاف كل تنبؤات العرافات اللاتينيات بموته مقتولاً بالرصاص في جهة القلب، مات في بيته وعلى فراشه، كما يموت الجد الطيب وهو راض ومبتسم وكأنه ما عاش كل عمره محاولاً أن ينجو من الموت.

ربما هناك جيل لن يعني له الأمر شيئاً، سواء مات كاسترو أو قبله “تشي جيفارا” و “لومامبا” وغيرهم من الرجال، فالعالم مع هؤلاء ومن كان مثلهم أو بدونهم، هو نفسه بالنسبة إليه، لا فرق، وهذا هو الجيل الذي حرص أعداء “كاسترو” على تنشئته بعولميتهم التي يجب أن تتحقق بكافة الأشكال، حتى الأكثر دموية منها –”الربيع العربي” مثلاً-، جيل الميديا والنت والبرامج الترفيهية، جيل الكولا وفريندز وماما أمريكا. إلا أن أجيالاً أخرى عديدة عرفت وسوف تعرف كم خسر العالم برحيل هذه القامة المناضلة الحقيقية في هذا الزمن، خسارة سيشعر بها وبشدة من عرف وأدرك أن النظام العالمي الجديد يشعر بالفرح الآن، النظام الذي تمظهر بنموذجه الحالي، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وفوز أمريكا بالحصة الأكبر فيه، من الكعكة العالمية، هذا النظام يدق قلبه من السعادة برحيل عدو من أعتى أعدائه، فالرجل كان من أهم المناضلين والمحاربين في العالم للرأسمالية وقواها وأدواتها، وهذا النضال انطلق من قلب القارة اللاتينية –وهنا مكمن خطورته-، التي لطالما تعاملت معها بلاد “العم سام” وكأنها حديقتها الخلفية.

عدا عن الحرب الاقتصادية والعسكرية والسياسية التي شنت على كوبا وهي تحت قيادته، كان على “كاسترو” أن يواجه الحرب الإعلامية الشعواء، التي لم تكل ولا لحظة واحدة، عن تصويره وكأنه الشيطان بعينه، والديكتاتور الذي يأكل لحم شعبه على الغداء، إن كان في السينما والمسرح والدعاية والمسلسلات والبرامج الجدية والترفيهية وحتى في الأفلام الماجنة، -هناك أجيال من الأمريكيين لا يصدقون أن “فيديل” إنسان، فهو كما صوره البنتاغون لهم وحش يحيا في جزيرة منعزلة- لكن هذا كله أدار له الرجل ظهره وانخرط وعلى مدى خمسين عاماً من القيادة والحكم، في تطوير بلده وتنميتها وتحصينها بالعلم والبناء، فجعل من كوبا الجزيرة المجهولة في البحر الكاريبي، واحدة من أشهر الدول في العالم، بكونها مصدر إلهام للثورات في أمريكا اللاتينية والعالم الثالث بأسره، حتى صار فيديل نبي الفقراء والمضطهدين البشريين، نبي شيوعي يرتدي قبعة عسكرية ويطلق لحيته ويدخن سيجاراً، الإبن المدلل لإحدى أكبر العائلات الإقطاعية في كوبا، انحاز إلى إنسانتيه وانتصر للفلاحين والعمال الفقراء، اجتث الإقطاع من جذوره وقام بتأمين الاستقلال الغذائي، وخلال سني حكمه لكوبا قضى على الأمية فيها وأسس نظاماً صحياً لا نظير له في العالم كله -نحو 15% من الدخل القومي الكوبي يذهب إلى التعليم- و نسبة الأمّية فيها صفر، وهذه النسبة هي الأعلى بين نسب المتعلّمين في العالم بعد أن كانت نسبة الأمّية في كوبا 60% عام 1960، دعم حركات التحرر في العالم وموقفه الشهير الداعم والمساند للقضية الفلسطينية، جاء أقوى وأهم من موقف العديد من الحكام العرب لها.

هذا جرى كله وكوبا محاصرة، اقتصادياً وعسكرياً ومهددة بين اللحظة والأخرى بالإبادة النووية، ومن كان هذا فعله في زمن الحروب والحصار، فكيف يكون حاله وأفعاله في حالات الرخاء والسلم؟!

فيدل كاسترو واحد من أهم الشخصيات الملهمة في التاريخ، سواء تابعت الماكنة الإعلامية الغربية هجومها عليه بعد وفاته أم لم تفعل، فأثره باق إن كان في كوبا وفي غيرها من دول العالم، ووحده شعبه من يستطيع الحكم عليه، ولو لم يكن هذا الشعب محباً ومصدقاً ومؤمناً بهذا الرجل، لما مات موتا هانئاً كما الجد الطيب في سريره وبين أهله وأحفاده الذين يحملون دمه وكنيته.

كاسترو… وداعاً يا رجل.

fidel-castro-bronx-zoo-1959

شارك: Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterPin on PinterestShare on StumbleUponShare on TumblrShare on LinkedInPrint this page