فيلم الطريق، ستة طرق مؤدية إلى سجون تركية…

الكاتب: محمد فرج

19-02-2016

سجن مركزي ينتظر فيه السجناء إجازة لمدة أسبوع واحد يعيشون فيها ما أمكن من إنسانيتهم، تعلّق القائمة على لوحة الحائط ويتدافع السجناء لاكتشاف حظهم في الأسماء المدرجة، فتنال خمس شخصيات أساسية في الفيلم ذاك الحظ، ويتبادر إلى أذهانهم سؤال الهروب حال استلام تصاريح الإجازة، وعلى إيقاع الإعلان المذاع في ساحات السجن "من يتأخر سيعتبر هارباً، تحت أي ظرف من الظروف".
12499293_10153455811076915_1359803137_o

السجين سييت المتوجه إلى قونيا للقاء زوجته وأولاده، يتفاجأ بأمه إذ تخبره بتسليم الخائنة لأبيه في مكان بعيد، الطريق إليه مفروش بالثلوج الكثيفة، ومحاط بالأجواء الباردة الكفيلة بتجميد من يحاول السير فيها مغامراً. يفضل سييت الوصول هناك، بمغامرة محسوبة عتادها المعطف الثقيل، والحذاء المنيع، وحصان لا يصمد إلى نهاية الطريق، فيسقط نائماً، متجمداً على الرغم من محاولات سييت في إيقاظه بسوطه لمنع التجمد. يواصل سييت المسير مشياً على الأقدام إلى أن يصل المنزل ، حيث احتجزت زوجته لثمانية شهور، مقيدة و محرومة من الاغتسال، وتتغذى على الخبز والماء فقط، إلى حين قدوم زوجها كي ينفذ حكم الإعدام بيديه. تطلب منه الأمنية الأخيرة قبل الموت، أن تموت بعد أن تلامس المياه جسدها، وتتمكن من تمشيط شعرها، فيسمح لها بذلك، ويمتنع عن قتلها، ولكنه يتركها لمصيرها في مواجهة “عقاب الله”، حيث سترافقه إلى منزل شقيقها في الجانب الآخر من الجبال الثلجية، ولكنها لن تتسلح لا بمعطف ثقيل، ولا بقواعد حديدية عالية تحمي أقدامها من ملامسة الأرض المتجمدة. تنهار هي الأخرى نائمة متجمدة إلى جانب الحصان الذي لم تتآكل جثته بالكامل بعد سقوطه في طريق القدوم. مشاعر سييت المتناقضة تجاهها، أدخلته في محاولات بائسة لمواجهة “عقاب الله”، استل حزامه عن خاصرته، وانهال عليها بضرباته في محاولة لإيقاظها، ومن ثم حملها إلى أقرب مركز صحي سبقه التجمد إلى قلب المرأة الخائنة.

سجين آخر، سائق الأجرة الذي دخل السجن بعد مغامرة شاركه فيها شقيق زوجته، وفي أثنائها تعرض الإثنان لمواجهة مفاجئة، فهرب الزوج قبل إطلاق النار على شريكه، فرأت فيه العائلة سبباً في موت إبنهم، بوصفه جباناً هارباً. تسترجع العائلة الزوجة، ويحاول السجين إصلاح ما أمكن لاسترجاع زوجته وأولاده. فينطلق إلى بلدتها عابراً حشود الأطفال الفقراء، الذين يحاصرونه طلباً لما تيسر من المال، أو حتى السجائر.  يواجهه أهلها بالرفض الشديد ، و بالصفعات على وجهه، وبمحاولات القتل كذلك. تنجح محاولات السجين المجاز في تهريب زوجته وأطفالهما، وفي قطار العودة لا يطيق المزيد من الانتظار، فيصطحب زوجته إلى أحد حمامات القطار، حيث تتجمع عليه الحشود داكة الباب الصغير المغلق، ترشقه باللعنات والشتائم، التي ما إن يخرج منها، حتى يتعرض لمواجهة إطلاق النار من شقيق زوجته الأصغر، فيعيد خطأه الأول مرة أخرى، ويهرب عن أطفاله وزوجته، ولكنه يسقط قتيلاً هذه المرة.

السجين الثالث، الباحث عن زوجة تخرجه من ضغوط السجن، غير آبه بمصير قد يلاحقه مستقبلاً، ويشبه مصير رفاقه في ولادة سجن آخر. منذ اللقاء الأول يفرض شروطه، “إن لم يكن هذا الشيء أسود، فهو كذلك إن قلت أنا”، ومع أن ذلك يلاقي استحسان الفتاة التي عرفت الرجولة على هذه الشاكلة، إلا أنه لا يحتمل مراقبة أهلها الحثيثة التي تذكره بمراقبة المفتشين في السجن، ويلجأ إلى بيوت الدعارة، ويرفض دخول الغرفة رقم 4 التي تذكره برقم المهجع الذي يقيم فيه في السجن.

سجين رابع، غير متزوج، ويقرر استثناء خيار رفيقه – السجين الثالث – في البحث عن زوجة لخوفه عليها أن تصبح أرملة يوماً ما. فقد كانت عشيرته الكردية، التي تقيم على تخوم الحدود السورية، معرضة دائماُ لمداهمات العسكر الترك، الذين يزورون القرية يجرون خلفهم شاحنة تحمل جثث الأقرباء المتجولين في المنطقة، ويطلبون من سكان القرية الإمعان في الجثث المعروضة والإفصاح عن أسماء أشخاص تخلصوا من وثائقهم الشخصية خشية تعريض أهاليهم للخطر. هناك تمرس الكرد على اكتشاف جثث أقاربهم، وكبت دموعهم، ولجم ردات فعلهم، وإن بالحدود الدنيا من الدهشة، الصدمة، والحزن.

الطريق الأقصر إلى السجن كان من نصيب السجين البسيط، الذي أضاع تصريح إجازته، فأمضى إجازته في السجن المؤقت التابع لإحدى نقاط التفتيش. لربما كان ذلك السجين هو الأوفر حظاً في الإفلات من السجون الأربعة التي اصطدم بها رفاقه في إجازاتهم، ولا سيما أنه كان متأكداً من انتظار زوجته للعصفور الذي حمله هدية لها طوال الطريق، ولربما كان أقل عرضة لهجمات العسكر الترك في بلدته. لم يشأ المخرج يلماز غوناي له الوصول، فقطع عليه الطريق بإعادة إنتاج صورة السجن نفسها التي غادرها السجين برجعة للتوّ.

أنتج المخرج الكردي يلماز غوناي هذا الفيلم، وكتب السيناريو الخاص به من السجن، فشق من سجنه خمسة طرق تؤدي إلى سجون العادات والتقاليد والمناطق المهمشة وهيمنة العسكر في تركيا، وطريق عاد منه أبطال نصه إلى السجن المليء بالقضبان المرئية والملموسة، حيث يقيم هو.

فيلم “الطريق” الذي شق به غوناي هذه الطرق “الفرعية”، هو الآخر وجد طريقه إلى السجن لمدة 18 عاماً، قبل أن يُسمح عرضه للمرة الأولى في تركيا!

شارك: Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterPin on PinterestShare on StumbleUponShare on TumblrShare on LinkedInPrint this page