فيديل، والثورة التي لم تغادر دوائر الأدب

الكاتب: روزا خليل

09-01-2017

قد يغيب عن أذهاننا -في خضم الثورة والخطابات والهتافات- البحث في ثنايا شخصية الثوري الصلب عن المشاعر الإنسانية المجرّدة، الخوف، البكاء، الحب، نهم القراءة والمعرفة والثقافة، تذوّق الموسيقى والأدب وكافة أنواع الفنون، وكأن هذا الثوري جاء من الفضاء. في شخص فيديل كاسترو أبعاد تعدّت البزة العسكرية والخطابات الطويلة بالساعات ولم تتجاوزها، لذا كان من الضروري أن نتحدث عن فيديل، الثائر الذي لم يغادر دوائر الأدب.
FIDEL, Gabriel Garcia Marquez, Fidel Castro, 2001, (c) First Run Features

“قارئ أول مذهل”، بهذه الكلمات وصفه صديقه ماركيز، ذلك الوجه اللاتيني الملامح لم يكن مجرد قائد ثورة غيّرت مجرى التاريخ أو رئيس الدولة التي قارعت الإمبريالية وتمكّنت من هزيمتها في كل المواقع، لم يكن فقط الند الأول الذي وقف في وجه أمريكا، أو حتى القابض على السلاح بلا مجاملات أو رسميات، كان أباً يتسع صدره لكل تائه، وكل يتيم ومظلوم.

ما أنجزه كاسترو عبر الثورة الكوبية، وبعيداً عن المنجزات السياسية والاقتصادية التي يعرفها الجميع، هو أن تلك الجزيرة الصغيرة باتت تقطن صفوف المدارس والجامعات بالإضافة إلى قاعات الشعر وصالات الموسيقى وغيرها من الفنون. وهذا ما جعل من كوبا كاسترو تدير ظهرها لصالات تفوق من حيث “الرفاهية” ما يحتاجه المجتمع من عمارة “عصرية” بتوقيع مصمم عالمي، ولأضواء تلوث الفضاء بألوان صاخبة، وغيرها من أدوات الاستعراض.

وللدخول في صلب هذه المادة، اقتضى التنويه أولاً أن كاسترو كان مولعاً بالكلمة، ويمتلك شغفاً جعل منه قارئاً نهماً…

عُرف عن الرئيس الكوبي الراحل أنه لم يحظ بنمط حياة رئيس اعتيادي، لم يكن لديه مقر حكومي مستقر، ولا جدول مواعيد تقليدي، كان من الطبيعي أن يجري الزيارات فجراً، وأن يستمر يوماً بأكمله بلا نوم، وأن ينهي رواية في سبع ساعات! تحدث ماركيز عن صديقه الحميم في إحدى المقابلات قائلاً أنه ترك لفيديل رواية “دراكولا” لبرام ستوكر في أحد الأيام، ليفاجئه الرئيس الكوبي في اليوم التالي بانتهاءه من الرواية التي حرمته النوم من الرابعة فجراً وحتى الحادية عشر صباحاً.

“لقد أثبت الكوبيون -بين أشياء كثيرة أثبتوها- أنه يمكن العيش دون “الكوكا كولا” على بعد تسعين ميلاً من الولايات المتحدة. الكوكا كولا هي البضاعة الأولى التي نفدت بعد فرض الحصار الاقتصادي على كوبا، ولم يبق من ماضيها أي أثر اليوم في ذاكرة الأجيال الجديدة” – كتاب كوبا في زمن الحصار لغابرييل غارسيا ماركيز.

لم يغب عن ذهن كاسترو حاجة كوبا الدولة والثورة وكوبا الشعب إلى حلفاء من نوع آخر، حلفاء الفن والأدب والرياضة، فكما كانت كوبا بحاجة إلى الانتصار في حربها السياسية والاقتصادية، كانت بحاجة لأن يرد اسمها في الروايات وأبيات الشعر، وأن يرفع علمها في ميادين الرياضة، وأن يرسم في المعارض الفنية، كنوع من الرد على البروباغندا الشرسة التي تتعرض لها.

تميل الشعوب بطبيعتها إلى تبني قضايا من تعشق، سواء كان مارادونا أو هيمنغواي أو ماركيز أو غيرهم. كان تبني كاسترو لهذه الأسماء الكبيرة، أثراً إيجابياً في إيصال صورة الثورة بنقائها إلى جمهور أميركا اللاتينية والعالم. عدوى الوعي والانتصار للحق انتقلت إلى الجماهير عن طريق أدبائهم ورياضييهم وفنانيهم. ومن هذا المنطلق، عمد الرئيس كاسترو وأصدقاؤه إلى توطيد أواصر الصداقة التي تربط بينهم تحت الضوء، وكانت أبرز تلك الصداقات هي صداقة فيديل وغابرييل غارسيا ماركيز.

تعدّ الفنون على اختلافها قنوات تواصل بين المُبتكر والمتلقي، وإن ضُخّت الأفكار السليمة في المكان الصحيح، فإن لذلك أثراً إيجابياً بين جمهور شخصية فنية ما. أدرك فيديل أهمية هذه القنوات، وكان لا بد  له من الرد على ما تتعرض له كوبا من ظلم. لم يكن الرد فقط، بل إن علاقاته بشخوص لها شهرة كبيرة وصدى عالمي كانت بهدف نشر وعي، وعي الثورة والعدالة، حتى الوعي المتعلق بالقضية الفلسطينية!

من منطلق المُبتكر والمتلقي الذي ذكرناه سابقاً، يمكننا تفسير هذه الصداقة التي ربطت الكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز والرئيس الكوبي فيديل كاسترو. وبينما انشغل العالم في تحليل سر هذه العلاقة، ينظر المثقف الثوري إلى تلك الصورة بكل شغف، هي مصدر للإلهام في إطار يشبع كافة حاجاته الثورية والثقافية في آن. علاقة من هذا النوع تجمع نصفين يكمل كل منهما الآخر، وليست في الواقع غريبة أبداً. مصدر الاستهجان الذي أحاط بهذه الصداقة الفريدة، يوضح أسباب بطلانه، حين تكون الأقلام أسيرة الأفكار الرجعية أو الليبرالية، من الطبيعي أن تبدي امتعاضاً واستياءً.

التقى الصديقان في المرة الأولى عام 1959 حين زار الصحفي والروائي الكولومبي كوبا بعد الثورة ضمن وفد لاتيني، وبدأت هناك تتشكل معالم التقاء الأدب بالسلاح، التقاء “مقدس” يجمع الصفات البديهية المزروعة في كل ثوري مثقف، يعشق رائحة البارود مختلطاً بالندى في ساعات الفجر، ويعود محملاً بالأزهار والشِعر لحبيبته ليلاً. الصداقة المتينة التي جمعت بين كاسترو وماركيز هي بمثابة طرفين متكاملين، يزودان بعضهما بإلهام يترجمه كلُّ حسب المنصة التي يخطب من فوقها.

لم يكن سهلاً لكاتب ذي شهرة عالمية كماركيز أن تربطه صداقة برئيس سماه العالم “ديكتاتوراً”، ولم يكن مضطراً تحت أي ظرف أن يبرر تلك الصداقة أو يلغيها، ذلك أن غابرييل غارسيا، أديب الثورة، أدرك أن صداقته وفيديل كانت مصدر إلهام لكتاباته، وعاملا أسهم في نجاحه. ذكر الروائي في عدة مناسبات أنه كان يعرض على صديقه الكوبي رواياته قبل نشرها، آخذاً برأيه وملاحظاته، لما يملك فيديل من حس نقد أدبي عال وخبرة اكتسبها من قرآته المستمرة بغض النظر عن الظروف والمصاعب.

تحتاج الثورة لمن ينطق بصوتها ويكتب بقلمها، وإلا فكيف بإمكانها أن تتحدث إلى العالم. لا يمكن النظر إلى الثورة بأنها حدث لحظي، فهي ليست مجرد إطاحة برأس نظام، قد تكون تلك البداية فقط، ولكن ما يأتي بعد تلك الخطوة من عمليات تفكيك لعلاقات الإنتاج وخلق البديل وتغيير النظام الاقتصادي القائم وزرع القيم الإنسانية، هي أمور تشكّل جوهر الثورة والضامن لنجاحها واستمرارها. في المشهد الذي ننظر إليه هنا، قلم ماركيز كتب بإسم الثورة، من الضروري أن يعرف العالم ما في جعبتها من كلام. وذلك ما يمكننا إسقاطه على أي حقبة تاريخية لنعلم أن لكل ثورة فنانيها، بل أن لكل نظام فنانون يعكسون مضمونه، إيجابياً كان أم سلبيا.

أهمية الأدب في الثورة لا تقل عن أهمية البندقية، فالرواية والشعر والقصص هي البندقية التي يصوبها الأديب والشاعر في وجه العدو ويفضح انتهاكاته وظلمه، يسلمها للقارئ ويبسط أمامه القضية، ثم ينتظر منه أن يوجهها صوب الاتجاه الصحيح. المسؤولية التي تقع على عاتق القلم كبيرة، هي قناة الوعي التي يستند إليها الكاتب في إيصال الصورة للعالم، لذا لا بد أن تكون نقية ومبدعة.

العظماء لا يموتون أبدا!

ماركيز حي بيننا على رفوف المكتبات، وما زلت إلى اليوم أبحر في القارب من زمن الكوليرا منذ ثماني سنوات. صورته مطبوعة في ذهني، ولا أخشى موته، أنا أعرف ماركيز وفي كل مرة أشعر بالاشتياق، أسترجع حضوره باستنشاق صفحاته.

فيديل باق في روح كل كوبي اليوم، بل كل فقير ومظلوم. فيديل أكبر من جسد، فيديل فكرة وتاريخ وثورة. خطاباته سوف تصدح في شوارع كوبا بنفس الزخم والحماس عندما انتصرت الثورة. فيديل نمط حياة وعندما تكون الكرامة هي ما يتوج الحياة، فتأكدوا أن فيديل باق.

في الثورة، هناك ما يتعدى رائحة البارود والزحف في الخنادق ورائحة الدماء الجافة على كعب بندقية. في إطار نقي يحتضن الفقراء والمهمشين ويصوب سلاحه في وجه كل مستغل، لا يمكن أن تكون الصورة فارغة بتلك البساطة وكأنها سيناريو لفيلم هوليوودي! الثورة لا تستغني عن القلم ولا العلم ومعه المعرفة؛ وإلا ذهبت مع أول مهب للرياح ودُفِنت في أرضها قبل أن تبصر النور.

 

فيديل كاسترو وغابرييل غارسيا ماركيز
* فيديل كاسترو وغابرييل غارسيا ماركيز.

 

* فيديل كاسترو ومحمد علي كلاي.
* فيديل كاسترو ومحمد علي كلاي.

 

* فيديل كاسترو ودييغو أرماندو مارادونا.
* فيديل كاسترو ودييغو أرماندو مارادونا.

 

* فيديل كاسترو وإرنست همنغواي.
* فيديل كاسترو وإرنست همنغواي.
شارك: Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterPin on PinterestShare on StumbleUponShare on TumblrShare on LinkedInPrint this page