غاز الغُزاة، عن اتفاقية العار مع الصّهاينة

الكاتب: محمد العملة

18-10-2016

في السادس والعشرين من شهر أيلول الماضي، وقـّعت شركة الكهرباء الوطنية المملوكة للحكومة الأردنية اتفاقية لاستيراد الغاز من الكيان الصهيوني بصفقة قدّرت قيمتها بعشرة مليارات دولار ولمدة خمسة عشر عاما اعتبارا من عام 2019 بواقع 225 مليون قدم مكعب يوميا.
%d8%a7%d8%aa%d9%81%d8%a7%d9%82%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ba%d8%a7%d8%b2

أسئلة كثيرة تدور حول الصفقة التي وقـّعت الحكومة تفاهما بشأنها قبل عامين من تاريخ الاتفاقية، وسبق ذلك صفقة أخرى وقعتها شركة البوتاس مع الكيان الصهيوني بقيمة 770 مليون دولار لتوريد الغاز من حقل “تامار” في سواحل فلسطين المحتلة.

الجدل في جزء منه يدور حول توقيت إعلان الاتفاقية؛ فهي جاءت قبل انعقاد الجلسة الأولى للبرلمان الثامن عشر، وبعد حلِّ سابقه، يضاف إلى ذلك أن حكومة “هاني الملقي” كانت قد أقيلت قبل الإعلان بيومين وأعيد تشكيل حكومة جديدة برئاسته أيضا بعد الإعلان عن الاتفاقية مباشرة. كل هذا يخالف الدستور بطبيعة الحال وتحديدا في مادته الثالثة والثلاثين.

حكومة نظام وادي عربة دافعت عن الاتفاقية اللعينة متحججة بأسباب واهية منها:

  1. القول بأن الاتفاقيّة موقـّعة مع شركة “Noble Energy نوبل للطاقة” الأمريكية ولا علاقة للكيان الصهيوني بها من قريب أو بعيد.
  2. تصريحات وزير الإعلام الناطق الرسمي باسم الحكومة “محمد المومني” أن الاتفاقية ليس لها أبعاد سياسية، ولا ترهن الأردن للصهاينة.
  3. ما خرج عن وزير الطاقة “إبراهيم سيف” قبل بضعة أيام من تصريحات يقول فيها أن الاتفاقية ستخفف الأعباء على الحكومة بملبغ يناهز المئة مليون دولار سنويا قد تصبح ستمائة مليون دولار إذا ما قفز سعر برميل النفط إلى حاجز 100 دولار!
  4. تنويع المصادر التي يعتمدها الأردن في توريد الطاقة.

قبل الدخول في  تفنيد تشريق الحكومة وتغريبها، الصفقة مرفوضة لاعتبار هام ووحيد، هو أن الكيان الصهيني يحتل أرضاً عربية تاريخية هي أرض فلسطين، ينهب ثرواتها، ويشرد أهلها ويمعن فيهم قتلاً، وانطلاقا من قاعدة قومية ونضالية ثابتة هي رفض الاعتراف بهذا الكيان تحت أي ظرف؛ يصبح الحديث عن مشروعية الصفقة أو مدى جدواها الاقتصادية محض هراء. المضحك في الأمر أن الكيان الصهيوني يستورد الغاز المسال لاستخداماته بعقد مع شركة “British Petroleum” بواقع 4.9 دولار للوحدة الحرارية “British Thermal Unit” تشمل تكاليف شحنه من سواحل أمريكا الوسطى، بينما يتكلّف ما يقارب 5.7 دولار ثمنا لاستخراج وحدة حرارية واحدة من الغاز الذي يبيعه لشركة البوتاس الأردنية في حقل “تامار”، والمتوقع أن تكون كلفة الإنتاج نفسها في حقل “ليفياتان” الذي سيبدأ عمله عام 2018 بناءً على الاتفاقية الموقّعة، فعن أي وفر اقتصادي يتحدثون؟!

أما محاولة الالتفاف والقول بأن الحكومة وقـّعت الاتفاقية مع شركة أمريكية؛ فهو تضليل وممارسة للكذب على شعب بأكمله، ولو سلّمنا جدلا بأن ما تقوله الحكومة صحيح، فمن أعطى للأمريكان الحق ببيع غاز لا يملكونه؟!

حقل “نيفياتان” -بحسب اتفاقية ترسيم الحدود الاقتصادية للمياه بين مصر وقبرص عام 2003- يقع في معظمه ضمن المياه الإقليمية المصريّة وهو أقرب لدمياط منه لحيفا التي يحتلها الصهاينة على ما تشير بعض الخرائط، لكن شركة نوبل للطاقة “Noble Energy” حصلت على حوالي 40% من امتيازات وأرباح استخراج الغاز من حقل “ليفياتان”، بينما يعود باقي الأرباح لمجموعة شركات صهيونية على رأسها مجموعة ديليك “Delek Group” وشركة   آفنر للتنقيب “Avner Oil Exploration”.

%d8%ad%d9%82%d9%88%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%ba%d8%a7%d8%b2-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d8%b1%d8%a7%d8%a6%d9%8a%d9%84%d9%8a%d8%a9

هذه النقطة بالذات دافع عنها رئيس وزراء الاحتلال “نتنياهو” قائلاً أن الاتفاقية ستحقق اكتفاءً ذاتيا للكيان الصهيوني في حقل الطاقة وستمنحه مليارات الدولارات لدعم مشاريع الأمن والتعليم، يدعمه في ذلك تصريحات وزير الطاقة في حكومته “يوفال شتاينتِس” الذي وصف الاتفاقية بأنها إنجاز وطني في يوم تاريخي هام.

محاولة فصل السياسي عن الاقتصادي الواردة في النقطة الثانية من قائمة الحجج التي ساقتها الحكومة الأردنية لا تستقيم مع قائمة الأرباح الاقتصادية والسياسية التي سيجنيها الصهاينة من الصفقة، والتي ستجعل الأردن مرتهنا بنصف حاجته من الطاقة للكيان الصهيوني، بل تنسجم أكثر مع البند السابع في اتفاقية وادي عربة الاستسلامية الذي يقول: انطلاقا من النظر إلى التنمية الاقتصادية والرفاهية باعتبارهما دعامتين للسلام والأمن والعلاقات المنسجمة فيما بين الدول والشعوب والأفراد من بني البشر، فإن الطرفين، في ضوء أوجه التفاهم التي تم التوصل إليها، يؤكدان على رغبتيهما المتبادلتين في تعزيز التعاون الاقتصادي لا بينهما وحسب، بل وفي ضمن الإطار الأوسع للتعاون الاقتصادي الإقليمي“.

اللهاث وراء اتفاقية الغاز لا يمكن فصله عن سياسة التطبيع الرسمي التي توّجَها النظام باتفاقية وادي عربة قبل اثنتين وعشرين سنة، ومع تفنيد كل الحجج الواهية يصبح من المنطقي أن تتغافل الحكومة عن مجموعة البدائل المطروحة للتخلي عن الاتفاقية، فهي تلوّح فقط بقطع التيار بشكل ممنهج أو التهديد برفع كلفة فواتير الكهرباء على المواطنين رغم وجود بدائل الطاقة الشمسية التي يمكن تمويلها من مشروع المفاعل النووي الفاشل مرتفع الكلفة، أو استخراج الصخر الزيتي، أو حتى استكمال عمليات التنقيب عن الغاز الطبيعي في حقل الريشة، واستغلال اكتمال مشروع ناقلة الغاز في العقبة بالبحث عن مصادر أخرى لاستيراد الغاز من دول عربية كالجزائر، أو دول أخرى كإيران أو روسيا، والنزوع ولو قليلا نحو الابتعاد عن المحور الأمريكي في المنطقة.

لكن أمريكا نفسها باركت الصفقة التي بدأت مباحثاتها عام 2012 ونشرت تفاصيلها عدة صحف عربية وأمريكية، إذ كان للسفير الأمريكي السابق في الأردن “ستيوارت جونز” والمبعوث الأمريكي الصهيوني لشؤون الطاقة “عاموس هوخشتاين” دور في إتمامها. التطبيع ووصفات صندوق النقد الدولي يشكلان أساس سياسة النيو-الليبرالية الأمريكية لتمكين الاحتكارات الاقتصادية بدل التكامل الاقتصادي كأداة لإعادة التكوين الاجتماعي- السياسي، واتفاقية الغاز تلوح كالبانادول الراقص في هذه الدوامة، حالها حال المناطق الاقتصادية الحرّة QIZ، ومشروع ناقل البحرين، ودعم المنتجات الزراعية الصهيونية في السوق الأردنية.

الجهود الشعبية والنقابية والحزبيّة المبذولة لإيقاف الاتفاقية لم ترقَ للحد المطلوب حتى الآن، وغاب عنها التنظيم، وقد قيل سابقا: “ويل لأمة تأكل مما لا تزرع، وتلبس مما لا تصنع”، وأضيف عليها: وتستنشق غاز أعدائِها!

شارك: Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterPin on PinterestShare on StumbleUponShare on TumblrShare on LinkedInPrint this page