عن الحب والظلال!

الكاتب: روزا خليل

30-06-2015

"لو أن كل عامل، لو أن كل شغيل استطاع حمل بندقية في يده، لما حدث الانقلاب الفاشي على السلفادور ألليندي في التشيلي"، هكذا عقّب فيديل كاسترو على انقلاب أوغوستو بينوتشه على السلفادور ألليندي عام 1973، أما إيزابيل ألليندي، ولأنها تبرع في الأدب، تروي لنا الأحداث المأساوية التي حلّت ببلادها بعد السلفادور ألليندي عبر الحب والظلال.
allende_144411

لا تترك لنا إيزابيل ألليندي خياراً كقرّاء سوى الغوص في عوالم ينسجها قلمها على الأوراق بإبداع، بعيداً عن خطوط سير الزمن الحالي، ضمن واقع قديم أكثر حقيقة من لحظات رتيبة نعيشها يومياً.

“صار القتل في سبيل الوطن أسهل من الموت في سبيله”

تسلط إيزابيل الضوء عبر روايتها “الحب والظلال” على حقبة زمنية مليئة بالظلال تحت حكم أوغوستو بينوتشه -الذي قام بانقلاب فاشي على السيلفادور ألليندي- عبر علاقة حب إنسانية جمعت بين شاب وشابة ينتميان إلى طبقات مختلفة.

لا يمكن للقارئ تخطي جمال علاقة إنسانية رسمت إيزابيل معالمها على الورق، شابة مقبلة على الحياة، هي ابنة طبقة وتنتمي وجدانياً لطبقة أخرى، هي طبقة الشاب الذي تعلّقت به.

هي قصة حب لا تتكرر في ظلال حكم قاسٍ، تسرد إيزابيل أحداثها على وقع أصوات طرق النساء البرجوازيات على أوانيهنّ في الشوارع احتجاجاً على مشاركة أبناء الفقراء لأبنائهنّ الغرف الصفيّة، وعلى هدير دموع فقراء يبكون السيلفادور، وعلى أنّات وطن قُتِل الرب فيه على المذبح تحت مرأى ومسمع القديسين أجمعين.

“الحب والظلال” كتاب يخرج من براثن منجم في إحدى قرى التشيلي، منجمٌ مليء بجثث الفلاحين الذين قضوا ببنادق الجيش القذرة! تجرأت أيرين على دخوله جنباً إلى جنب مع فرانثيسكو، التقطاه وألقيا به في ذاكرتي للأبد.

رواية “الحب والظلال” تشبع الحواس، تستفز المخيلة بأن تنسج حتى أدق التفاصيل: أصابع فرانثيسكو الطويلة، جسده النحيل وشعره الداكن، قلبه الذي ينبض بالثورة. فرانثيسكو الذي تجبرك إيزابيل على اتخاذه حبيباً يرافقك حتى وصول الحدود لم يختر يوماً سوى حدس قلبه الثائر.

أما أيرين فقد وجدت مستقراً لها في عينيّ وشعري ودمي! هناك تحت ركام الجرائم العسكرية في المنجم صرخنا سوية، وفي حفلة الشواء أصابتنا ذات الصدمة، وفي مستودع الجثث انقبض الجلد على أجسادنا بذات القوة، باحثين عن إيفانخيليكا بين الأرواح المضطهدة، حتى بأن الحياة نزفت صارخة من جسدي من ثقوب الرصاص حين أصيبت الصغيرة ببنادق الجيش القذرة ذاتها.

تورط كل منهما في قضية، بدأت بقديسة وانتهت بشيطان دفنها في بقعة بعيدة منسية، حتى السماء تجهل مكانها.

انصاعت التشيلي إلى الظلم والقهر والخوف تحت نيّر حكم الجيش بعد الانقلاب الذي نفذ على حكم الزعيم الماركسي السيلفادور ألليندي، والذي كان يسعى لبسط العدالة الاجتماعية والحرية، ليصل حد إلغاء الفروقات الطبقية، يظهر ذلك جلياً بأبسط الصيغ؛ ابن الفقير يجلس بجانب ابن الغني على مقاعد الدراسة، ذلك ما لم يرق لأصحاب الأواني المطبخية الصارخة، التي تطلق ضجيجاً في الشوارع يشبه ضجيج بنات الهوى اللواتي يعكرن صفو الليل!

البيوت خالية من القمح، والمرض يتخذ من أجساد الأطفال النحيلة مسكناً على مدار العام، حتى الأرض سئمت وارتمت بمحصولها بين أذرع الأسياد تاركة خلفها آلاف الفلاحين في حالة من الفقر، تنتشر رائحته بقوة حتى طرقت نوافذ البرجوازيين في قصورهم، فقرروا حينها بناء سور يفصلهم عن بشر ينخرهم اليأس حتى العظم. استطاعت أيرين، صاحبة الشعر المجنون والملابس الغجرية والأساور التي تتراقص في ساعدها ببهجة، استطاعت الخروج من بين تلك الأسوار، وأسوار والدتها، وانطلقت خلف فرانثيسكو على دراجته النارية نحو القرى التي تموت فيها الألوان.

كادت بيراتريس تفقد عقلها، كيف تترك ابنتها أيرين خطيبها الجنرال وتلحق بذلك المصوّر الذي يرتدي ذات البنطال كل يوم! لكن مشاغل حياتها البرجوازية كانت تخفف من ذلك الهوس؛ ما بين فساتين جديدة وحبيب يصغرها بالسن وملجأ عجزة تديره. لم يكن من الصعب عليها أبداً اختلاق تبريرات لاختفاء ابنتها أمام ذلك المجتمع العفن، فهي ذات الحجج التي استخدمتها لدى اختفاء زوجها.

لا يجد فرانثيسكو مكاناً له سوى إلى جانب أيرين في كل خطوة، متمرد صلب على الظلم، الكثير من الخصال ورثها عن أب شيوعي وأم لحقت بزوجها إلى المنفى هرباً من ديكتاتورية فرانكو في أسبانيا، لينتهي بهما الحال في ظل ديكتاتوية أخرى، هي ديكتاتورية بينوتشه، وهناك تركوا النضال هذه المرة لأولادهم، لخابيير الذي علقته القائمة السوداء على حبل مشنقة صنعها بيديه، فاستسلم معلقاً من عنقه بعقدة تتشبث بعناد على شجرة، وآخرين انتقما له.

ليس من الغريب أبداً لحاق فرانثيسكو ذو الجذور الإسبانية بتلك الفتاة التي استيقظت لتوها من غيبوية برجوازية طويلة، لتفتح عينيها على حياة مختلفة كلياً عن حياة الملجأ وأحلام عجزة مليئة بالغبار والضجر، أمامها الآن حياة من العمل السري، من النضال لإسقاط الطاغية.

حتى الرب يصطف يساراً في تشيلي

لم يطوّع اليسار خطابه لإرضاء الكنيسة في أمريكا اللاتينية، ذلك هو لاهوت التحرير، الذي يفهمه المتثاقفون على أنه انصياع لليسار إلى خطاب الكهنوت، والحقيقة أنه العكس، هو لحاق الخطاب الديني باليسار، وليس انصياع اليسار للخطاب الديني.

في أمريكا اللاتينية يبدو كل شيء مختلفاً، الحب، الثورة، لاهوت التحرير، حتى رائحة الأمل ووجع الفراق، أمور يبدو لها مذاق مختلف هناك!

يولد من رحم ذات الأم رجل دين يكرس حياته لمساعدة الفقراء، يدعى خوسيه، وطبيب نفسي ينتهي به الحال مصوّراً، فرانثيسكو الذي يقضي حياته في العمل السري لينقذ رفاقاً ويعمل على إسقاط نظام بينوتشه الذي خطف الحياة من فم الفقير ليملأ بها جيوب الغني.

كذلك يولد من رحم ذات البلاد، كنيسة تتألم بألم الفقير تعمل جنباً إلى جنب مع رفاق يحملون السلاح في وجه الطاغية، لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية كان دائماً جزءاً من صورة النضال ضد الطغيان، كنيسة طلت جدرانها سواعد اليسار وصنعت قرابينها بدم الرفاق لتذوب في جسد المسيح في حضرة الترانيم مع كل صلاة.

هكذا كانت دوماً أمريكا اللاتينية، بوصلة واضحة فيما يتعلق بعمل الكنيسة إلى جانب اليسار في تأطير الصراع الطبقي والوقوف إلى جانب المضطهدين في وجه السلطة، كنيسة ولدت من أحشاء الفقر، بعيداً عن أيقونات مذهبة وأثواب مخملية، ظروف صعبة حتمت على القساوسة الاصطفاف يساراً بعكس المسار الشائع لدى كاثوليكي أوروبا. هذه نتيجة طبيعية لمن يدرك أن الشيوعين أكثر مسيحية من مسيح مصلوب على خشبة اغرورقت بالذهب في وسط الفاتيكان، الشيوعي يناضل من أجل الكرامة الإنسانية دون انتظار أي مقابل من الملكوت، الشيوعي إنسانيّ في المقام الأول.

لم يرق للولايات المتحدة أو الفاتيكان اصطفاف الكنيسة اللاتينية مع اليسار، لم يرق لها نجاح اليسار في تحرير الكنيسة من خدمة البرجوازية ومصالح الطبقة الحاكمة، ومن هنا أُعلنت الحرب من قبل المستعمر على الكنيسة واليسار في آن معاً، وبهذا شنت الحرب على الطبقات المضطهدة ضمنياً. لم يشن اليسار هجوماً على الرب يوماً، بل حارب من أجل رعيته المضطهدة، وذلك ما دفع تلك الطبقة للوقوف في صفه أيضاً.

جثث في المنجم بانتظار الراحة الأبدية

اترك لنفسك الحرية في اختيار ملامج إيفانخيليكا، القديسة التي رمى بها الرب تحت أحذية الجيش لتلقى حتفها في منجم مظلم، ومن وهج قدسيتها انطلق شرار نادى بأعلى صوته على أيرين وفرانثيسكو.

لم تكن رحلة البحث تلك سوى بداية فوضى ألقيا بها بين بساطير الجيش الثقيلة وبندقياتهم الموشحة بدماء المساكين، بدأت الرحلة بوعد، لم تكن أيرين قادرة على ترك قلب أم ينفطر على اختفاء ابنتها، وانتهى بها الأمر إلى تسلق أعلى الجبال، والغوص في أحلك المناجم عتمة، مع حبيبها الذي يعيش عالمين مزدوجين: المصور والمناضل.

مشاهد تمتلئ بروائح الموت والجماجم المثقوبة التي تتدحرج على أرضيات المنجم ضجراً، أو هي مشاهد لتلك الجماجم وهي تسعى لإحداث فوضى فيأت من يسمعها ويخرجها إلى قبور تُزرع عليها الأزهار، علها تشعر فيها بالسلام الأبدي بدلاً من البقاء مدفونة في المنفى!

يأتِ أخيراً من يوقظ الموت في ذلك المنجم، يقوم متثاقلاً، ناعساً، كيف هو شكل النور؟ ما زال مدفوناً في ظلال العسكر.. تستنفر القرى، في كل بيت هناك مفقود يود من بقي على قيد الحياة من أفراد عائلته معرفة مصيره، تنتفض المدن، يا للجريمة البشعة! ينادي الرب من داخل مقرات الأحزاب على خادميه، وتقرع الأواني هذه المرة لأن أفواه الأطفال فارغة منذ الأزل! أسقطوا بنادقكم، ألقوا بزيكم بعيداً، فأنتم عارٌ على وطن عرّيتموه من أبسط مفاهيم الكرامة الإنسانية.

رائحة المشفى تغلف آخر الصفحات، حياة تصارع التراب لكي تعود تستنشق الهواء، ورحلة هروب من السجن والاغتيال إلى المنفى. أين هو وطني؟ وطني هو حيث الحب، ما زال لديه قلباً ينبض ثورة، وطني هو الأرض وشعبي هو ناسها. سوف نعود، لأننا لا نملك خياراً سواه، لا هواء يطيب لحياتنا سوى هواء الوطن حرّاً.

“الحب والظلال” عن أمل ينبعث من بين روائح الجثث، ومن بين أصوات طلقات في لحظة اختراقها أحشاء صوت حر، أمل ما بين صرخات أم فقدت صغيرتها، حتى في توق الشاب لحفظ ملامح حبيبته للأبد فتحفظ أصابعه طريقها إلى النعيم وهي مغمضة.

تصنع إيزابيل من مشاهد هذه الرواية وشماً في الذاكرة، “الحب والظلال” تستحق العناء، لكي نخرج من واقع انهزامي إلى خيال يستفز فينا الرغبة للثورة عليه، من أجل الخبز والحرية ومجتمع يخلو من أوانٍ تطرقها أيدٍ برجوازية على مسامع الفقراء.

السلفادور ألليندي -الذي ولد في السادس والعشرين من حزيران عام 1908 واغتيل في الحادي عشر من أيلول عام 1973- ما زال حياً في الذاكرة الشعبية للشعب التشيلي، تماماً كما تعيش هذه الرواية في ذاكرة إيزابيل ألليندي، وستعيش في ذاكرتي… إلى الأبد.

شارك: Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterPin on PinterestShare on StumbleUponShare on TumblrShare on LinkedInPrint this page