عن استشهاد حتّر… الثقافة ضحية الاغتيال السياسي

الكاتب: طلال عبدالله

18-10-2016

رصاصات الإرهاب السياسي والفكري والتكفيري أصابت جسد ناهض حتّر فأردته شهيداً، فكرة الاغتيال بحد ذاتها هنا تجاوزت الشهيد إلى دوائر أكبر، لعل أهمها تصفية واستهداف المثقفين والكتّاب، الاغتيال السياسي، التحريض ضد من لهم مواقف واضحة مما يحدث في الإقليم، صراع نهجين يتضح في الحرب الدائرة فيه، تحشيد البسطاء والحالة العامة ضد المثقفين.
%d9%82%d8%aa%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%ba%d8%b1%d9%8a%d8%a8

لربما عادت ثقافة إلغاء الآخر جسدياً إلى الواجهة، الأمر الذي لم نعايشه يوماً على الساحة الأردنية، على الأقل في فترة وجودنا نحن جيل الشباب، إلغاء الآخر خلال العشرين سنة الماضية أخذ مسارات مختلفة، الابتزاز، الاعتقال، الحصار، المنصِب، وما إلى ذلك من أساليب يعرفها القاصي والداني، ولكنه لم يأخذ طابع التصفية الجسدية أو لون الدم على الأقل في ربع القرن الماضي هنا في الأردن.

من غير المقنع أن يكون إعادة نشر رسم كاريكاتوري هو السبب الذي يقف خلف اغتيال ناهض، وبالأخص عقب توضيحه بأن الكاريكاتير لم يمس الذات الإلهية، بل يصف تصوّر الإرهابيين للجنة، وهناك شدد ناهض على أن الرسم استغل لتصفية حسابات سياسية معه.

البداية كانت مع التصعيد الإعلامي ضد ناهض، والأمر بجَلبه والتحقيق معه، مما نشر الخبر على نطاق واسع، وعلى الرغم من معرفة الجميع بأن ناهض أصبح مستهدفاً، وتلقـّيه عدداً كبيراً من التهديدات، بقي دون أي نوع من أنواع الحماية.

اغتيال الشهيد ناهض حتّر أخطر من أن يكون رد فعل على إعادة نشره لرسم كاريكاتوري أوضح بنفسه القصد منه، لربّما كان علينا أن ننظر إلى ما هو أبعد من ذلك بعد تجاوز ثورة الحزن والمشاعر. اغتيال ناهض مقدمة لسلسلة اغتيالات قد تصيب المثقفين وأصحاب الأفكار المساندين لقضايا تتعلق بالمقاومة والدولة السورية والعلمانية، قائمة اغتيالات قد تقصر وقد تطول بحسب المشروع المراد تمريره، وبحسب المستقبل الذي يُطبخ في دوائر صنع القرار!

اغتياله لم يأتِ في إطار الصدام مع الدين، ناهض لم يكن صدامياً مع الدين ولم يستفز المشاعر الدينية لأحد في كتاباته ولا في مقالاته، كان علمانياً هذا صحيح، ولكنه لم يشتبك مع الدين إلى الحد الذي يجعلنا نقول بأن تصفيته جاءت لأسباب دينية، فـ “ناقل الكفر ليس بكافر”، إذا اعتبر ذلك “كفراً”، وهذا ما يجعلنا نخرج باستنتاج مفاده أن الاغتيال كان سياسياً بامتياز.

ما نشره ناهض من توضيح حيال الرسم الكاريكاتوري يوضّح بأنه يكن احتراماً كبيراً للذات الإلهية، ولكنه ينتقد التصوّر التكفيري لها، وبالتالي فإن ذريعة اغتيال ناهض من أجل ذلك الرسم هي ذريعة واهية، ولكنها استخدمت من أجل تطبيع فكرة لدى العوام والبسطاء، فكرة اعتياد التصفية الجسدية لمن قد يكون في محل ناهض، وبالتالي سيُسهّل هذا عمليات اغتيال قادمة لا نعرف من ستطال في المرات القادمة.

مما لا شك فيه بأن المنطقة والإقليم بأكمله، والأردن جزء من هذا، تشهد صراعاً حقيقياً بين نهجين، اغتيال ناهض جاء في هذا الإطار، ومن تلوّثت يداه بالدم يحمل نهجاً لن يُصحّح حتى وإن صدر حكم إعدام بحقه، ومن كانت له ردود أفعال مؤيدة للحادثة يحمل “نهجاً” لا يدرك بأنه يحمله من الأساس، وهنا قد تبدو الفرصة مواتية للحديث عن راهنية التصحيح الفكري، فالنهج لا يُصحّح سوى بتصحيح فكري كامل وشامل.

لنسمي الأمور بمسمياتها هنا، الأمر الذي قد يثير ثائرة الكثيرين، لو كان ناهض “مسيحياً” متقوقعاً في مسيحيته أو طائفته يرتمي في أحضان الكنائس الغربية المتصهينة، لو كان “أردنياً” منغمساً في أردنيته وغير معني بالقضايا القومية الكبرى، ولو كان “يسارياً” ممن ارتموا في أحضان قطر والسعودية وأمريكا، لكان شخصاً محميّاً، بل وللمع نجمه على صفحات الصحف والقنوات العربية المشبوهة.

لقد كان الشهيد ناهض حتّر صاحب مواقف واضحة مما حدث ويحدث في العراق، وما حدث ويحدث في سورية، من المقاومة والعلمانية والتطبيع والتعاطي مع الكيان الصهيوني، وهي أمور تتفق معه عليها كافة أقطاب الحركة الوطنية الأردنية، ونحن معها. وعلى صعيد آخر، كان جريئاً في الحديث عن بعض القضايا الوطنية، وكانت أفكاره -ولا تزال- ضمن هذه المساحات موضع جدل في الساحة الأردنية، وهذه لم نتفق معه عليها، إلّا أن ما يجب أن يُثبَّت في قضية استشهاد ناهض، هو التأكيد على كونه شهيداً سقط في مواجهة المشروع التكفيري، سواء اتفقت معه على بعض الأشياء هنا وهناك أو لم تتفق. اليوم ستطال الاغتيالات من يرفض التطبيع على ما يبدو، وإن كان هذا أحد أسباب التصعيد ضد ناهض كمقدمة لاغتياله، إلّا أن الأسباب الأخرى تتلخص في مواقفه من سورية والمقاومة والكيان الصهيوني وداعش والتكفير.

رمزية اغتيال ناهض على أبواب قصر العدل وما يحمله هذا المكان من رمزية، يقودنا للحديث عن مجلة أردنية مرخصة تتبع جمعية سلفية، نشرت قبل فترة مقالاً (إذا صح أن نطلق عليه مقالاً) يدين الاحتكام إلى أي سلطة تتبع الدولة (في إشارة منها بالتحديد إلى السلطتين الدينية والقضائية التابعتين للدولة الأردنية)، وهي مجلة تكفّر الجميع بلا استثناء، جميع الأديان والمعتقدات والأفكار التي لا تدور في كنفها، ليبرز السؤال الأكبر، لماذا يتم التحريض ضد كاتب مثل ناهض كمقدمة لحادثة اغتيال محتملة بسبب هذا التحريض، وتُترك مجلة كهذه لتنشر “أفكاراً” تهدد مستقبل جيل بأكمله؟

radical-nahed

هذا ما قد يعيدنا إلى صراع النهجين، هنالك جو “فكري” تجب محاربته، وهذه المواجهة هي معركة التقدميين والتنويريين في المرحلة المقبلة. من غير المهم أن نُخضع اغتيال ناهض إلى حسابات ما إذا كانت عملية الاغتيال فردية أم لا، هل ينتمي المنفّذ لتيار آخذ بالتنامي أم أنه استجاب للتحريض. التاريخ الأمني في العالم يقول بأن من ينتمي لتيار ما ويُعتقل بسبب جريمة لا يمكن أن يعترف بانتمائه لجماعة منظمة، وهذا ما يؤكد راهنية التصحيح الفكري التي تحدثنا عنها.

اغتيال ناهض ليس الأول، سبقه اغتيال البراهمي واغتيال بلعيد، لم تكن الأسباب الدينية تقف وراء تلك الاغتيالات بكل تأكيد، واغتيال ناهض لن يكون الأخير على الساحة الأردنية، قائمة طويلة بانتظارنا، على ما يبدو.

السؤال الكبير المطروح هنا حول الحالة العامة: من المسؤول عن شراسة هذه الحالة بحق كل من يمتلك رأياً مغايراً؟ أي من المستفيد الأول لترك هذه الحالة وتمكينها من السيطرة على مجتمعاتنا؟ سؤال يقود بالتأكيد إلى أبواب السياسة والتربية والمناهج والصحافة والإعلام!

شارك: Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterPin on PinterestShare on StumbleUponShare on TumblrShare on LinkedInPrint this page