عندما سخر عزيز نيسين

الكاتب: محمد فرج

08-04-2016

قال الكثيرون أن موزارت عندما حزن أبكى الكون، كانت إشارات ذلك واضحة في فيلم أماديوس (حبيب الله)، عندما تعرض موزارت لهزة كبرى، موت الأقارب، والحديث هنا عن موت أبيه بالتحديد. أما عزيز نيسين فشأن آخر، فبعد أو قبل أن يجعلنا نضحك على أنفسنا، يبكينا!
عزيز نيسن 1

عزيز نيسين، الساخر الجاد، والمبتسم المتألم، لا يشبه منتجات السخرية الراهنة، القائمة على جلد الذات، والمازوشية التهريجية. إن عزيز يسخر من الواقع لأنه حقاً يتألم منه، ومشهد سخريته هذا يستفز الألم والتفكير، وإن كان يثير ضحكة غريبة أو ابتسامة غامضة الألوان. إنه لم ينتج -كما اليوم- مشاهد ساخرة عرضة للسخرية في ذاتها، وفي أسلوب معالجتها للمسائل المطروحة.

عزيز نيسين، الكاتب التركي فقير النشأة، الذي كتب عدداً مهوولاً من المسرحيات والقصص والمقالات غادر هذا العالم في عام 1995م، وكان عندها لديه المزيد ليقوله.

عزيز نيسن

أمام ضخامة أعماله وغزارتها، أنا هنا سأعبر محاذياً فقط لمشاهد رسمها هو، وإن كنا نراها كل يوم!

مشهد (1): الأتراك والترحال واللغة

“بعد قرون من الترحال المتواصل، وصلنا إلى الغرب وأنشبنا مخالبنا في أوروبا وتمسكنا بقطعة منها، ولهذا السبب، عندما يروق لنا نقول بأننا أوروبيون، وعندما تقتضي مصالحنا نقول بأننا آسيويون، وها قد مر على آخر استقرار لنا ثمانية-تسعة قرون، وأما إذا أردت رأيي فأستطيع القول أننا لم نتخلص من التنقل والترحال حتى الآن، فلقد عششت حياة الترحال داخلنا”.

“اللغة التركية لغة غنية بالأفعال أكثر من غناها بالأسماء، فما هو السبب؟ إن المجتمعات المستقرة أنتجت أسماء أكثر مما أنتجت أفعالاً، وأفعالها نتجت من الأسماء، وليس هذا هو الحال مع الأتراك. التفكير يقتضي التوقف والهدوء وكذلك يقتضي البطء، وليس بمقدور الإنسان الراكض ضمن حركة مستمرة التفكير، وبالأحرى، لا يمكن لمن يوجد في حالة حركة سريعة التفكير بشكل جيد ومكثف”.

إن عزيز هنا، وبلغته البسيطة الهادئة، الخالية من سخريته المعتادة هذه المرة، يصدر مواقف سياسية تتعلق بتاريخ تركيا، التي لطالما احتارت بين مشروعين: الشرق والغرب، السيطرة على الشرق والتهامه، أو اللحاق خلف الغرب وإن التهمها (أعني تركيا).

كما أنه يتناول مسائل فكرية كبرى ومعقدة، العلاقة بين اللغة والحركة وطبيعة العيش، إن اللغة هي نتاج للموضوع، وهي في ذلك تشبه التفكير، الذي يتأزم في مساحات الاضطراب والتشويش عندما ينعدم استقرار الموضوع. إن سرعة الموضوع في رأي نيسين تحجب التأمل والتفكر، وتخلق لغة فعلية-حركية عاجزة عن إنتاج المسميات، كما أنها تخلق لغة مضطربة في ظل حاجة اللغة أساساً إلى البطء والهدوء.

مشهد (2): السفينة المحطمة والحمير المغدورة

“سفينة محطمة بعد أن اصطدمت في اليابسة، صرخ مستغيث من داخلها: اليابسة”.

“في قديم الزمان كان للحمير لغة خاصة غنية بالكلمات، وكانوا في بلدانهم يتحدثون باللغة الحميرية ويكتبون بها، وذات يوم هاجم قطيع من الذئاب دولة الحمير، وسمع الحمير بالهجوم الذي تشنه الذئاب ولكنهم خدعوا أنفسهم بالقول (لا، لا، لن تهاجمنا الذئاب إذ ليس هناك ما يدعوها لذلك). وكلما كان قطيع الذئاب يقترب أكثر، كانت رائحتهم تزداد أكثر وأكثر، وكان الحمير يستمرون بخداع أنفسهم بالقول “(لا، لا… إن القادم ليس ذئباً، إن شاء الله لا يكون ذئباً). اقترب الذئاب أكثر لدرجة أن الحمير صاروا يسمعون وقع أقدامهم، ومن جديد عادوا لخداع أنفسهم: (لا ليس ذئباً، ولم يكون كذلك؟). اقترب الذئاب وصار الحمير يرونهم بأعينهم، ولأن هذا المنظر لم يرق لهم قالوا: (إن ما نراه ليس ذئباً، بل هو حيوان يشبه الذئب). وفي النهاية عندما أنشبت الذئاب أنيابها في رقاب الحمير، فهم الحمير الحقيقة، وراحوا يصرخون من شدة الألم، آآآآآ ه ه ه هوهو ها ها….). ولم يستطيعوا نطق أية كلمة أخرى، لأن لسانهم شل من شدة الخوف ولم يستطيعوا أن يلفظوا من عبارة ( آآآآ… هوهوهو…. الذئب) سوى (آآآآ… هوهوهو… هاهاها). ومنذ ذلك الحين نسي الحمير لغتهم، وراحوا ينهقون (آآآ… هوهوهو). وأما نحن المثقفون، فلم نستطع إطلاق تلك الاستغاثات حتى أنشب الذئاب مخالبهم بأكتافنا وغرزوا أنيابهم برقابنا، مع العلم أننا كنا قبل ذلك نرى الحقيقة، ولكن بالطريقة التي تروق لنا فنقول (لا ليس كذلك، لم يكون كذلك… إن شاء الله لن يحدث هذا). والأسوأ من كل هذا أننا نطلق على خداع أنفسنا هذا مصطلح (التفاؤل)، (التفاؤل الواقعي) بلغة المثقفين”.

إن نيسين يصيب في كل نص من نصوصه هدفاً محدداً، ولكن هذا لا يمنع أنه مع ذلك يحيل نصه إلى لغم متفجر، في شظاياه عشرات المقاصد والمعاني. صحيح أنه هنا يوجه سهامه إلى المثقفين تحديداً، إلى عجزهم عن التقاط اللحظة، وعجزهم عن إطلاق صافرات الإنذار مبكراً، فحتى لو نطق المثقف بعد حدوث الكارثة فقد لا يحدث ذلك فارقاً، ولا يختلف كثيراً عن حديث العوام.

 في نص نيسين رائحة للاقتصاد والسياسة والدين، إنه كما يهاجم المثقفين العاجزين، يهاجم منظومة الاقتصاد العالمي التي تشكل فيها قطيع من الذئاب، ونخبة من الحمير، وأمم من الضحايا (وأقول الضحايا لأن نيسين تجنب كثيراً وصف الشعوب بالحمير لجهة الهجوم على النخب والتنظيمات، لقد أدرك أن المهمة الأسهل هي إلقاء اللوم على الشعوب، وهو لا يفضل الحلول السهلة).

كما أنه يهاجم الوهم، ليس وهم التفاؤل الواقعي عند المثقفين، ولكنه هاجم الوهم الديني في اختلاف أشكاله كذلك. إن نيسين حاضر في سورية اليوم، كأنه يتحدث عن الصرخة المتأخرة عنها بالذات، إن نيسين المتوفى قبل أكثر من عشر أعوام اشتم رائحة الذئاب منذ ذاك الوقت، ولا سيما أنه كان جاراً إيجابياً لهذا البلد، على النقيض من نظام بلده السياسي.

مشهد (3): الخوازيق ووحدة الدولة والمجتمع

“ذات يوم صرخ رجل بأعلى صوته: (يا إلهي… لقد دخل خازوق بي)، ولكن أحداً لم يعره انتباهه انطلاقاً من فكرة (وما دخلي أنا بخازوق دخل بغيري)، ومع مرور الزمن، ازداد عدد الذين يصرخون (لقد دخل خازوق بي). بداية كانت الخوازيق تدخل في أشخاص من عامة الشعب، وبعد ذلك بدأت الاستغاثات تنطلق من شخصيات الدولة رفيعة المستوى جراء الخوازيق التي كانوا ينالونها الواحد تلو الآخر وراحوا يصرخون (إلحقوني، يا إلهي، أنقذوني من هذا الخازوق، لا أستطيع تحمله أكثر). وبعد فترة من الزمن راح الوزراء، الواحد تلو الآخر، الذين لم يكونوا يصدقوا أو يأبهوا بالخوازيق التي تدخل بغيرهم، يطلقون أصوات الاستغاثة ويتلوون من الألم، وفي نهاية الأمر، لم يبق رجل في الدولة لم يذق طعم الخازوق باستثناء الملك. وذات يوم دخل خازوق في الملك وراح يصرخ (يا إلهي، حتى أنا دخل الخازوق بي)، وراح يتلوى من الألم”.

لقد وسع نيسين قاعدة الخوازيق إلى مستويات عميقة نظرياً، فهو يتحدث أولاً عن عدم الاكتراث للخوازيق في داخل الطبقات الشعبية نفسها، فهو يقارن بين نصه المذكور أعلاه، وما سرده عن عمال المطابع في حادثة استثنائية وجبارة أوقفوا خلالها إصدار كل الجرائد في تركيا، وعندها لم يكن في الأسواق سوى جريدة واحدة: جريدة العمال المضربين، والمكترثين للخازوق الذي دخل في غيرهم وهو في طريقه إليهم. في تلك الحادثة تضامن المثقفون مع عمال التنضيد، كي يتمكنوا من إصدار صحيفتهم المتربعة على عرش الصحافة في أبهى صور الديمقراطية. لقد حملت الجريدة الوحيدة آنذاك عنواناً عريضاً (عمال الفكر شوكة في عيون أرباب العمل).

تحدث ثانياً عن قدرة الخوازيق في الوصول إلى الأنظمة السياسية التي لا تلتفت إلى مجتمعاتها، وتراهن على الحليف الغربي الغادر. ألم ترم أمريكا والغرب معها النظام السياسي في مصر على الرصيف؟ وكذلك فعلت مع النظام في تونس؟ وتحدث ثالثاً عن ردات فعل الأنظمة هذه حال وصول الخوازيق إليها، إنها تبدأ في تصدير خطابات الحفاظ على الحضارة والشرف الوطنيين في وجه المستعمر الغازي، إنها تحاول إخراج خازوقها من خلال إدخال خازوق آخر في الطبقات الشعبية، خازوق الدفاع عن الانظمة البائدة باسم الدفاع عن الأمة والحضارة والشرف. ألم تفعل الأنظمة السياسية ذلك في الحربين العالمية الأولى والثانية؟ وتحدث رابعاً عن استهزاء الأنظمة في الخوازيق التي يحاول الغرب دقها في أنظمة مجاورة لاختلافها عنها، وتعتقد أنها بمعزل عن كل ذلك، وهنا يظهر نيسين سورياً مرة أخرى!

مشهد (4): الحروب العالمية وأنانية الدول العظمى

“إن السبب الحقيقي الذي يقف وراء عدم إطلاق اسم حرب عالمية على الحرب المستمرة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى الآن، وسبب عدم إطلاق اسم (حرب عالمية ثالثة) على هذه الحروب المتواصلة، هو أنانية الدول العظمى المتفوقة تقنياً المتمثلة بعدم وصول هذه الحرب إليها بشكل فعلي، ولأن هذه الحرب لا تدور رحاها على أراضيهم”.

يتحدث نيسين هنا في الجغرافيا السياسية، وفي علاقات الدول العظمى بالأمم الأخرى، يتحدث عن “المراكز والأطراف”. إن استخدام مفردة “الأنانية” هنا، هو الرديف لمصطلح الهيمنة في الأدبيات “الأكثر جدية”، وهو رديف لتحليلات السياسة للفوضى الهدامة التي تمارسها الدول العظمى على أراضي الأمم الأخرى كي تستمر في السيطرة المطلقة عليها.

حديث نيسين هنا إعلان صريح بأن الحرب ما زالت مستمرة، وقد اضطر الساخر للحديث في الأرقام، فيضع مقارباته اللاذعة بين 60 مليوناً ماتوا في الحرب العالمية الثانية أمام 25 مليون ماتوا بعدها -إلى لحظة كتابة نصه- في الحروب الإقليمية، و15 مليوناً بسبب الحروب الداخلية، و50 مليوناً بسبب الجوع.  إن هذا الحديث الساخر يوصف واقعاً مليئاً بالضحايا. لم يكن يبحث نيسين عندها عن شرف الاسم وفخامة اللقب، لقد كان يصرخ: أوقفوا الحرب التي أعلنتم نهايتها في المؤتمرات العالمية!

في حقبة نيسين، كان شعار السلام شعاراً أساسياً في المعسكر الاشتراكي وعند أنصاره. اعتبر نيسين أن مناصرة المثقف للسلام ليست مجرد عاطفة يشعر من خلالها المثقف بالألم على الآخرين ويعبر عن ذلك بحزن قائلاً: “يا حرام”، بل إن هذه المناصرة هي دفاع المثقف عن نفسه، عن وجوده المعنوي، عن الوجود المعنوي كله كما يراه هو. لقد باتت مهمة أشباه نيسين في السلام أكثر صعوبة اليوم، ففي ظل حدة أنانية الدول العظمى اليوم، أصبح السلام استسلاماً، ومصطلح السلام بأكمله بات مسروقاً في مؤتمرات الدول العظمى نفسها، إنها تستخدمه لفرض المزيد من الهيمنة، لقد كفرت به الأمم المضطهدة إلى الحد الذي لم تعد معه تتذوق معناه وتدركه.

مشهد (5): المتحف  

“المتحف هو المكان الذي يحتوي على الأعمال والآثار القيمة، وتزداد قيمة الإنسان عندما يكون له مكان في المتحف، ولكن قيمته تنخفض جداً عندما يتحول هو إلى متحف. أنا لا أحب أن أبدأ حديثي بجملة (في أيامنا الماضية)، لأنني لا أحبذ أن أتحول إلى تاريخ”.

إن هذا يشبه الاستخدام لكلمتي “أنتيك” و “أنتيكا” في مجتمعاتنا، فالأولى تشير إلى الشيء القديم والمعتق، شيء ذي قيمة، على الأقل في عصره. أما الأنتيكا فهي الشيء الذي لا قيمة له.

إن حديث نيسين هنا يطول ما هو أبعد من السلع، إنه يطول الذهن. فالعاملين على الموسوعات الكبرى عادة ما يكونوا من فئة الأنتيكا، أو المتاحف، ولكنهم عادة لا يدخلونها. إن الذهن الإبداعي المنتج، المجترح للأفكار، المتخيل، المتأمل هو الذي يدخل المتحف دون أن يكون هو متحفاً. إن قراءة التاريخ مهمة للغاية، ولكنها تمتلك إغراءً كبيراً إلى حد البقاء فيها، أي التحول التدريجي إلى متحف، والوقوع في هذا الفخ هو المكافئ العملي للتحول إلى متحف.

إن واحدة من إشكاليات مثقفي عصرنا هذا هي تحولهم إلى متاحف، وهذا ما سيمنع بالضرورة دخولهم أي متحف إلى جانب المفكرين الكبار. 

مشهد (6): الكاتب ولقمة العيش، حوار مع ماركس وبوكوفسكي وجوائز الكتابة

“في تلك الأيام، كنت أقيس كل شيء بعدد القصص التي أكتبها، فمثلاً أجرة البيت بثلاث قصص، وثمن أحذية أربعة أولاد خمس قصص، أما مدفأة الغاز…. يا إلهي كانت تضطرني لكتابة عشرة قصص كي أشتريها، وهناك بعض القصص لم أكتبها عن طيب خاطر، بل كتبتها بصعوبة ومشقة. لقد كتبت ثلاثة آلاف قصة، ويعتبر هذا الرقم قياسياً على مستوى العالم، لدرجة أن يوسف ضياء أورتاج قال لي أكثر من مرة (أنت مطبعة)، ولكن هل يوجد مطبعة تحتمل هذه المشقة لمدة خمسين عاماً؟”.

هذا حوار يطال مصطلحات تعتبر أقل رطوبة من كلمات نيسين، تطال مصطلح الاغتراب عند كارل ماركس، الاغتراب عما ننتجه. حاول ماركس الهروب من هذه الصيغة (ليس من العيب أن يتقاضى الصحافي أجراً لقاء ما يكتب، ولكن المشكلة أن يكتب مقابل أجر). إن العرض والطلب، أي نظام السوق، أي نظام الرأسمالية، كانت مضمنة في كتابات نيسين عن الكتابة.

نيسين يحاور كذلك بوكوفسكي، الذي يرفض المؤلفات التي تثاءبت مكتبات العالم بسببها. لقد كان من السهل أن نتقبل تثاؤب نيسين عندما يحين موعد أجرة المنزل ويفرغ غاز المدفأة، ولكن ماذا عن تثاؤب الباحثين عن المال والشهرة واتباع المزاج السائد للوصول إليهما؟ إن تثاؤبهم، لا يسبب الغثيان فقط، ولكنه أيضاً يسبب ازدحاماً غير مبرراً.

ليست لقمة العيش هي العامل الوحيد الذي تناوله نيسين في التأثير على الكتابة، فقد اعتبر أيضاً أن العشق والطمع وجرس الباب وجرس الهاتف وقلة النقود وكثرة النقود والوحدة والازدحام وقلة الشهرة والشهرة الزائدة أسباباً إضافية تؤثر على فعل الكتابة.

ومع ازدحام هذه الأسباب وحصارها، إلا أن نيسين بقي كاتباً فذاً بامتياز، لقد رفض أن تنخفض غزارة إنتاجه لأي سبب كان، فهو لم يقبل أن يحمل تولستوي زوجته مسؤولية عدم غزارة إنتاجه وعدم كثرة كتبه، ولا من هايدن عدم تقديمه ألحاناً أجمل بسبب زوجته، ولا من بيتهوفين أن يتذرع بالعذابات التي سببها له ابن أخيه. إن نيسين ينظر إلى تلك الأسباب جميعاً على أنها حجج ملفقة لا تقبل أبداً.

وهذا التصميم لا يعني أبداً انقطاع نيسين عم يجري خلف نافذة بيته، لقد كان مؤمناً بأن الفعل السياسي يعلم الكتابة أكثر، كما أن الكتابة تفعل فعلها في السياسة، واعتبر أن الظروف السياسية في عهده رمت بالمثقفين إلى سفينة مليئة بالثقوب، عندها حتى عازف الكمان نزل لكي يساعد في سد تلك الثقوب.

مشهد (7): مؤامرة التلفاز والفن التجريدي

“لا يجب في البرامج الأدبية في التلفزيون الحد من انتشار الكتاب، بل على العكس، يجب أن تساهم في انتشاره، وهذا يعني تحويل المشاهد إلى قارئ”.

“إن التلفزيون عملاق شره للأدب، ولا يعرف للشبع طريقاً، وباستطاعة أدبائنا إطعامه إلى حد التخمة، بل إلى أن ينفجر”.

“إن الفن التجريدي ظهر للخلاص من التفاعل مع الفلسفة”.

إن جمل نيسين الخاطفة في الحديث عن التلفاز والفن التجريدي تبني مجالاً بحثياً بأكمله، فالتلفاز الذي تمنى نيسين منه تحويل المشاهد إلى قارئ فعل العكس تماماً، لقد كان حفرة امتصاصية، ثقباً أسوداً امتص كل من حوله، وأحاله إلى مشاهد فقط وليس العكس.

صحيح أن التلفاز عملاق شره، وهو شره ليس لقدرته الاستيعابية العالية، وإنما لبطء عرضه للأشياء، إن الدقيقة فيه أقل سعة من دقيقة القراءة، لذلك تتمكن الكتابة من إغراق التلفزيون، ولكن العكس لا يحدث أبداً.

أما موقف نيسين من الفن التجريدي فيأتي في سياق تركيبته كأديب مواقفي، إن نيسين لم يعتبر الأدب ساحة للفوضى والتحرر البوهيمي من أي التزام، لقد التزم بمواقف سياسية محددة، وبنظريات محددة. إن قدرته الجبارة على إنتاج الأعمال الساخرة، لم يتعارض مع التزامه بأيديولوجيا محددة وواضحة، وهي الماركسية. ومع قدرته العالية على تحويل أعقد المصطلحات والأفكار إلى مشاهد بسيطة، مع هذه القدرة التعبيرية الفائقة، بالتأكيد لن يروق لنيسين الفن التجريدي، لأن نيسين لن يقبل الوقوف في معرض فني، ويطالبه أحد بفك ألغاز شعورية ونوايا وأمنيات لشخص لا يعرفه!

كتب نيسين يوماً عن كارل ماركس، واعتبره مخطئاً حيث أن الكثيرين وقفوا ضده دون أن يعرفوه، ومن الممكن أن نيسين كرر الخطأ ذاته عندما أسس للكتابة الساخرة، وفهمها ساخرو اليوم بهزل واستخفاف تسطيحيين!

شارك: Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterPin on PinterestShare on StumbleUponShare on TumblrShare on LinkedInPrint this page