طلال بن عبدالله، ذاكرة خصت الشعب ودوائر الحكم!

الكاتب: ليلى بشارة

31-08-2015

بالنسبة لمعظم الأردنيين، ليس طلال بن عبدالله سوى ملك استلم الحكم لفترة وجيزة أُقر خلالها الدستور، ليضطر بعد ذلك للتنحي عن الحكم "بسبب المرض". أما في كتب التاريخ وروايات متعددة؛ فثمة وجه آخر للحقيقة.
11931625_10153154388126915_589850355_n

خلال أحداث ما يسمى بـ “الربيع العربي”، بحث الأردنيون في تاريخهم محاولين البحث عن أيقونة، أصابوا مرة وأخطأوا مرات. واحدة من هذه المحاولات كانت تتعلق بطلال بن عبدالله.

هنا سنحاول النبش أكثر، والبحث مع الجميع، محاولين تجاوز الأطروحتين، “التباكي” و “التخوين”، وتبقى هذه المقالة في النهاية رواية من الروايات تنتظر المزيد من التفاعل والتمحيص.

عن تاريخنا

عرضت الكثير من المراجع ارتباط الملك عبدالله الأول بعلاقات طيبة مع الاستعمار البريطاني كانت السبب في تثبيت دعائم عرشه. ظهر ذلك جليّاً في معاهدة آذار/مارس 1948، والتي اتفقت فيها “الإدارة البريطانية والملك عبدالله على تنفيذ مخطط تقسيم فلسطين، وإلحاق جزئها العربي بمملكته، بعد قيام دولة (إسرائيل)” – كتاب الحركة الوطنية الأردنية (1946 – 1953) – د. عصام السعدي.

لقد كان التدخل البريطاني في حكم الأردن واضحاً، ويكفيه التعبير عن نفسه باسم “الانتداب”. توغل في كل قراراته، سيطرة كاملة؛ سياسياً واقتصادياً وعسكرياً. ولم تكن سيطرة بريطانيا لتكتمل على الأردن سوى عبر خلق ذراع سياسي يتمركز في الحكم.

بريطانيا التي خرجت خائرة القوى بعد الحرب العالمية الثانية، استشعرت بخطر استبدالها بمستعمر آخر، يفوقها قوة، فقد كانت أمريكا تسعى للتوغل في المنطقة بعد أن تحالفت مع الكيان الصهيوني. لتبدأ مرحلة من “الحرب الباردة” بين مستعمرين، أحدهما أصابته الشيخوخة (بريطانيا)، والآخر يسعى لإزاحة الأول والتربع على عرشه (أمريكا)، إلّا أن الثابت في المعادلة كان الإبقاء على “حليف” ما في سدة الحكم.

طلال بن عبدالله، ضد الإنجليز

اشتهر طلال قبيل اعتلائه سدة الحكم بالعداء الشديد للبريطانيين، وكان دائم الخلاف مع والده حيال ذلك، كما اشتهر بقربه الشديد من الحركة الوطنية الأردنية، إلى الحد الذي قرر فيه والده قطع مخصصاته الأميرية، ليسكن بيتاً صغيراً في جبل عمّان، ما زال حتى اليوم شاهداً على المؤامرة التي تعرض لها.

لم يكن طلال خياراً محبذاً لدى بريطانيا، على عكس والده؛ الذي قال في أحد اجتماعاته مع كلوب باشا ووزراء حكومته والقائمين بالأعمال البريطاني والأمريكي في عمّان في 23 آذار/مارس 1949: “الغرب خذلنا ولا نعتمد عليه، وإذا نشبت الحرب قد نخسر أكثر مما يطلبه اليهود، ونطأطئ هاماتنا، عندها قد تخسرونني، وإذا ذهبت لن يأتيكم من هو أحسن مني أو مثلي، وطلال تعرفونه جيّداً (أي أنه يكره الإنكليز ويقف ضدهم وضد سياساتهم في البلاد)، وأنا مستعد للتنازل عن العرش ولا أحارب اليهود، ولكن من يأتيكم بعدي؟، وأنا مستعد لتحمل كل شيء، وخلي الناس يقولون أني بعتها”.

يقول كلوب باشا في مذكراته “جندي مع العرب”: “أنه تم الاتفاق بين توفيق أبو الهدى رئيس وزراء الأردن وأرنست بيفن وزير خارجية المملكة المتحدة بحضوري على أن يدخل الجيش الأردني لا لتحرير فلسطين لكن لضم الضفة الغربية إلى الأردن، وهي من الجزء الذي قسمته الأمم المتحدة للعرب وذلك على ألّا يقاتل اليهود مطلقاً ولا يدخل أرضاً قسّمت لليهود”.

لقد ارتبط اسم طلال بعلاقات طيبة مع أبناء الشعب الأردني وحركته الوطنية، وظلت تلك العلاقات رهن السرية من وراء كلوب باشا وعبدالله الأول. لم يرق لطلال يوماً تواجد السفير البريطاني وكلوب باشا على يمين ويسار والده دوماً، وبهذا كان قرار تنحيته يطبخ في ردهات بيت الشريف ناصر وأروقة السفارة البريطانية في عمّان فور اعتلائه سدة الحكم.

لقد كانت بريطانيا أقرب لتنصيب الأمير نايف (الأخ الأصغر لطلال)، فيما كانت أمريكا تميل لتنصيب الأمير حسين -الطفل آنذاك- نجل طلال الأكبر، وآلت الأمور في النهاية لصالح الاقتراح الأمريكي!

لم يكد “أبو الدستور” يعتلي سدة الحكم حتى منع السفير البريطاني من زيارته إلّا بموعد مسبق بعد أن كانت أبواب القصر مشرعة له أثناء حكم والده، وصارت مسألة عدائه لكلوب باشا وتوفيق أبو الهدى -رئيس الوزراء الأردني في تلك الفترة- واضحة للعيان، وهذا ما دفع بريطانيا، بالتعاون مع زوجته زين وأخيها ناصر، ورئيس الوزراء وعدة شخصيات في القصر، لإنهاء حقبته.

اتهم طلال بالجنون، وتم عزله عن العرش في 11 آب/أغسطس 1952، ونفي إلى الخارج سجيناً في مستشفيات الأمراض العقلية في مصر، إلى أن انتهى به الحال في أحد مستشفيات الولادة بتركيا، حيث بقي هناك إلى أن توفي في تموز/يوليو من العام 1972.

وبحسب مذكراته التي نشرت في روز اليوسف بعد وفاته، فقد عانى الملك طلال أشد الظروف قهراً وظلماً، وانعكس ذلك على صحته البدنية والنفسية في الكثير من الأحيان.

حال تنحية طلال، هبّت المظاهرات الشعبية في كافة شوارع المملكة، وتشكلت حركات شبابية تنادي بعودة طلال بعد معرفتها بخيوط المؤامرة التي حيكت ضده، وإن كانت حركة “أنصار طلال” أبرزها، تلك الحركة التي أُعدمت قياداتها وعناصرها في الميادين العامة لكافة المحافظات الأردنية.

المعارضة بشقيها؛ الشعبية والبرلمانية، بلغت أوجها في تلك الفترة، وقوبل الرفض الشعبي لعزل الملك طلال عن العرش بالقمع، إذ لم يتوانَ أبو الهدى عن اعتقال وتعذيب كل من وقف في وجه بريطانيا الأم، فيما كان الحزب الشيوعي الأردني، حديث التأسيس بهذا المسمى، على رأس تلك الاحتجاجات، وقد نجح وقتها في اجتذاب عدة فئات شعبية، التفت حوله كمظلة جامعة، بمطالبها الوطنية العادلة.

لقد كان طلال على الدوام منبوذاً من قبل والده، لما يحمله من مواقف عدائية صريحة لبريطانيا، وتمتعه -كما يروى- بنفس عروبي وقومي، إلّا أن ذلك لا ينفي أبداً مساءلات تاريخية كبيرة في مسيرة الرجل القصيرة في الحكم.

طلال بن عبدالله، وأمريكا

على الرغم من أن طلال انتهج منهج محاربة الإنجليز والصهاينة والوقوف في وجه مخططاتهم، إلّا أن ذلك لا ينفي الأخطاء الجسيمة التي وقع فيها، والتي قد تكون أسباباً إضافية لتمكن من تآمر عليه من تنحيته! وقد تبدو الأخطاء التالية أبرزها:

• لم يجنح طلال -بعد اعتلائه سدة الحكم- صوب تفتيت الحلف الحاكم وتطهير الجيش الأردني من التواجد البريطاني.

• لم يشكل طلال تحالفاً وطنياً يجمع القوى السياسية والحزبية الوطنية إلى جانب ضباط الجيش الوطنيين ممن أتعبهم التواجد البريطاني في أوساط الجيش، وذلك لمواجهة الحلف الحاكم آنف الذكر.

• لم يلتفت طلال إلى الخطر الأمريكي، وذلك بسبب عدائه الشديد لبريطانيا والكيان الصهيوني، حيث لم يرَ طلال عدوّاً في العالم غير البريطانيين متجاهلاً خطر استبدال استعمار باستعمار آخر من منطلق (عدو عدوي صديقي).

• على الرغم من معرفة طلال بنوايا الأمريكي، واتصالات زوجته ببريطانيا وأمريكا لضمان حق ولدها في العرش، إلّا أنه نادى بولده الأكبر ولياً للعهد (بمباركة أمريكية).

• لم يحاول طلال السيطرة على شخصيات بارزة في القصر كسمير الرفاعي ومحمد الشريقي وحابس المجالي وهزاع المجالي كانت تهم بتنحيته وتنصيب أخيه نايف (بمباركة بريطانية).

• اطمأن طلال للدعم الأمريكي لعرشه وأبقى على أبو الهدى رئيساً للوزراء على الرغم من معرفته بالعلاقة الوطيدة التي جمعت توفيق أبو الهدى بالإنجليز.

• سمح طلال لأمريكا بالتوغل في الأردن على شكل تقديم “مساعدات” للاجئين الفلسطينيين، بالإضافة إلى سماحه بدخول هيئات الإغاثة الدولية والأمريكية إلى الأردن، ومن المعلوم بأن هذا الثوب هو الذي ترتديه أمريكا لاستعمار الدول باختلاف مواقعها على الخريطة وباختلاف التواريخ والسنين!

• كان لطلال علاقات طيّبة مع السعودية، الأمر الذي لعب دوراً بارزاً في تقريبه من الولايات المتحدة الأمريكية آنذاك.

مراجعة ما بعد السقوط

ليس من المنطق التحالف مع شيطان من أجل إسقاط آخر! وليس من عذر لطلال في تهاونه في صد المخططات الإنجليزية؛ كالتحديد من صلاحيات أبو الهدى أو إقالته من الأساس، وإحلال شخصية وطنية تستلم زمام الأمور مكانه، لم تكن أمريكا تنفع في التخلص من الشيطان الأول، ولا في دعم خطوات كتلك.

وعلى الرغم من كل ذلك إلّا أن “دستور طلال” كما يحلو للبعض تسميته كان خطوة تقدمية إذا ما قورن بدستور 1937، ولا يمكننا تناسي حقيقة أن طلال مثّل أنموذجاً جابه الإنجليز وقرّب العديد من الشخصيات التي تشاركه هذا العداء.

قد نجد أنفسنا أمام مشهد جمع طلال بالشيوعيين؛ ويذكر الدكتور نبيه ارشيدات في مذكراته لقاءاته بالأمير طلال كممثل عن الحزب، ويشير إلى أن طلال لطالما وثق بالحزب والكوادر الشيوعية آنذاك؛ (ولا أَدَلُّ على ذلك، عندما استقبله الدكتور نبيه ارشيدات مع بعض الطلاب العراقيين في مطار (جنيف)، وكان مع الأمير العائد إلى عمّان لتولي الحكم، فوزي الملقي سفير الأردن في لندن، وسفير الأردن في باريس وآخرون، ويقول ارشيدات: ولما رآني حيَّاني بحرارة وقال: “بعدك شيوعي يا نبيه”، وقبل أن أُجيبه قال الملقي: “لا يا سيدي لقد ترك كل شيء، وهو الآن يختص بالأمراض الصدرية”، فقال الملك طلال رداً على المفتي: “لا لا هذا أعرفه ما بترك مو مثلكم يا منافقين”، ثم نظر إليَّ وقال بنوع من الاستخفاف: “انظر هؤلاء هم أركان دولتك يا نبيه”) – كتاب الحركة الوطنية الأردنية (1946 – 1953) – د. عصام السعدي.

طلال بن عبدالله أكثر من تجربة عابرة، وإن عبرت في أقل من سنة، ولكن يبقى السؤال: هل تكفي ذكراه، أو حتى حضوره مجدداً، لمواجهة أسئلة الواقع المعاش اليوم؟

______________________________________________________

المراجع

1) الحركة الوطنية الأردنية (1946 – 1953) – محاولة لإعادة كتابة تاريخ الأردن – د. عصام السعدي.

2) مذكرات الملك طلال – إعداد ممدوح رضا.

3) مقالة بعنوان “حنين أردني لملك فقد عقله” – محمود منير.

شارك: Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterPin on PinterestShare on StumbleUponShare on TumblrShare on LinkedInPrint this page