سارتر في حضرة أندرياس بادر

الكاتب: راديكال

18-10-2016

أثارت منظمة بادر-ماينهوف جدلاً واسعاً، كان ذلك عنوان مرحلة الستينيات والسبعينيات، مرحلة اليسار المسلح، الذي أرعب رؤوس الأموال الداعمة للصهيونية والرأسمالية. ثورة أممية كما هي ضد ما تعرضت له ألمانيا في شقها الغربي بعد الحرب، هي ضد احتلال فلسطين، وبالتزامن مع صعود الكفاح المسلح الفلسطيني، وبالتحديد الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، الأقرب لهذا اليسار تنظيمياً.

ترجمة المقابلة الصحفية الظاهرة في الفيديو مع سارتر:

الصحفي: تم القبض على بادر وبعد فترة قليلة على رفيقه هولجر مينز الذي توفي في السجن تحت تأثير الإضراب عن الطعام، ما جعله يعلن الحرب الكاملة وبدون أي مساومات على المجتمع الرأسمالي. مفاهيم هذا الصراع السياسي تبقى غير مفهومة لدى الخارج. قابل سارتر بادر في زنزانته في كانون الثاني/ديسمبر الماضي. لم يكن بادياً عليه أنه موافق على أساليبه. ما هو الانطباع الذي أعطاه لك أندرياس بادر؟

سارتر: إنه نحيف، نحيف جداً بسبب الإضراب عن الطعام الذي يقوم به. يبدو على وجهه آثار التعذيب، لكنه كان يتحدث بهدوء شديد.

الصحفي: لقد صرحتم مسبقاً بأنكم تدعمون أندرياس بادر على الرغم من عدم موافقتكم على أساليبه، هل مازلتم على موقفكم بعد رؤيته؟

سارتر: نعم، بمعنى أن هناك أساليب كثيرة بإمكان اليسار أن يستخدمها في محاربة القوة التي تعارضه. أساليبه قد تنفع في ألمانيا ولكنها لا تنفع في فرنسا.

_____________________________________________________________________________

أدناه مقال نشره جان بول سارتر في تلك المرحلة، بعد أن زار واحداً من مؤسسي بادر ماينهوف في سجنه في ألمانيا (الجيش الأحمر الألماني هي التسمية الواقعية). هو نتيجة لقاء فيلسوف وأديب وكاتب مسرحي تفرج على الحياة كثيراً ليقيس الأشياء، كتب ما عاشه، ولكنه لم يعش كل ما كتبه، لذلك كان يشتعل فضولاً للقاء شاب مثقف قرر المضي إلى الجدار الأخير في رحلة تغيير العالم، أندرياس بادر.

الموت البطيء لأندرياس بادر – مقال جان بول سارتر 1974

“في بداية اللقاء تصافحنا. جلس في الجهة المقابلة، وبعد ثلاث دقائق، كان أول ما قاله لي، وكأنه يرحّب بي: “كنت أعتقد أنني أتعامل مع صديق، لكنهم أرسلوا لي قاضياً…”.

من الواضح أن هذا جاء نتيجة التصريح الذي قدّمته على القناة الألمانية في الليلة السابقة.

كما أعتقد أنه كان يأمل بأنني قد جئت للدفاع عن أعماله وأعمال رفاقه. لكنه أدرك بأنني لست على توافق معهم. كنت قد أتيت كيساري متعاطف مع أي مجموعة يسارية تواجه خطراً؛ هذا موقف أعتقد بأنه يجب تعميمه.

لقد أتيت لكي يتسنى له إبداء وجهة نظره حول النضال الذي قاموا به، وقد فعل.

لم آتِ لأقول إنني أتفق معه، بل لمجرّد أن أعرف أي آرائه يمكن أن توظّف في مكان آخر؟ إن اعتقدنا بأنها صحيحة، وأيضاً للحديث حول ظروف السجن باعتباره سجيناً.

تحدثنا بعد ذلك عن حياته في المعتقل. سألته عن سبب إضرابه عن الطعام. أجابني بأنه يفعل ذلك احتجاجاً على ظروف اعتقاله.

كما نعلم الآن، هناك عدد محدد من الزنازين في السجن الذي زرته، لكن الأمر ذاته ينطبق على غيره من السجون الألمانية. هذه الزنازين مفصولة عن غيرها، وهي مطلية بطلاء أبيض ومزوّدة بالكهرباء حتى الساعة الحادية عشرة مساءً، بل أحياناً على الـ 24 ساعة.

كما أن هناك أمراً لم يتنبّه له: الصوت. الأجهزة داخل الزنزانة تنتقي الأصوات وتضعفها وتجعلها غير مسموعة إطلاقاً داخل الزنزانة نفسها.

نعرف بأن الصوت ضروري للجسد والوعي البشري. يجب أن يكون هناك أجواء محيطة بالإنسان.

الأصوات، تلك التي نطلق عليها صمتاً، _إلا أنها تحمل إلينا معانيَ كثيرة، على سبيل المثال، صوت “الترام” أو صوت المارّة في الطريق أو صوت صفارات الإنذار_ مرتبطة بالسلوك البشري؛ هي تسجّل حضور البشر.

إن غياب التواصل مع الآخرين من خلال الصوت يخلق مشاكل عميقة، مشاكل في دورة الجسم ومشاكل في الوعي. هذه الأخيرة تدمّر التفكير بجعله صعباً بشكل متزايد. شيئاً فشيئاً، تحض على غياب الوعي ومن ثم الهذيان، وكما هو جليّ، الجنون.

لذلك، حتى وإن لم يكن هنالك “تعذيبٌ”، هناك من يضغط مقابس معينة على مستوى آخر. هذا التعذيب يولّد قصوراً عند السجين ويقوده للغيبوبة أو الموت.

بادر، وهو ضحية هذا التعذيب، يتكلم بصورة مناسبة، لكنه بين الحين والآخر يتوقف، كما لو أنه فقد حبل أفكاره. يأخذ رأسه بيديه في منتصف الجملة ثم يعود للبدء مجدداً بعد دقيقتين.

جسمه أصبح نحيلاً جرّاء الإضراب عن الطعام؛ يتم إطعامه قسرياً من قبل الأطباء في السجن إلا أنه نحيل جداً، وقد خسر خمسة عشر كيلو غراماً، إنه يعوم في ملابسه التي أضحت كبيرة جداً. لم يعد هناك أي صلة بين بادر الذي رأيته والشخص ذو الصحة السليمة.

هذه الإجراءات، والتي ينفرد بها السجناء السياسيون حصرياً _على الأقل جماعة بادر-ماينهوف_ هي إجراءات مخالفة لحقوق البشر.

وفق حقوق البشر، على السجين أن يُعامل كبشر. للتأكيد، إنه مقيّد الحرية، إلا أنه يجب ألَّا يخضع لأي تعذيب، أو أي فعل يهدف لجلب الموت أو الامتهان للإنسان. هذا النظام ضد الإنسان تحديداً، ويؤدي إلى تدميره.

لا يزال بادر يقاوم بصورة جيدة جداً. إنه ضعيف، وصحته متدهورة بالتأكيد، إلا أنه لا يزال واعيًا، غيره قد دخلوا في غيبوبة.

ثمة مخاوف على حياة خمسة من المعتقلين خلال الأسابيع أو الأشهر أو حتى الأيام القادمة. إنه لمن الملح أن يتم تشكيل حركة للمطالبة بمعاملة السجناء وفق حقوق البشر؛ ألَّا يعانوا من أي إساءة في المعاملة تمنعهم من تقديم إجابات صحيحة على الأسئلة التي ستطرح عليهم يوم محاكمتهم، أو حتى كما سبق وأن حدث مرة، تؤدي إلى قتلهم.

يوجد حالياً دفاع ملتزم بالمساجين الألمان في السجون الفرنسية. هذه اللجنة تعمل سوياً مع كل من هولندا وإنجلترا. إلا أنه من الضرورة أن يتم تشكيل لجنة مثل هذه في ألمانيا، تتكون من المثقفين والأطباء وكافة أطياف الأشخاص الذين يطالبون بأن يتلقى كل من معتقلي الجرائم العامة والمعتقلين السياسيين المعاملة ذاتها”.

لقراءة مقالة سارتر باللغة الإنجليزية انقر هنا.

شارك: Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterPin on PinterestShare on StumbleUponShare on TumblrShare on LinkedInPrint this page