زيادين، الرجل غير العادي

الكاتب: د. مازن حنا

31-05-2015

"الناس صنفان: موتى في حياتهم... وآخرون ببطن الأرض أحياء".
11275290_10152964727501915_506358494_n

نعم، هناك أشخاص يجيئون إلى هذا العالم ويرحلون عنه، وبرحيلهم يختفي كل أثر لهم، كأنهم ما عاشوا ولا كانوا، لأن خطواتهم في الحياة أشبه بالمشي على الرمال.

لكن الدكتور يعقوب زيادين لم يكن رجلاً عادياً، ولم يكن بمقدوره واختياره أن يكون، لقد آثر أن يصبح من القلائل الذين تظل ذكراهم خالدة على مر الزمان؛ ولو كان أبو خليل رجلاً عادياً لأصبح وزيراً أو حتى رئيساً للوزراء في عصر قل فيه المتعلمون الذين كانت الدولة تستقطبهم حال تخرجهم إذا دخلوا دائرة الموالاة، وما أكثر هؤلاء من الذين لم يتركوا أثراً ولا يكاد يذكرهم أحد، أو ربما أصبح من القطط السمان وحيتان السوق حين كان ذلك سهلاً ومتاحاً للّاهثين وراء الثروات المكدسة المكتنزة من عرق وجهد المواطنين ومن المال العام بلا رقيب أو حسيب، أو بالأصح مع رقيب متواطيء وحسيب شريك.

في واقع الحال، وبعيداً عن ذلك كله، عاش يعقوب زيادين حياة مختلفة غنية بالتجارب، مليئة بالكفاح والنضال، حافلة بالتضحيات الجسام والعطاء ونكران الذات في سبيل المصلحة العامة، مصلحة أبناء شعبه ووطنه. لذا ترك بصمات واضحة تعدت محيطه الصغير ووصلت إلى كافة أرجاء العالم العربي كمناضل صلب لا تلين له قناة، وخلّف للأجيال القادمة سيرة عطرة يمكن أن يأخذوا منها الكثير من الدروس والعبر.

ومنذ طفولته المبكرة شغلته مشكلة الفقر الذي كان منتشراً بين الناس في قريته الصغيرة “السماكية”، فبدأ يتساءل كيف يمكن التغلب عليه وكأنه بذلك كان يعد نفسه -دون أن يدري- لهذه الحياة غير العادية.

ولكن نظراً لصغر سنه في ذلك الوقت لم يكن وعيه قد تفتح بعد، لذا بقيت تساؤلاته تبحث عن إجابات دون أن تجدها.

بدأت الأمور تتضح له رويداً رويداً في وقت لاحق، حين ذهب في عام 1943 إلى دمشق للدراسة، وكان أول حادث هز كيانه هناك أنه في أحد الأيام عند خروجه من المطعم صادف مظاهرة في ساحة من ساحات دمشق، عشرات من النساء ومعهن أطفالهن هجمن على بلدية دمشق في ساحة المرجة، يطالبن بالخبز ويشتمن رئيس الوزراء آنذاك، فأدرك حينئذ أن المسألة ليست مسألة قرية صغيرة كالسماكية، فها هي دمشق، المدينة التي انبهر فيها عندما دخلها أول مرة، فيها أيضاً فقر.

استنتج من مشاهدته تلك أن المشكلة واسعة وتضم الملايين من البشر، فبدأت الأمور تتبلور في ذهنه أكثر فأكثر في أواخر أيار عام 1943 عندما سمع في أحد الأيام أحد الزملاء من الأطباء يتحدث عن الاستغلال، وكيف ينمو رأس المال، وكيف يستغل العمّال، فسأله: “من أين عرفت كل هذا الكلام؟”، وتلقّى الإجابة بأن هذه المعلومات موجودة في الحزب الشيوعي السوري، وهكذا كان التحاقه بالحزب الشيوعي السوري هو الشرارة التي انطلق من خلالها ليبدأ مسيرة طويلة من النضال والكفاح.

بعد تخرجه طبيباً جراحاً، بدأ العمل في القدس، حيث تعرف هناك على فؤاد نصّار ورفاقه المناضلين، وانضم إلى صفوف الحزب الشيوعي الأردني الذي نشأ نتيجة اندماج عصبة التحرر الوطني في فلسطين مع الخلايا الماركسية في شرق الأردن.

في عام 1956 انتخب نائباً عن القدس، بالرغم من أنه ابن الكرك، في أول وآخر انتخابات نزيهة جرت في الأردن، وقد فضّله المقدسيون على غيره من المرشحين من أبناء العائلات المقدسية المعروفة لأنه يدافع عن حقوق العمّال والفلاحين، وعن حقوق المرأة، إضافة إلى أنه كان معروفاً بمواقفه ضد التفرقة القومية والدينية، وضد الطائفية، لأنه يحمل فكراً إنسانياً، كان باختصار يتحلى بأخلاق وصفات قلّ أن توجد إلا عند الشيوعي الحقيقي، لكن طريق النضال ليست مفروشة بالورود والرياحين، بل هي طريق محفوفة بالمخاطر ومزروعة بالأشواك، إذ سرعان ما أُقيلت حكومة سليمان النابلسي الوطنية، وأُعلنت الأحكام العرفية في عام 1957.

بذلك بدأت مرحلة جديدة وشاقة من النضال، عرف خلالها الدكتور يعقوب زيادين حياة السجون والمنافي، حيث بقي في السجن لمدة 8 سنوات متواصلة ظل خلالها صامداً ووفياً لمبادئه، ولم يخرج من السجن إلا في عام 1965 عند صدور العفو العام عن المعتقلين السياسيين.

بعد خروجه من السجن واصل نضاله دون كلل أو ملل، واختير في عام 1970 عضواً في المكتب السياسي للحزب الشيوعي الأردني، وفي عام 1987 انتخب الدكتور زيادين ليُصبح الأمين العام للحزب الشيوعي الأردني حتى العام 1997، ثم أصبح فيما بعد رئيساً وأباً روحياً ومؤسساً لحزب الشغيلة الشيوعي الأردني، وذلك بعد أن اختلف مع رفاق الأمس على خلفية التمويل الأجنبي الذي رفضه رفضاً تاماً لأنه كان يريد لحزبه أن يظل نقياً ومستقلاً وغير خاضع لأي جهة خارجية، فكان هذا آخر منصب سياسي شغله قبل أن يتفرغ للكتابة بسبب ظروفه الصحية؛ مع بقائه الأب الروحي لحزب الشغيلة الشيوعي، ولتجمع الشيوعيين الأردنيين فيما بعد.

ورغم صلابته المبدأية والتزامه الأيديولوجي الصارم لم يكن متزمتاً، بل كان واسع الصدر والأفق، يفتح بيته للجميع، حتى الذين كان يختلف معهم فكرياً، سواء من الرفاق أو من الذين يحملون أفكاراً مختلفة وينتمون لأحزاب أخرى، كان يستقبل الجميع ويحاورهم ويناقشهم بوده المعهود، وبقي رمزاً للشيوعيين الذين عاصروه خلال أكثر من 72 عاماً من العمل السياسي والنقابي حتى آخر أيامه، فقد كان قبيل وفاته عضو لجنة مؤزارة للتجمع الديموقراطي النقابي للأطباء، وكان متابعاً للنشاطات السياسية والنقابية، وشارك في تأسيس اتحاد الشيوعيين الأردنيين آملاً أن يشكل هذا الاتحاد تجربة جديدة تُخرج الرفاق من المأزق الذي جروا إليه، رغم معرفته بأن هذا الأمل كان ضئيلاً، وقد صدق، كما ساهم في لجان دعم المقاومة العربية في كل مكان.

لقد ظل أبو خليل حتى آخر لحظات حياته وفياً لمبادئه، لم يحد عنها قيد أنملة، ولم يفقد بوصلته أبداً، على الرغم من أن الكثيرين تخاذلوا وانحرفوا وأغرتهم أمور الدنيا فتنكروا لمبادئهم وانقلبوا من النقيض إلى النقيض، كما أنه ظل إنساناً بسيطاً متواضعاً مترفعاً عن الحقد والضغينة.

وإن من الأشياء الواجب ذكرها في شخصية الدكتور يعقوب زيادين أنه لم يكن إقليمياً ولا شوفينياً، بل كان أممياً حقيقياً، ظل مخلصاً على الدوام للقضية الفلسطينية ومدافعاً عنها، كما ظل محباً لوطنه الأردن ومخلصاً لقضايا شعبه وللإنسان العربي، بل وللإنسانية جمعاء، مسكونٌ بالهم العام، حزينٌ على ما آلت إليه الأوضاع في الوطن العربي.

في آخر لقاء لي معه قبل وفاته بأيام تحدثنا عن العدوان السعودي البربري الهمجي على اليمن، الذي أدانه بأقسى الألفاظ، مبدياً ثقتة بنصر الشعب اليمني المناضل، ومتأكداً من الهزيمة النكراء للمعتدين.

لقد كان واثقاً دائماً بالمستقبل وبنضال الشعوب، وكان صادقاً مع نفسه ومع الآخرين، مبدئيّ إلى أقصى الحدود، وواضحٌ لحد الشفافية، لم يداهن عندما انتقد الدخول العراقي إلى الكويت، فتحمّل أقذع الأوصاف ممن بات معظمهم يدرك رجاحة عقله وصواب موقفه من تلك الواقعة.

ظل الدكتور يعقوب على الدوام شيوعيّاً حتى النخاع مؤمناً بالاشتراكية، رغم انهيار الاتحاد السوفياتي، فقد رأى ببصيرته الثاقبة أن فشل التجربة السوفياتية لا يعني نهاية النظرية الماركسية اللينينية، فالعدالة الاجتماعية حسب رأيه لا تتحقق إلا من خلال الاشتراكية العلمية.

نعم، لقد غادرنا الدكتور يعقوب زيادين في أحلك الظروف دون أن يرى أحلامه تتحقق، بل ها هي الفوضى تعم والدمار ينتشر في الدول المحيطة بنا من المحيط إلى الخليج، رحل بعد أن غرس فينا الأمل -مع رفاقه من الرعيل الأول- بولادة فجر جدبد لا مكان فيه للرجعية وأعداء الشعوب، وبعد أن علّم جيلاً بعد جيل عبادة الوطن ومعنى الحرية ودروب النضال بلا كلل أو تلكؤ، لقد رحل بهدوء بعد حياة لم يكن فيها مكانٌ للهدوء.

يا رفيقنا الغالي، لقد فجعنا بالرحيل، لأننا لم نعتد على غيابك، فأنت الحاضر دائماً، بعد أن تعوّدنا عليك تعيش بيننا رفيقاً مناضلاً وقائداً شيوعياً وزعيماً بارزاً من زعماء الحركة الوطنية الأردنية الفلسطينية، تعيش معنا بمثلك ودروسك الكفاحية، وتعيش لنا مدافعاً عن حقوقنا معلماً وهادياً.

أصبحنا ندرك أنك صرت تعيش فينا أيضاً، إذ أصبحنا جزءاً منك ومن معاركك النضالية، على صعيد الكفاح الوطني والحزبي، تماماَ كما كنّا نعيش فيك إذ كنّا جزءاً من همومك أيضاً.

في آخر حديث لي معك شكوتَ لي جسدك النحيل الذي ما عاد يقوى على حمل همومك ومتاعبك وهمتك النضالية العالية؛ أيها السنديانة الأردنية الباسقة الضاربة في جذور هذا الوطن، لم أدرك وقتها أنك كنت تلملم أوراقك لتكتب الفصل الأخير.

يا رفيق الدرب، أيها المعلم والرمز؛ كن مطمئناً قرير العين، فراية النضال التي رفعتها عالياً لن تنزل أبداً، ومن له هذا التاريخ قطعاً لم يمت، ومن يعيش في ذاكرة ووجدان الشعب.. أبداً لا يموت.

شارك: Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterPin on PinterestShare on StumbleUponShare on TumblrShare on LinkedInPrint this page