رياح الجهات الأربع

الكاتب: محمد العملة

03-09-2016

"إذا تشاجر كلبان على غنيمة، فإنها تكون من نصيب الذئب الذي يأتي على نباحهما". قد يلخص المثل السابق رؤية دمشق للصراع الدائر في "جرابلس" شمال سوريا بين تشكيلة التحالفات الكرديّة أو ما يسمى "قوات سوريا الديمقراطية" من جهة، وعدوها التاريخي القابع في أنقرة مع ما يسمى "الجيش الحر" من جهة أخرى.
أربع جبهات

أطراف عديدة بعيدة عن معركة الكرد والتّرك لعل أبرزها الجيش العربي السوري، لكن الأحداث الدائرة على الأرض يتردد صداها في زوايا القاعة التي يجتمع فيها الأمريكيون والرّوس في جنيف. وزير الخارجية الأمريكي جون كيري قال خلال المؤتمر الصحفي الذي جمعه مع نظيره الروسي سيرجي لافروف قبل بضعة أيام أن “وحدة سوريا” مهمة؛ لكن تصريحات الأمريكان ليست صادقة أبداً وتحديداً ما تعلق بالحفاظ على الجغرافيا السورية، فالمراد منها فقط كبح لجام الأكراد وإفهامهم بشكل ضمني أن مطامعهم لا يجب أن تتخطى الدور المرسوم لهم، وأن أمريكا لا تلتفت -عمليّاً- للمشروع الكردي في الوقت الراهن، مع أنها هي التي ساندت ما يسمى بـ “قوات سوريا الديمقراطية الكردية” بإرسال وحدات خاصة ساعدتها خلال عملية الاستيلاء على “منبج” من داعش، لكنها انقلبت عليها بعد فترة وجيزة، إذ أنّ الأكراد -بوصفهم ميليشيات مسلحة- لا يعوّل عليهم إذا ما قورنوا بدولة إقليمية -عضو في حلف الناتو- كتركيا مثلاً.

 يضاف إلى ذلك تصاعد الاحتجاجات والمخاوف التركية لدى الإدارة الأمريكية بسبب تقدم الأكراد نحو الحدود التركية؛ لذلك كان على أمريكا أن تلقي بالفتات لحليفها العثماني أردوغان ليظهر بصورة اللاعب المحوري في سوريا. جيش تركيا عضو في حلف الناتو الذي تتزعمه الولايات المتحدة، ولم يكن ليدخل في عمق الأراضي السورية دون مباركة أمريكية، وهذا ما كان.

أمريكا تلعب فعليّاً على احتمالين، الأول رهان زمني لنجاح مشروعها الذي بدأته في سوريا منذ أول أيام الأزمة والمراوغة لتحقيق ما يمكن تحقيقه من مكاسب سياسية خلال اللقاءات مع الرّوس، والاحتمال الثاني إطالة أمد الحرب قدر الإمكان عبر إعطاء ضمانات لمعظم الأطراف المرتبطة بها “حكومات” وميليشيات، وبالتالي استمرار كل الأطراف في القتال وعلى جبهات مختلفة لحين قدوم الإدارة الأمريكية الجديدة بعد الانتخابات الرئاسية المزمع إقامتها في الأيام المقبلة.

 يمكننا إذن الوصول لفهم منطقي للعملية العسكرية التّركية في الشّمال السوري، والتي أُطلِق عليها اسم “درع الفرات”، بالاستناد على المعطيات السابقة، يضاف إليها:

  1. أردوغان العثماني بدأ حملته العسكرية بعد تلقّي الضوء الأخضر من سيّده الأمريكي، تحديداً خلال الزيارة التي قام بها نائب الرئيس الأمريكي “جو بايدن” لتركيا.
  2. إعادة الاستيلاء على “منبج” التي يسيطر الأكراد على ريفها، ومنها يطمحون للتوجه نحو منطقتي “الباب” و”الراعي” بهدف السيطرة على الحزام الممتد حتى “عفرين” في ريف حلب الشمالي، وإن تم ذلك ستصبح كامل الحدود السورية مع تركيا بيد الأكراد، وهذا يشكل خطراً إضافيا على تركيا خصوصاً من جهة “وحدات الحماية الكردية” التي يقودها عبد الله أوجلان.
  3. الدخول التركي إلى “جرابلس” أجبر الأكراد على التراجع نحو شرق الفرات، وبالتالي إفشال تقدمهم نحو منطقة “الباب” التي ذكرناها في النقطة السابقة.
  4. المحور الثاني الذي تقدم الأتراك فيه بدأ من منطقة “تل الأبيض” بمعاونة “جيش لحد (النسخة السوريّة)” أو ما يسمى بـ “الجيش الحر” لعزل الأكراد في “عين العرب” عن الحزام الذي يمتدون فيه أقصى الشمال الشرقي لسوريا في “القامشلي” و”الحسكة”.
  5. عزل الحزام الممتد في “القامشلي” و”الحسكة” قد يتطلب من الأتراك القيام بهجوم على محور ثالث في نقطة التقاء الحدود السورية/التركية/العراقية لعزل الأكراد في سوريا عن حليفهم الكردي الصهيوني مسعود البرزاني في العراق.

الهدف المعلن للأتراك هو القضاء على “وحدات الحماية الكردية”، لكن ملاحظة التحركات التركية قد تحمل معنى آخر يتمثل في إحداث خروقات في الحزام الكردي الممتد على طول الحدود السورية/التركية، وإحلال قوات ما يسمى بـ “الجيش الحر” فيها، وبالتالي استمرار بقاء الحدود مفتوحة لاستمرار تدفق الدعم اللوجستي والعسكري الذي تقدّمه تركيا لكل عصابات القتل والتّكفير في سوريا.

الجهات الأربع

الخريطة السابقة لتموضع القوات المختلفة تشير إلى أن الجيش العربي السوري يفصله داعش و “فتح الشام” -جبهة النصرة سابقا- عن المعركة الدائرة بين الأكراد والأتراك، وهو سبب عدم التواجد البرّي للجيش في شمال حلب وريفها، لكن الأمر مختلف في ريف حلب الجنوبي الذي يخوض الجيش العربي السوري فيه حرباً منذ أكثر من شهرين مع إرهابيي “فتح الشام”. الأيام الماضية حملت أخباراً عن معارك ضارية أسفرت عن سيطرة الجيش العربي السوري على منطقة “تلّة أم القرع” على الطريق الواصل بين “الراموسة” و”خان طومان” لقطع الإمدادات عن إرهابيي “فتح الشّام” في ريف حلب الجنوبي. المعركة تواصلت في محيط “الكليّات” ومشروع الـ “1070”، حيث تقدم الجيش هناك لبسط سيطرته على منطقة مكشوفة نسبياً لإرهابيي الجولاني، لكنها محمية بغطاء جوي من سلاح الجو في الجيش العربي السوري.

هذا التقدم دفع الكتائب الموالية للجولاني إلى فتح جبهة في ريف حماة الشمالي تحت مسمى (حمم الغضب لنصرة حلب)، يتضح من اسمها أنها موجهة لتشتيت تمركز قوات الجيش العربي السوري في جبهة جنوب حلب، نجح فيها إرهابيو “أحرار الشّام”، “جند الأقصى” و “أجناد الشام” في السيطرة على بضعة قرى في محيط بلدة “حلفايا”، وفشلوا في السيطرة على نقاط عسكرية للجيش العربي السوري في محيط بلدة “معان”. الأمر لم يتوقف عند ريف حماة فقط، فالجيش العربي السوري تصدى لمحاولة فاشلة على “حي الوعر” في ريف حمص قادته نفس الكتائب، مما يفسر أهمية المعركة التي يخوضها الجيش في جنوب حلب.

في الجبهة الجنوبية ما زال خروج الإرهابيين من “داريا” -بوساطة روسيّة- بعد حصار الأعوام الأربعة يمثل الحدث الأبرز في الأيام الماضية، فتحرير هذه المنطقة المركزية من براثن الإرهاب يشكل حلقة مهمة في تأمين محيط دمشق، والرّوس يضغطون باتجاه حل مماثل في الغوطتين الشرقية والغربية، تحديداً في “دوما” و “معضميّة الشام” على التوالي.

يمكن القول أنَّ الغوطتين باتتا مفصولتين عن محيطهما وتحت سيطرة الجيش العربي السوري، إذ يعاني فيهما “جيش الإسلام” من حصار خانق وانشقاقات عديدة، لكن الوضع مختلف قليلاً في “جوبر” التي شن فيها إرهابيو “فيلق الرحمن” هجوماً تحت مسمى (ولا تهِنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين) نصرة لداريّا!

في الجنوب أيضاً، وتحديداً في ريف درعا، أعلن واحد وعشرون فصيلاً انضمامهم لما يسمى “الجيش الحر” تحت مسمى “قوّات شباب السّنة” لمحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه من مشاريع أفشلها الجيش العربي السوري وحلفاؤه في المقاومة.

بالعودة إلى الجبهة الشمالية، قد تؤرخ المعارك الدائرة في حلب لنهاية الأزمة في الجمهورية العربية السورية. صحيحٌ أن كل هذه الميليشيات الإرهابية ومعهم الأتراك وقوات التحالف الأمريكي يتقاتلون فيما بينهم، لكن عدوهم الأوحد يبقى الجيش العربي السوري الذي يقاتل على أكثر من جبهة منذ أكثر من خمس سنوات.

عين الجيش العربي السوري الآن على حلب، وحسم المعركة يشكل أماناً وإفشالاً لمشروع تقسيم الأرض السورية أو تحويلها إلى فيدرالية، فما يحققه الجيش على الأرض ينعكس على ميدان السياسة، وأمريكا ومن ورائَها كلٌّ يلعب على مشروعه الخاص.. دعوا الكلاب تتقاتل إذن!!

شارك: Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterPin on PinterestShare on StumbleUponShare on TumblrShare on LinkedInPrint this page