خِباءُ العرب | الدين والمِلّة

الكاتب: محمد العملة

04-07-2016

تحدثت في الجزأيْن السابقين عن الكهانة وضروبها عند العرب والرابط بينها وبين عنوان المقالة، ووصلنا فيهما -خلال مجموعة أفكار تناولت مواضيع المخلّص والوحي وراية الوحدة والمنطق الوحدوي الذي خاطب به نبي العرب قومه- إلى نتيجة أن النبي أراد توحيد القوم وإقامة عرف جامع لهم، من خلال دعوته التي نادى بها إلى نبذ الشرك والدعوة لإله واحد بهدف كسر كل فكرة وثنية، لأنها (أي الوثنية) الباب الذي نفَذَ السلوك القبلي من خلاله والذي أبقى القبائل متفرّقة، وأنهيتُ الجزء الثاني بسؤالين هما: لماذا فهم الناس أن الأمر له علاقة بالملل؟ ولماذا عادوا إلى سلوكهم القبليّ الأول يقتلُ بعضهم بعضاً؟
خباء العرب - الجزء الثالث

أحاول في الجزء الثالث تقديم إجابة للسؤالين تنطلق من فكرة الفروق بين المِلَّة والدّين، وأعني بدايةً الفرق في المعنى اللغوي لكلا المدلولين، إضافة للفرق الذي يتكشف ضمنياً في سياق الأحداث المؤرَّخ لها في تلك الفترة.

القانون والعقيدة

الدين في اللغة هو القانون، وسأقتبس معناه من مقالة النزعة العلمانية في الإسلام للرفيق نور شبيطة، إذ يقول: ”’ الدين لغةً من دان يُدين ومنه الدَّين، وكل ما في هذا الجذر يدور في معاني (المُلك، الجزاء، العادة، القرض) أي كلُّ ما له علينا سلطانٌ، ندين له، وندين به، ونُدان من جهته، ومنها في القرآن (…كذلك كِدْنَا لِيُوسُفَ، مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ …) 76 يوسف، وهذه الآية بالتحديد توضح أن “دين الملك” تعني تحت جناح الملك وحكمه، وحتى من خالف هذا المعنى قال أنه نظام العقوبات في تلك الدولة، أي أن المعنى يدور في نفس الفلك، وهذا يمتدّ لسائر الألسنة العربية واللغات التي تعدّ أخوات اللغة العربية فكل المعاني التي تتولد منها تدور في فلك المعنى ذاته.

أما انسحاب كلمة الدين ليشمل شقّ العقائد، وهذا المعنى مولّدٌ وليس أصيلاً في اللغة، فيمكن تصوّر عدة أسباب له، منها أن العقائد لها هذا السلطان على النفس فهي دين، وأنها تفرض عادات على الفرد والمجتمع فهي دين، وأنها تنظم حياتهم بطريقة ما ولذلك تعدّ ديناً أيضاً، ذلك عدا عن فكرة الثواب والعقاب في العقائد، والثواب والعقاب هما دين من حيث أنهما جزاء، هذا كله وغيره كاف لفهم كيف باتت العقيدة تسمّى ديناً ”’.

أما المِلَّة فهي ذلك المعنى المنسحب على العقائد ونحوها مما اقتبسته في الفقرة الأخيرة، والذي صار بمعنى الدّين. فالمسلم ملّةً هو الذي يؤمن برسالة النبي العربي محمد بن عبد الله ويمارس العبادات التي تقوم بها الجماعة المسماة “المسلمين”، والنقطة المهمة أن الملّة تعبر عن علاقة فردية بين معتنقها وبين ربّه “مفهوم يتعلق بالفرد”.

الدين كمدلول يخاطب الجماعة ويعني القانون الرابط لها، المعبّر عن أعرافها وسمتِها، الممثل لسلطانها السياسي بصرف النظر عن ملّة كل فرد من أفرادها، والتماهي في المعنى بين الدين والملّة مردّه أن معظم أفراد الجماعة التي أقامت “قانون أو دين الإسلام” كانت تدين بملّة الإسلام. وليكون الكلام أكثر وضوحاً، لننظر في النص التالي المأخوذ من وثيقة المدينة “صحيفة يثرب” التي أرساها النبي العربي محمد بن عبد الله بين كل الأطراف القاطنة في يثرب، من مهاجرين وأنصار -وهم مسلمون ملّةً- وبين بطون أخرى اعتنقت ملّة اليهود.

تقول الصحيفة: “وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم مواليهم وأنفسهم إلا من ظلم وأثم، فإنه لا يوتغُ إلا نفسه وأهل بيته. وإنّ ليهود بني النجار مثل ما ليهود بني عوف، وإنّ ليهود بني الحارث مثل ما ليهود بني عوف، وإنّ ليهود بني ساعدة مثل ما ليهود بن عوف، وإنّ ليهود بني جشم مثل ما ليهود بني عوف، وإنّ ليهود بني الأوس مثل ما ليهود بني عوف،وإنّ ليهود بني ثعلبة مثل ما ليهود بني عوف، إلا من ظلَم وأثِم فإنه لا يوتِغُ إلاّ نفسه وأهلَ بيته. وإن جفنة بطن من ثعلبة كأنفسهم. وإنّ لبني الشُطَيبة مثل ما ليهود بني عوف… إلخ.”

النص السابق يشير إلى أن اليهود بمجمل فروعهم أمة مع المؤمنين، لكن معنيي “المؤمن” و “الكافر” تعرّضا للالتباس والخلط كحال مدلولَيْ “الدين والملّة” بحيث يؤخذان بمفهوم فردي ضيق لا يصل لإطار الجماعة.

في كتابه “تأسيس الإسلام” يطرح ألفريد بريمار مثالاً لوثيقة، حيث يرد ذكر المؤمنين في سياقات عديدة، ويدل معنى المصداق خلال نص الصحيفة على جماعة يركن بعضها إلى بعض أو يأتمن بعضها بعضاً أو يحرصون على أمن بعضهم البعض.

بالتالي، الكلمة المفسرة لا تدل على معنى ضيق، بل إن فهمها في معنى ديني يجب ألا يكون محصوراً بنطاق فردي يتعلّق بالملّة، أي أن يوضع المعنى في سياقه ليفهم على أن الله -كإطار للوحدة والتوحيد- هو الضامن لسلامة هذه الجماعة المسماة بالمؤمنين.

أما المعنى المتعلق “بالكافر” الوارد مرتين ضمن سياق صحيفة يثرب، فيقصد به أولئك الذين لم يدخلوا في هذا الحلف، وبالتالي هم مستبعدون منه وغير مشمولين بضمان الأمان المنصوص فيه.

ما يتبقى أن أشير إليه أن المعنى هنا لا ينسحب على جماعة عرقية أو قبلية، والدليل إشارة النبي إلى أن المؤمنين هم جماعة أو “أمة من دون الناس”، وهذا المعنى مدون في مطلع الصحيفة ومشروح في سياقها، والمقصود بها هم المهاجرون من القرشيين وآخرون من أبناء القبائل الأخرى “الأنصار” والذين ذكرهم النبي قبيلةً قبيلة، وجماعةً جماعة بوصفهم مؤمنين بما فيهم يهود يثرب من بني قيس وبني ساعدة وبني النجار وغيرهم.

الوثيقة سياسية وسياقها واضح لا لبس فيه، وهي رد بليغ على أقوال بعض المفسرين ممن يخرجون الكلام عن سياقه الحقيقي وظرفه التاريخي ليعمموه على كل حالة وكل حديث. في السياق القرآني تطالعنا الآية القائلة: “يا أيها الذين آمَنوا، آمِنوا بالله ورسوله”، والخطاب موجه للجماعة هنا، وفيها يأتيهم الأمر بأن يكونوا مؤمنين على ملّة واحدة بعد أن كانوا مؤمنين بدين أو قانون واحد يركنون فيه إلى بعضهم البعض فيعظمون الرابط بينهم ويزدادون به منعة وقوة.

الإسلام خباءً

لم يكن الإسلام فعلياً هو المحاولة الأولى لجمع العرب، فرابطة الحمس -المذكورة في الجزء الأول– التي أقامتها قريش، جنحت نحو توحيد بطون عربية كثيرة في دين واحد، لكن عدم نجاحها نعزوه إلى أنها لم تجمع العرب كلهم، ذلك أنها لم تلتفت للمعضلة الأساس المتمثلة بالسلوك الوثني، وعليه كانت قبائل كثيرة خارج إطار الحلف ممن سمّوا بالحلّة.

الحنفاء كذلك طالبوا بالتوحيد الربوبيّ لمناكفة مظاهر كثيرة رفضوها في قبائلهم، وكانوا على استعداد للدخول في المسيحية أو اليهودية لولا أنهم بدأوا نهضة قومية بديانة تعبر عن روح العروبة، لكنهم انفصلوا نوعاً ما عن الواقع وكانوا فرادى، فأتوا بملّة بلا دين، ولم تصل بذلك أفكارهم الحنيفة -والحنف من الاستقامة- إلى قومهم. يقترح المؤرخ لولينغ فكرة أخرى، وهي أنّ الحنفاء وجدوا في النبي العربي حليفاً لهم ضد المسيحية المثلّثة في مكّة؛ أما الوثنيون فوجدوا في دعوته للعودة إلى دين إبراهيم وإسماعيل والأسباط دعوة قومية، لذلك ذهب النبي العربي لتأسيس قوّة تعضد دعوته أو “مشروعه القومي الجوهر”، وقوامها الوثنيون من قومه وعشيرته الأقربين.

رسالة نبي العرب جمعت الدين والملّة، أي أنها نظرت للمعضلة التي ذكرناها آنفا “الوثنية ممثلة بالسلوك القبليّ”، فجاءت بنص مرجعي هو القرآن ليقوم مقام القانون أو الدين مخاطباً العرب بلسانهم ومنطقهم، كما كانت الحرية عند عرب الجزيرة وانعدام الدولة والعصبيّة التي فيهم عوامل نجاح للدعوة الجديدة التي قطع النبي بها شوطاً كبيراً في القضاء على سلوك القبيلة.

قضى النبي العربي وقتاً يدعو فيه قومه إلى مثله العليا، لكن عرب الجزيرة أرادوا دليلاً ملموساً يتناسب مع بيئتهم النفعية المادية وعقلية التجار، فنبيٌّ بلا قوة في هذا الفضاء الجغرافي القاسي سيكون مصيره الفشل. تمثل النقطة السابقة جوهر العقد الاجتماعي عند ابن خلدون الذي يرى أن نجاح الدعوة في ذلك الوقت مرتبط بوجود عصبيّة أو قوة تحميها، ولذلك نظم نبي العرب قومه الأقربين في جيش للدفاع عن رسالته، وهنا تتجلى الواقعية وتشرح الفرق بين المسيحية والإسلام -وقت ظهورهما-، فالمسيحية لم تخرج عن إطار كونها عقيدة مثالية محضة لم تأتِ بدين يلتفت للواقع، لذلك انتهى إصرار عيسى المسيح فيها إلى تلك المأساة، ونشأت بعده بقرون ظاهرة التجسد، ولم تنجح رسالته في الانتشار إلا بعد أن تبنتها الإمبراطورية الرومانية، أي بعد أن حُمِلت الملّة على دين دولة قوية.

ردة عن دين أم ردة عن ملّة؟

لم نقل أنّ النبي قضى نهائياً على السلوك القبلي، فبعد وفاته مباشرة بدأت خلافات سياسية تطفو على السطح، منها:

1. خلاف السقيفة “سقيفة بني ساعدة”: وهي التي جعلت خلافة شؤون المجتمع الذي تركه النبي وراءه في قريش بعد أن طمح الأنصار إلى ذلك، فقد كانت الخلافة لابن أبي قحافة “أبو بكر الصّديق” وهو من فرع صغير في قريش “بنو تيْم”، ومن بعده لعمر بن الخطاب وهو أيضاً من فرع صغير في قريش “بنو عديّ”.

ولعلَّ هذا هو السبب الرئيسي في رضوخ القوم لكلا الرجلين وعدم خروجهم عليهما لانتمائهما إلى بطون ضعيفة لا تظهر فيها عصبيّات العشيرة وسلوك القبيلة، أي بسبب انتمائهما لفروع صغيرة مقارنة ببني هاشم أو بني مخزوم أو بني أمية بعبارة أخرى، وبالتالي دافعا لتأجيل نشوء خلاف عظيم عُرِفت أحداثه بالفتنة بين بني هاشم وأشياعهم من جهة، وبني أمية وأشياعهم من جهة أخرى بعد مقتل ابن الخطاب ومآل الأمر لعثمان بن عفان الأموي. وسأتحدث بشيء من التفصيل عن هذه المسألة في الجزء القادم من مقالتي هذه.

2. حروب الرِّدَّة: وهي المسألة المتصلة مباشرة بموضوع حديثنا، والتي فتحت الباب على الجدل بين السياسة والعقيدة، أو بين الدين والملّة، والتي ينظر إليها فقهاء اليوم على أنها رِدَّة عن العقيدة، والواقع أنها كانت رِدَّة عن دين الدولة القائمة؛ أي أنها خروج عن قانونها، فهي مسألة سياسية بامتياز، ونعود هنالأبي بكر وعمر بن الخطاب، فالأول أصر على الخروج لمحاربة المرتدين مباشرة، أما الثاني فأراد التريث ريثما يعود أسامة بن زيد من الأمر المبتعث فيه إلى الشام، وكل ذلك لا يدخل إلا في خانة السياسي، فالعقيدة أو الملة لن تقود الرجلين لتبني رأيين مختلفين بتعجيل أو تأجيل الحرب.

كانت حرب اليمامة هي الأشد في حروب الردة، وقاتل جيش المدينة فيها مسيلمة بن حبيب الحنفيّ المعروف بالكذاب، ولو أخذنا بالخلط الذي قام به المفسرون بين مفهومي الملّة والدين لقلنا بأن مسيلمة هذا كان على ملة الإسلام وصبأ بعدها، لكنه لم يكن مسلماً أساساً، بل ادّعى بأنه نبي في أيام حياة نبي العرب محمد بن عبد الله الذي لقّبه بالكذاب! رِدَّة مسيلمة حقيقةً أنه نزع إلى تأسيس سلطة جديدة في جزيرة العرب، وهو بذلك خرج عن السلطة القائمة في يثرب، أي أنه جاء بدين أو قانون جديد لينقلب على سلطة يثرب، وحيلته كانت ادّعاء النبوة والقول بأنه صاحب ملّة جديدة، فكان بذلك مرتداً عن الدين أو القانون. سيقول البعض بأن أبا بكر حارب المرتدين لامتناعهم عن أداء الزكاة، وهي من الفروض التي يقوم بها المسلم ملّة، لكن هذه النظرة السطحية لم تأخذ بالرأي الذي يرى في الامتناع عن تأدية الزكاة للخليفة أو الحاكم مظهراً لمعارضة السلطة القائمة، والتي اعتمدت في تسيير شؤون الدولة الجديدة على هذه الأموال.

الإسلام إذن كحركة تاريخية ارتبط ظهوره باستبدال العصبيات القبلية المتناحرة السائدة في جزيرة العرب بسلطة مركزية واحدة؛ وخلال تلك الفترة كان من الضمني أن يُفهَم البعد السياسي الديني ضمن البعد العقائدي، فالنبي قبل وفاته كان يمثل وظيفتين في آن معاً، وظيفة الرسول الذي جاء بملّة جديدة، ووظيفة الحاكم المؤسس لمجتمع المدينة العربي، والثانية هي التي استمرت بعد وفاته في أبي بكر وابن الخطاب حتى بدأت أحداث الفتنة خلال خلافة ابن عفان، ومعها تحولت الفِرَق والأشياع السياسيّة إلى فرق عقديّة فصار لكل منها ملّة أو نسخة إسلام جديدة، وهو ما سيكون موضوع حديثنا في الجزء القادم.

يتبع..

شارك: Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterPin on PinterestShare on StumbleUponShare on TumblrShare on LinkedInPrint this page