خِباءُ العرب | التجسّد والوثن والتوحيد

الكاتب: محمد العملة

19-02-2016

لم يكن ظهور رسالة الإسلام "مِلَّة وديناً" حدثا قطعيّا مع ما سبقه من أحداث تاريخية، وذلك يستلزم أن يكون الموروث القديم -ضمن محيط انتشار الإسلام الأول- مأخوذا بعين الاعتبار، لكننا نعلم أن هذه الرسالة –الملة والدين- تمحورت حول نقطة جوهرية هي التوحيد، أي أنها جاءت بفكرة تعارض السائد بل وتتنافى معه، فالتوحيد كفكرة مضاد للتجسّد و لمجموعة الآلهة وأنصاف الآلهة وأخبيتها المنتشرة في جزيرة العرب بما تمثله من عصبيّات قبليّة، ونحن فصّلنا ذلك في الجزء الأول لنصل لاستنتاج أن النبي العربي محمد بن عبدالله وحّد الآلهة في إله واحد لينفي عن المجتمع كل رابط مع موروث الوثن وتجسّد الآلهة.
Arab

بين النبوة والكهانة:

الوحي جزء من ميراث الكهانة عند العرب، وقد ذكرنا في الجزء الأول أن الكهانة جاءت لتسد الفقر الشعائري عند البدو، فالسحر مثلا بوصفه ممارسة كهانية عُدَّ عند البدو عِظة وحكمة، للسيطرة على القلق الناتج من ظروف الحياة وكوارثها كالقحط والجفاف والوحوش الضارية في الصحراء، فكان السحر متمما للخرافة وضروريا لتمثيل القدرة الدينية في شخص الساحر نفسه، لذلك قيل عن محمد بن عبدالله بأنه ساحر ومجنون ومفترٍ وشاعر لأن عرب الجزيرة لم يعرفوا نبيا فيهم!

أعلام العصر المتأخر للإسلام أخذوا بتفسيرات للنبوة والكهانة وإن اختلفت آراؤهم بشأنها:

  • المسعودي في مروج الذهب ينظر للكهانة كحالة من الصفاء النفسي؛ فيما يعتبرها ابن خلدون في مقدمته أنها انسلاخ للنفس من البشرية إلى الروحانية؛ لكنه لا يعتبرها كالنبوة، فالأخيرة فيها حالة من الوجد والانخطاف غير موجودة في الكهانة؛ وعلى الرغم من تعلق المعنيين بالغيبيات والماورائيات، إلا أنه لا يعتبرهما مكتسبتين بل موجودتان بشكل فطري في الكاهن أو النبي.
  • القزويني أيضا يعتبر النبوة والقيافة والفراسة والكهانة تنتمي لصنف واحد يندرج تحت نفوس علوية ملهمة مدركة لعالم العقول في مقابل نفوس كثيفة مدركة للأمور الدنيوية.
  • ابن سينا يعتقد بأن بعض النفوس تمتلك قدرة تجاوز أبدانها قادرة على جذب الفيض الالهي من رؤى ومعجزات وسحر وغيرها. وهو يرى أن المرتبة الأولى للنبوة ثم للكهانة والعرافة، ولا يرى في السحر إلا قيمة نظرية بوصفه نوعا من العلوم.
  • الغزالي يذهب مذهب ابن سينا في تفسير الأمر نفسيا ويرد على من يقول باتصال الحوادث الأرضية مع السماوية بواسطة أو بدون واسطة.
  • ابن رشد يقف على مسافة بين العقل و الماوراء “الميتافيزيقيا”؛ فهو يرى النبوة والكهانة والحلم طبيعة لشيء واقعي واحد يصفه بأنه إدراك لطبيعة العلل.
  • ابن ميمون وهو تلميذ ابن رشد، يصف في كتابه “دلالة الحائرين” النبوة بأنها اجتماع لثلاثة عناصر متكاملة تعبر عن الفيض الإلهي وهي: الملَكَة الناطقة بالتعلم؛ وكمال القوة المتخيلة بالجبلّة؛ وكمال الخُلق بتعطيل الفكرة في البدن والتسامي عن الشهوات. ويعتبر الأحلام ثمرة غير مكتملة للنبوة؛ كما أنه يرى أن الفيض العقلي إذا كان في الملَكَة الناطقة فإنه يصنع العلماء أهل النظر؛ أما إن كان الفيض في القوة المتخيلة فقط فإنها تصنع المدبرين والزاجرين وواضعي النواميس والكهّان.

التوحيد لكسر كل فكرة وثنية:

أعاد الإسلام فعليا من خلال القرآن الموروث التوحيدي الأول الذي ظهر في هذا المحيط الجغرافي الواسع، فنبوة محمد بن عبدالله واتصاله مع الله بوساطة وحي السماء تشبه إلى حد بعيد الزرادشتية التوحيدية التي تختلف عن طريقة كشف الحقيقة في البوذية مثلا ، أو مفهوم التجسّد الذي قال بألوهية المسيح في القرن الرابع الميلادي، ففي سورة الكهف يقول السياق: “وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا”، والآية هذه لم تكن موجهة للمسيحيين في المقام الأول؛ بل ما ذهب إليه بعض العرب  في كهانتهم بالقول أن الملائكة أو الآلهة الأقل شأنا تُحسَب أنها من ولد الله. سورة الكهف تتناول في أولى قصصها حكاية “فتية إفسس السبعة” الشائعة في الأدبيات السريانية القديمة والتي كتبها الأسقف اليوناني اسطفيان الإفسسي في القرن الخامس الميلادي؛ وأقدم مخطوطة باقية للقصة تعود للقرن السادس ومكتوبة بالسريانية كشهادة لمصداقية معتقد قيامة الجسد؛ لكن القرآن يوردها لنفي هذه الفكرة أي أنه يقوم بأسلمتها ليدعم فكرة التوحيد التي ينادي بها.

في جانب آخر، أثارت رسالة نبي العرب حنق يهود الجزيرة، فالسياق القرآني يجعل من هذه الرسالة متممة ومصلحة للتراث القديم الذي جاء به إبراهيم الذي لم يكن “يهوديا ولا نصرانيا”، ضاربا بعرض الحائط ما يتقوّله اليهود عن أنفسهم أنهم الشعب المختار، كما أن نبوة محمد بن عبدالله كسرت احتكار حالة الانخطاف للوحي التي كانت في أنبياء بني اسرائيل.

الحنق اليهودي يحمل نزعة عنصرية، والسياق القرآني الذي يخاطب النبي “بالأمي” أو يصفه “بنبي الأميين” موجّه أساسا لليهود. الأمية هنا لا تعني جهل القراءة والكتابة، ولو افترضنا جهل النبي بذلك، فمن غير المنطقي تعميم هذا الجهل على أمته جميعها!

النبي الأمي ببساطة هو المبعوث من غير بني اسرائيل، وهو استثناء للموروث التوحيدي وتحد له إذ ينزع صفة “الشعب المختار” عن الذين هادوا مبتعدين عن شريعة موسى، والأميّة في العبرية القديمة ترادف معنى “أمم عِلام” أي العالَمين من غير بني اسرائيل، لكن مفردة “أميّة” انزاح معناها ومدلولها عن مصاديقها مع الزمن كحال غيرها من مدلولات اللغة.

فكرة جهل النبي العربي  بالقراءة والكتابة منشؤها  تلك المرويات الحديثية -أو ما يسمونه “سنّة نبوية”- التي أضافها بعض المتحمسين ليظهروا أن القرآن كلام إلهي لم يكتبه النبي، وهي ما استغله تيّارا المرجئة والمجبرة -أيام مُلْك الأمويين- في ما بعد لدعم فكرة إلهية القرآن والقول بأنه قديم غير مخلوق بالرغم أن السياق القرآني يفصح عن نفسه بأنه “ذِكرٌ مُحْدَث” أي مخلوق، بل نجده يتحدث عن ذلك في سياق آخر يرد في سورة التكوير يقول: “إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ،  مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ، وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ، وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ ، وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ، وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ” ، فالقرآن إذن “قول رسول كريم” وهذا الرسول “ذو قوة” عند الله “ذي العرش”. وفي الموروث التوحيدي القديم يسمى الوحي بجبريل، والاسم هذا يتكون من مقطعين “جبر” و “إيل” ومعناهما في العربية على التوالي “قوة” و “الله”، أي أن “ذا القوة” هو نفسه جبريل.

الوحي والذهنية العربية:

السياق السابق الذي ذكرناه في سورة التكوير ينفي تهمة الجنون عن النبي بقوله: “وما هو بقول شيطان رجيم”، لكن ما علاقة الشيطان بالجنون؟

الجنون في الذهنية العربية لا يعني الخبال بل ينطلق من اعتقاد العرب آنذاك بأن الجِنّ سبب ذلك، فالمجنون من كان ممسوسا بالجن أو منفتحا عليهم، ورمي النبي العربي بهذه الصفة كان محاولة من معارضيه أن يجدوا تفسيرا للمصدر الذي ينطق به، لكن ذلك ارتدّ على النبي نفسه بالحط من شأنه وشتمه بما يمثله ذلك من عذاب نفسي له. وفي نفس الوقت ذهب بعض معارضيه إلى اتهامه بالإفتراء، وهي هنا تهمة متناقضة مع الجنون الذي ينطلق من فكرة أنه يتلقى وحيا من الجن ويسمع أصواتا غريبة ، لكن الافتراء يعني أنه أبدع هذا القرآن من عنده.

تنوعت ضروب الكهانة عند العرب؛ فكان استحضار أرواح الأموات أو الاستماع للصوت الصادر عن العظام والجماجم أو همهمة الأوثان أو هواتف السماء، أنواعَ كهانةٍ ليس فيها وسيط بشري؛ وما يهمنا هنا هو فكرة الوحي الذي ينطق على لسان آدمي، ولو نظرنا إلى الموروث القديم من السجع والرجز المنظوم عند العرب لوجدنا أن بناءه اللفظي يشبه البناء في القرآن المكي؛ لكن بجمل قصيرة يتغير الوزن فيها كل ثلاث إلى أربع جمل؛ منها نوع يتمايز بالحيرة بمخاطبته “وما أدراك” ويبدأ بقسم ما، للشمس والقمر والأرض .. إلخ.

لكن الرسالة التي جاء بها محمد بن عبدالله حَرَمَت الكهان من امتيازاتهم وقطعت السبيل عليهم كما حَرَمَ أفلاطون الشعراء من مدينته ونفاهم عنها، فالكهانة باب من أبواب الممارسات ذات المؤدى القبَليّ المضاد للتوحيد!

لكن ما علاقة الوحي بالنبوة؟

المرويات الحديثية تعطي تصورا عن بعثة النبي يعتمد على الرعاية الإلهية يلعب النبي دورا سلبيا فيها، فلا شيء يؤهله للنبوة سوى اختيار الله له واصطفائه ليكون وعاءاً للوحي لا أكثر، إذ ليس لأخلاقه وخصاله الحميدة المعروفة عند  قومه دور في ذلك، وقصة الوحي في غار حراء التي تذكرها المرويات الحديثية تشير إلى أن النبي كان مجبرا على تلقي الأمر بالقراءة ، وكل ذلك ينفيه السياق القرآني.

بدايةً، القرآن ينفي كل آية ” أو ما يسمونها معجزة” عن نبي العرب ، حتى بالنسبة لآيات الأولين، القرآن يذكرها على سبيل القصص التي روي عنها في السابق أنها حدثت فغدت تقليدا فمعتقَدا، والخرافة في المحيط البدوي ليست مجرد حكاية ملفقة أو تجميعا اعتباطيا لرموز ما، بل مواقف متراكمة ذات إرث تاريخي وثقافي يصف حاجات إنسانية ملحّة كالاستقرار والبحث عن الأمن في بيئة صعبة .

الخطاب القرآني يبتعد عن العناصر غير العقلانية في حياة نبي العرب وينفيها، كحوادث غار حراء والخوارق “المعجزات” والمعراج أو حتى طريقة سرد حكاية الإسراء، وهي التي استعظمها أبو بكر على ما يذكر ابن إسحاق في سيرته أو تأولات معاوية بن أبي سفيان عن خرافة المعراج في سورة النجم.

لذلك نجد القرآن يخاطب الذهنية العربية بما يمكن أن تعقله من رموز وإرث قصصي ولغة، فالجنة مثلا خضراء وارفة ذات أنهار، وهي جزاء مثالي للبدو مقابل البيئة الصحراوية الجافة القاسية التي يعيشون فيها، لكن مؤدّى فكرة البعث والجزاء بالرغم من تماشيها مع ذهنية العرب كان صادما، إذ أنها جعلت من تقوى الشخص درجة أعلى من امتيازات القبيلة والعشيرة.

العودة للموروث التوحيدي مرتبطة بنفي التجسد أيضا عن شخص النبي، والسياق القرآني يبين أن وظيفته هي التبشير والتنذير، فهو ميت كغيره من بني البشر ولا قدرة له على تعطيل سنن الله “قوانين الطبيعة”.

إنّ راية الوحدة يوم بُعِث النبي كانت بتقديم الدعوة لله وحده ونبذ ما يُشرِك به العرب من أصنام ووثن وهدم كل موروث التجسد، أي القول ضمنيا بأن الله روح الجماعة؛ لذلك أُمِر النبي بإنذار العرب من حوله “أم القرى وما حولها” بأن “أنذر عشيرتك الأقربين”. ثم أمِر بأن لا يعترض على المؤمنين من غير المسلمين ملّةً؛ فهم مؤمنون يأتمن بعضهم بعضا وإن لم يكونوا على ملّة واحدة؛ أما من عصاه، فالنبي العربي بريء منه ومن عمله، والسياق القرآني في سورة الشعراء يبين ذلك ويفصح عنه:

“فلا تَدْعُ مع اللَّهِ إِلَهًا آخرَ فتكون من الْمُعَذَّبِينَ؛ وأنذِر عشيرتكَ الأقربين؛ واخفض جناحكَ لمن اتّبَعَك من المؤمنين؛ فإن عصَوك فقل إني بريءٌ مما تعملون”.

أما لماذا فرّق الناس دينهم “عُرفهم” إلى شيعٍ وفِرق فهدموا خباءهم وعادوا إلى سيرتهم الأولى يقتل بعضهم بعضا، ولماذا فهموا أن الأمر له علاقة بالمِلَل، كل ذلك سيكون تتمة لحديث لم يكتمل بعد.

يتبع..

شارك: Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterPin on PinterestShare on StumbleUponShare on TumblrShare on LinkedInPrint this page