حرب المياه وعطش المرويّة..

الكاتب: محمد العملة

09-01-2017

يصف ياقوت الحموي - في معجم البلدان - دمشق بقوله: "دمشق الشام، بكسر أوّلها وفتح ثانيها، فيها شين معجمة وآخِرُها قاف. هي البلدة المشهورة قصبة الشام، جنة الأرض بلا خلاف لحسن عمارتها وكثرة فاكهتها ومياهها .. قيل سميت بذلك لأنهم دمشَقوا (أسرعوا) في بنائها "، لكن الدكتور الدكتور أحمد داوود في مؤلفه "تاريخ سوريا الحضاري القديم" يرى أن دمشق سميت باسمها نسبة للفظها القديم باللهجة السريانيّة "دي مشقي" ويعني المسقيّة أو المرويّة، لكثرة أعين الماء الجارية فيها.
%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b1%d9%88%d9%8a%d8%a9-%d8%b9%d9%85%d9%84%d8%a9-1

على كل حال، لسنا في نزاع حول سبب التسمية، لأن المتفق عليه أنها موصوفة بوفرة مياهها العذبة،  ولهذا  السبب أثره في أن تكون دمشق أقدم حواضر العالم ومدنه منذ الألف التاسع قبل الميلاد حتى يومنا هذا بثقلها “الجيوسياسي”؛ فمنذ بداية الأزمة في الجمهورية العربية السورية، بدا جليّا أن القوى التي تريد تدمير الدولة تطمح للظفر بالمدن الكبرى، كحلب ودمشق، لكن مؤخرا تحررت حلب وقبلها فشلت عاصفة الجنوب في السيطرة على دمشق، وبالتالي أسقِط ضمنيا مشروع تقسيم الدولة السورية ومعه هدف إسقاط النظام.

إفشال الأهداف الرئيسة لا يعني نهاية الأزمة بشكل فعلي، فالإرهاب ما زال حاضرا في ثنايا المشهد الماثل أمامنا، والقوى الإقليمية المعادية لسوريا مستمرة في تنفيذ مخططات أخرى هنا وهناك، لكن الأمر منوط بنتائج أو مؤدى المخططات نفسها، وهو ما يطرح مجموعة تساؤلات: لماذا سوريا؟ وما الذي تعنيه السيطرة عليها؟ وأين يلتقي الإرهاب مع مطامع أعداء سوريا؟

الجواب البديهي ينطلق من حزمة أسباب وجيهة منها:

  1. طبيعة النظام السياسي القائم فيها وثقله في معادلة الصراع مع العدو الصهيوني، برفض التطبيع ودعم المقاومة لوجستيا وعسكريا.
  2. موقع سوريا الجغرافي.
  3. ثقلها السياسي بوصفها الدولة المركزيّة في بلاد الشام.
  4. حرب الطاقة والنفط.
  5. هدم الأمن الغذائي وتدمير بنك الحبوب الأصيلة غير المعدلة وراثيا، وبالتالي تدمير قطاع زراعي يحقق الاكتفاء الذاتي.
  6. حرب المياه التي كشفت عن وجهها منذ الأيام الأولى للأزمة عبر قوى إقليمية أبرزها تركيا والكيان الصهيوني.

مشاريع إقليمية ومطامع قديمة

تركيا بدأت منذ فترة طويلة بإقامة تجمعات سدود صناعية لتخزين احتياطات مائية مهمة عبر مشروع “شرق الأناضول” أو “مشروع GAP” القائم على اثنين وعشرين سدّا مائيا  -صناعيا وطبيعيا- تهدد سوريا و العراق بكارثة مائية؛ إذ تقول التقديرات أن هذا المشروع سيخفّض منسوب المياه بنسبة  تقارب 20% من نهر دجلة وما يقارب 50% من نهر الفرات.

%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b1%d9%88%d9%8a%d8%a9-%d8%b9%d9%85%d9%84%d8%a9-2

سد أتاتورك أيضا المبني على منابع الفرات في تركيا يحبس المياه عن مجرى النهر، ومنذ أربعة أعوام انخفض منسوب المياه في بحيرة الأسد السّورية حوالي 6 أمتار مؤديا لجفاف الأراضي الزراعية المحيطة بالبحيرة. يضاف للمشروعين السابقين، سد “أورفة” الذي وضعت أساساته عام 2014 بتمويل من الكيان الصهيوني.

الكيان الصهيوني في الجنوب له مطامعه  في السيطرة على منابع الأنهار في بلاد الشام  -حتى قبل احتلال فلسطين- بوصفها هدفا استراتيجيا لقيامه وبقاء استمراره.

هدفٌ تحدث عنه  حاييم وايزمان عام 1919 بقوله:”إن مستقبل فلسطين الاقتصادي في مواردها المائية، وأن مواردها المائية تستمد من منحدرات جبل الشيخ، ومن نهرَي الأردن والليطاني؛ لذلك نرى أنه من الضروري ضم منابع نهر الأردن ونهر الليطاني الى حدود فلسطين”.

نهر الأردن يستقبل نحو نصف مياهه من نهر اليرموك الذي ينبع في سوريا، وما لم يسرقه الصهاينة باتفاقيات مثل “وادي عربة”، سيحاولون أخذه بالحرب!

الإرهاب وسياسة العطش والتدمير

الأهداف الإقليمية القذرة تتماهى مع الإرهاب المنتشر في سوريا منذ بداية ثورتها المزعومة، ومع انتشار التكفيريين شرقا في العراق، بدا واضحا أن السيطرة على السدود ومنابع المياه تشكل وسيلة ضغط في الحرب الدائرة.

قبل نحو ثلاثة أعوام أقدمت داعش على إغلاق سد النعيمية قرب الفلّوجة، متسببة بغرق الأراضي المحيطة به ومانعة المياه عن محافظات جنوب العراق بهدف تعطيش العراقيين وابتزازهم، ونفس الأمر تكرر في سد الرمادي.

يشبه ذلك ما قامت به “فتح الشام” -النصرة سابقا- عندما منعت المياه عن أهل حلب لمدة تربو على العامين قبل أن تتحرر المدينة في الأيام القليلة الماضية بعزيمة الجيش العربي السوري.

معركة حلب تمخضت عن اتفاق مبدئي لوقف إطلاق النار استثني منه داعش وفتح الشام التي تسيطر على نبع الفيجة في وادي بردى، قرب دمشق. هذه الجماعة الإرهابية فجرت الخط الرئيسي لمياه النبع الذي يغذي دمشق بالماء لابتزاز الدولة السورية بين منع المياه عن أهل  دمشق أو القبول بضمها لاتفاق وقف إطلاق النار وبالتالي حصولها على هدنة لترتيب صفوفها.. هدنة فشلت مع استئناف الجيش العربي السوري قصفه مواقعها  بعد أن مُنِعت فرق الصيانة من دخول النبع لإصلاح  الضرر اللاحق بخط الإمداد الرئيسي فيه.

بمعزل عن الهراء الذي تلوكه معظم وسائل الإعلام، فإن عملية الجيش العربي السوري العسكرية  لاستعادة وادي بردى تعني القضاء على ابتزاز يريد النيل من هيبة الدولة وإعطاش ساكني عاصمتها المسقيّة، فاستعادة ماء النبع تعني أن هناك جيشا يحفظ ماء الوجه.

شارك: Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterPin on PinterestShare on StumbleUponShare on TumblrShare on LinkedInPrint this page