ثورات 1848 | بين ربيع السُلطات وخريف الشعوب

الكاتب: يزن حداد

03-09-2016

هل كان "الربيع العربي" مجرد نسخةٍ خاصة بنا من الربيع الأوروبي؟ ربما كان كذلك، فوجه الشبه كبير بين الحالتين، الفوضى العارمة وانتكاسة الحركات الشعبية عقب انتفاضتها هي السمات الأكثر بروزاً في التاريخين الأوروبي القديم والعربي الحديث؛ لكن مع فارق كبير في النتائج المدمّرة على أرض الواقع، بفعل شبكة متكاملة من العوامل الداخلية والخارجية، التي كان مآلها إفراز عصابات إرهابية دموية تقتات على الجزء المظلم من تاريخنا وتعيد إنتاجه.
ثورات 1948

عاصفةٌ عنيفة تجتاح المدن الأوروبية: باريس، ميلان، نابولي، باليرمو، فيينا، بودابيست، صقلية، برلين، براغ، وكراكوف. سمّاها البعض ربيع الشعوب، لكنها جفّت بسرعةٍ قياسية لتستحيل خريفاً آخر عليهم. تحركت جماهير الطبقة العاملة وبعض فئات البرجوازية الصغرى مدفوعةً بالهمِّ الطبقي الذي أثقل كاهلها وأنهك فقراءها. فقد كانت فترة ما بعد الثورة الفرنسية عام 1789 مليئة بالتقلبات والمفاجآت غير التقليدية، ومع انتهاء معركة واترلو عام 1815، التي تعدّ فاصلةً في التاريخ الأوروبي، اتسمت الفترة التي تلتها بالركود السياسي وقساوة الظروف الاقتصادية والاجتماعية، فجاءت ثورات عام 1848 من رحم هذه الظروف وكأنها ردٌ عنيف عليها.

قراءة طبقية

يبدأ ماركس حديثه في كتاب “النضال الطبقي في فرنسا 1848-1850” بتحليلٍ طبقي للتركيبة الاجتماعية في فرنسا تحديداً وأوروبا عامةً، في الوقت الذي اندلعت فيه موجة الاحتجاجات الكبيرة. فهو يدرك جيداً أن المحتوى الطبقي لثورات أوروبا كان يتشكّل بالدرجة الأولى من الطبقة العاملة، ومن متضرري البرجوازية الصغرى ثانياً، على الرغم من أن الثورة التي رفع فيها الفقراء الرايات ثلاثية الألوان، رمزاً للحرية والثورة والمساواة -والتي كانت تقليداً مستوحى من الثورة الفرنسية الأولى- آلت في نهاية الأمر إلى أن أنتجت ثورةً مضادة على الثورة، بعد أن استعادت الأنظمة المستهدفة عافيتها من هول “الصدمة” التي ولّدتها انتفاضة الشعوب.

يقول ماركس: “في عهد لويس فيليب، لم تحكم البرجوازية الفرنسية، بل فئة واحدة منها فقط –المصرفيون، وملوك البورصة والسكك الحديدية، وأصحاب مناجم الفحم الحجري ومناجم الحديد والغابات، والقسم المنضم إليها من أصحاب الملكية العقارية الكبيرة- أي ما يسمى بالأرستقراطية المالية. فقد اعتلت هذه الفئة العرش وأملت القوانين في المجلسين، ووزعت المراكز الرابحة في الدولة، ابتداءً من المناصب الوزارية وانتهاءً بدكاكين الدخان الحكومية”.

عانت فرنسا من ويلات الحروب التي كسرت ظهر الثورة، منذ أن أقر المؤتمر الوطني إعدام الملك لويس السادس عشر عام 1793 بتهمة التآمر ضد الثورة وحتى انتهاء الحقبة النابليونية الأولى عام 1815، حيث قامت أوروبا بتسخير جيوشها كافة لمقارعة الثورة الوليدة حفاظاً على الأنظمة القديمة من التفكك، وتخلل تلك الفترة التي أعقبتها مجموعة من الانتفاضات الخاطفة التي لم تدم طويلاً، لدرجة أن البعض عدّها مجرد زوبعة في فنجان.

من ذلك مثلاً انتفاضات أعوام 1820، 1829، و1832؛ مع الأخذ بعين الاعتبار أنها كانت في مجملها حراكات جماهيرية ضيقة النطاق ومتباعدة نسبياً، كما أنها واجهت قمعاً واحتواءً سريعين، لكن الأهم من ذلك أنها كانت إرهاصات ضرورية لحركة جماهيرية واسعة مقبلة على أوروبا الفتية.

ولئن كانت الثورة الصناعية في العالم الحديث تسير بخطى واسعة على حساب العمّال في طريقٍ عنوانه جنون هامش الربح، إلى جانب أزمات الكساد في المحاصيل التي ضربت معظم البلدان مراراً نتيجة وضع الثقل الاقتصادي في الصناعات الضخمة والصناعات الحربية، فإن رصيد الغضب الجماهيري كان يرتفع باضطراد موازٍ لكل ذلك، خاصة في ضوء تقهقر الحراكات الشعبية الناشئة خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر، والتي برزت على أرضية الحس القومي الذي أنتجته ممارسات الحكومات في تلك الحقبة.

استنتج ماركس أخيراً من خبرة سنوات الثورة، تحديداً عندما قام نابليون الثالث بالانقلاب على ثورة عام 1848 الفرنسية التي أطاحت بحكم أسرة البوربون، لينصّب نفسه إمبراطوراً عام 1852 (وهو قد وصل بالمناسبة إلى رئاسة فرنسا عن طريق الانتخاب)، أنَّ على الطبقة العاملة تحطيم آلة الدولة بدلاً من إتقان صنعها. فالدولة كما بيّن التاريخ لماركس وإنغلز ليست أكثر من أداة للهيمنة الطبقية تستثمرها البرجوازية، وهنا كان مكمن الخطأ الذي سقطت فيه القوى الثورية في فرنسا وأوروبا فأعاد كبحها. فبعدما فر لويس فيليب هرباً من الجماهير، عادت السلطة مجدداً إلى يد الرجعية المحافظة في مشهدٍ وصفه ماركس بأنه محض مهزلة تاريخية.

وهو مشهد شبيه بما جرى في الدول العربية خلال السنة الأولى من الانتفاضات، حين خاضت الجماهير الكادحة معركة الديمقراطية وفق شروط الطبقة الحاكمة، فعملت على تعزيز أجهزة الدولة بدلاً من الاستيلاء عليها وتمكين الطبقة العاملة منها. فعاد التوازن لصالح برجوازيات الأطراف بنفس السرعة التي فقدته فيها.

القوى العظمى في عالمين

بعد أن كانت الحرب على مشارف نهايتها، عُقد مؤتمر فيينا الذي أداره المستشار النمساوي فون ميترنيخ، بين عامي 1814 و1815 لرسم خارطة النفوذ الجديدة في أوروبا. وقد شمل المؤتمر الدول العظمى في ذلك الوقت والتي تمثلت في النمسا، بروسيا، بريطانيا، روسيا، وفرنسا التي أضيفت لاحقاً إلى الحلف المقدّس. كانت الغاية الأساسية من تشكيل هذا الحلف هو حفظ التوازن بين القوى الأكبر وزناً في تلك القارة من حيث القوة الاقتصادية والعسكرية، خاصة عقب تفكك الإمبراطورية الرومانية والسعي وراء اقتسام تركتها الضخمة. زد على ذلك رغبة المشاركين في المؤتمر بتشكيل خط دفاعٍ أمام الأفكار الثورية التي كانت فرنسا منبعها في تلك الفترة.

يمكن قياس مخرجات مؤتمر فيينا إلى حدٍ ما بعصبة الأمم المتحدة التي تشكّلت في أعقاب تفكك الإمبراطورية العثمانية التي بدأت مع نهاية الحرب العالمية الأولى عام 1918، حيث كانت القوى العظمى حينها قد وضعت الكنز العثماني نصب عينيها، رغبةً برسم خارطة جديدة للمصالح السياسية العالمية. وتوّجت هذه المساعِ الاستعمارية في اتفاقية بريتن وودز التي عُقدت على أطلال نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945، والتي تمخض عنها نظام النقد الدولي الذي نعرفه اليوم، قبل ربطه بالنفط في سبعينيات القرن نفسه.

كان وجود حلفٍ دولي يسيّر حركة البضائع ويتحكم بأسعارها في السوق، ويخطّ سياسة الحكومات التي تخضع لنفوذه المباشر أو غير المباشر، عاملاً رئيسياً في تأجيج الصراع الطبقي ونقله إلى مستويات مختلفة من الصدام مع السلطة. الصدام الذي استشعر ماركس وإنغلز قدومه في “البيان الشيوعي” الذي أبصر النور عشية ثورات عام 1848.

وليس من المستغرب أن من يضع قواعد اللعبة دائماً هو الذي يخرج منتصراً في النهاية؛ فكما كان الحلف القديم هو الابن “الشرعي” للمنتصرين في حرب أوروبا مع الجيش الفرنسي ونابليون، كان نظام الأمم المتحدة ابناً آخراً للحرب الكونية التي دفعت العالم إلى حافة الدمار. نظامٌ غايته الحيلولة دون وقوع حربٍ عالمية جديدة، فمرر جميع الحروب الأُخرى تحت غطائه بحجة “حفظ السلام” العالمي من الانهيار.

ربيعنا ليس ربيعاً

تعرضت المنطقة العربية لظروفٍ شبيهة بتلك التي واجهتها شعوب أوروبا حينها أمام جحافل البرجوازية الكبرى، بدءاً من حروب الكيان الصهيوني إلى اعتداءات الإمبريالية وبطشها الذي لم يتوقف منذ تجربة عبد الناصر وما تلاها من نجاحات وإخفاقات. فمن العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 لضرب التجربة الناصرية في مهدها، إلى إعلان وقف العمل بالدستور في الأردن عام 1957 تماشياً مع سياسات الغرب المعادية للسوفييت، إلى الحرب على العراق وتمزيق مؤسساته عام 2003 لنهب نفط البلاد، ومروراً بكل المآسي التي عانتها شعوب المنطقة نتيجة معاداة مراكز رأس المال لتجارب التحرر الوطني وكل ما هو تقدمي؛ كان النصف الثاني من القرن العشرين مليئاً بالاضطرابات الاجتماعية التي تذبذبت بين مظاهرات شعبية ضيقة التأثير وسريعة، وانقلابات عسكرية في سوريا ومصر مثلاً، وصدامات طلابية وعمّالية مع النخب الحاكمة وبرجوازيات الأطراف الرثة في الأردن وغيرها.

كانت تلك الأحداث في مجملها تنبئ بقدوم ثوراتٍ شعبية غاضبة تختمر على نارٍ هادئة في مختلف المناطق، وعلى رقعةٍ جغرافية أوسع هذه المرة. مع العلم أن التركيبة الطبقية السائدة لدينا تختلف كل الاختلاف عن تلك التي قدّم لها ماركس توصيفاً في كتابه، في الشكل لا في المضمون بالطبع.

فالبرجوازيات التابعة (التي يضعها سمير أمين في سياق الصراع بين الأطراف والمراكز، ويضعها مهدي عامل في سياق نمط الإنتاج الكولونيالي) القائمة على الاقتصاد الريعي غير المنتج، والمتحالفة مع مجموعاتٍ طائفية وقبلية تحكم بمنطق العصابة، كانت هي الطرف المستهدف في المعادلة من قبل الشارع العربي دون إدراكه لذلك، وليس البرجوازيات الصناعية الكبرى، نظراً لغياب وجودها الفعلي بالأساس.

أمّا المفارقة الجوهرية التي علينا الإشارة إليها هنا فهي دور الإعلام في توجيه وإدارة الثورة، وإذا ما كان يُلبسها في ثوبٍ ما داخل ذهن المتلقي أم أنه يعمل على تجسير المسافات الجغرافية لنقل الخبر وحسب. حيث أن أخبار الانتفاضات الأوروبية التي قامت عام 1848 كانت تستغرق خمسة أيام أو أكثر لتصل من باريس إلى بافاريا ومن ثم فيينا وهنغاريا مثلاً، وذلك عن طريق الخدمة الإعلامية الأسرع بمعايير القرن التاسع عشر (يوم 24 شباط أُعلنت الجمهورية الفرنسية، 2 آذار اندلعت الثورة في جنوب ألمانيا، و13 آذار في فيينا). في حين أن الإعلام الحديث يشكّل جزءاً لا ينفصل من عملية صناعة الرأي العام، ونقل الحدث لحظياً من تونس إلى مصر وسوريا والعراق وباقي الدول.

وهو ما ساهم من ناحية في استسهال العبث بالمعلومات وتشويه الحقائق على أرض الواقع، ومن ناحية أُخرى في توظيف الإعلام بغرض التعبئة والتحريض وإصدار التهم الجاهزة. صوّر إريك فروم هذه الحالة بقوله أن “إحدى سخريات التاريخ الغريبة، أن العصر الذي يملك القدرة على الاقتراب اللامتناهي من المصادر، لا توجد فيه حدود تمنع تشويه وإساءة فهم النظريات”. أي أن عصر التكنولوجيا الحديثة قد أتاح للجميع القدرة على الوصول إلى المعلومة، لكنه لم يمنع بالمقابل القدرة على التلاعب بها.

“لقد جسدت تلك الفترة “ربيع الشعوب”، وكانت، كالربيع، قصيرة الأجل”. هكذا وصف إريك هوبزباوم ثورات 1848 محقاً، وربما ينطبق الوصف في جزءٍ منه على انتفاضات عام 2011 العربية، مع الفارق الجوهري أن الصراعات الطبقية لا يمكن أن تكون ربيعاً، نظراً لطبيعتها القاسية واحتدام المواجهة المصيرية فيها؛ فالثورة ليست طريقاً مفروشاً بالورود.

خاتمة

المتاريس تملأ الشوارع إلى جانب الجثث، آلاف القتلى والجرحى والمساجين على امتداد أوروبا في سبيل نيل الحرية وإسقاط الأنظمة المتكلسة التي سادت طويلاً في حكمها؛ ويبدو أننا لم نتعلم من التاريخ درسه بعد. افتقار العمّال والكادحين إلى التنظيم الثوري والرؤية الطبقية الراسخة، كان كعب أخيل ثورات 1848.

وإذا كان ثمة درس علينا تعلمه جيداً هنا، فهو أن الرأسمالية قد سبقتنا في حفظ دروسها. كانت فترة الخمسينيات الرجعية في القرن التاسع عشر هي فترة التوسيع الممنهج للأسواق والتجارة تزامناً مع وتيرة عجلة الثورة الصناعية، حيث تعلّمت البرجوازية كيف تقِ نفسها من خطر الثورة الاجتماعية عبر تقديم بعض التنازلات للطبقة العاملة. وبالتالي، تلاشى الخط الفاصل بين البرجوازيات الكبرى والفئات الدنيا منها، وأصبح ما يسمّى اليوم “بالطبقة الوسطى” بندولاً يتأرجح تارةً إلى أحضان الرجعية وتارةً أُخرى يعود إلى درك الكادحين.

ثورات أوروبا عام 1848 كانت بروليتارية الطابع وبرجوازية النتائج. وهو ما ينسحب أيضاً على انتفاضات ما سمّي بالربيع العربي، كما تشاء وسائل الإعلام، لكنها أفضت في نهاية المطاف إلى انحرافٍ مرعب في نتائجها. لم تكن الثورات الشعبية مسؤولة عن ذلك الانحراف كما يدّعي البعض، بل تدخل الإمبريالية فيها. لذا، فالتحرر من ربقة الاستعمار الناعم الجديد، تقفز اليوم إلى جدول أولوياتنا.

شارك: Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterPin on PinterestShare on StumbleUponShare on TumblrShare on LinkedInPrint this page