تعديلات المناهج، حديث في الفكر والسياسة

الكاتب: محمد فرج

18-10-2016

تفاعلت قضية تعديل المناهج بالمستوى الذي أرادته الجهات المعنية على الأغلب، ووقفت القضية مشهدياً عند نقطة صراع واحدة بين طرفين، الأول "يهدف" إلى "علمنة" المناهج، والثاني يدافع عن "الإسلام" ضد العلمنة. هذه هي الصورة الفاعلة في المشهد، وإن لم تكن أصلاً كذلك.
%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d8%a7%d9%87%d8%ac

المنهج والسمة العامة لرؤية المؤسسة الرسمية

تفاعلت قضية تعديل المناهج بالمستوى الذي أرادته الجهات المعنية على الأغلب، ووقفت القضية مشهدياً عند نقطة صراع واحدة بين طرفين، الأول “يهدف” إلى “علمنة” المناهج، والثاني يدافع عن “الإسلام” ضد العلمنة. هذه هي الصورة الفاعلة في المشهد، وإن لم تكن أصلاً كذلك. والأطراف الممثلة لهذه الصورة هي الأطراف الأكثر فعاليّة، وإن لم تمثـّل العنوان جوهرياً، فالأول لا يمتلك القدرات اللازمة ولا الرغبة السياسية أصلاً لحمل مشروع بضخامة علمنة التعليم، والثاني هو تيار سياسي يمتلك أجندة خاصة ويدير حشداً ضخماً من الجمهور الانفعالي والقطيعيّ. الحديث عن تيار ثالث يدير مواقف الـ “مع”، والـ “ضد” تحت مظلة الـ “كيف” مهم، وإن كان هذا التيار، واقعياً على الأرض، ضعيفًا.

تناول أحد الكتَّاب الفرق بين المنهاج والكتاب المدرسي، حاملًا المنهاج على أنه الدائرة الأوسع، الروح التي يجب أن يتنفسها الكتاب، الفلسفة، البوصلة. واستناداً إلى تكريس هذا المنهاج منذ عام 1994م، جعل منه وحدة القياس العيارية للتعديلات، وبدأ بتناول التعديلات الواحدة تلو الأخرى، وأجرى قياسه الخاص استناداً إلى وحدة القياس العيارية، أو النقطة المرجعية (المنهاج -فلسفة التربية). تكتيكياً كان العمل موفقاً في هذا الربط، إلا أن الأمر في العمق ليس تمامًا كذلك، فلا يمكن فصل الكتاب المدرسي عن المنهاج ميكانيكياً على هذا النحو، والمنهاج ليس فقط رؤيا عامة وأهدافًا استراتيجية، المنهاج هو رؤيا وأهداف كبرى وأدوات وآليات ونتائج وتداعيات، وكل بند من تلكم العناوين هو جسم خاص ومتداخل مع باقي الأجسام. ومن الممكن هنا تناول واحدة من النقاط التي جرى ذكرها في المقالة كبند في “المنهاج”: نتاجات أساسية كبرى نريد أن نحققها في سلوك طلابنا، كأن يكون مفكراً، باحثاً، إلخ. إن كارثتنا الكبرى في مؤسساتنا التعليمية هي صياغة الأهداف الضخمة دون أساس عملي لها من جهة، ودون تفكيكها إلى أدوات وآليات ونتائج وتداعيات، معنى المحاولة في بناء سلوك “مفكر أو باحث” تعني الآتي ( وكل نقطة هنا لا يمكن فرزها إلى منهاج وكتاب، فهما لحمة واحدة لا تتجزأ):

أولاً: تشجيع التفكير النقدي عند الطلاب، فالتاريخ الذي يقدّم على نحو الحشو الآلي، لا يقدّم على أسس التشكيك في صدقية الرواية التاريخية. الطالب مطالب بفكِّ خيوط هذه الرواية، والمعلّم عليه توجيه الطالب إلى مصادر المعرفة، وبناء منطق البحث الذي سيتحرك كوحدة معالجة للمعطيات التاريخية المستخرجة من مصادر المعرفة المتنوعة.

ثانياً: محاكمة النصوص، كل النصوص، داخل سياقاتها الزمانية والمكانية، ويتضمن ذلك الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة والشعر والنظريات الفكرية. وتجنيب الطالب نسخ المصطلحات من سياقاتها التاريخية الماضية ومحاولة تحميلها المعنى المعروف في الحاضر.

ثالثاً: البحث في المعنى التطبيقي لعلوم الرياضيات والفيزياء والكيمياء والأحياء والتكنولوجيا بدلاً من تحويلها إلى رموز مسلية يجيد الطالب التعامل معها؛ دلالة النهايات في الرياضيات لقياس السرعة، ودلالة التكامل لقياس الحجوم والمساحات، كأمثلة.

رابعاً: إعادة الاعتبار للتكامل بين العلوم المختلفة، أو فلسفة العلوم. ألم يُضرب منطقنا في فهم العلوم الطبيعية بسبب سطوة ما يدرّس في العلوم الإنسانية؟ ألم يَضرب مضمون التربية الإسلامية فهمَنا للكيمياء والبيولوجيا؟ ومن جهة اخرى إعادة الاعتبار للشامل (ما كان يسمى في السياسة شموليًّا)، فالأبحاث المدرسية والجامعية اليوم تتناول دراسة حالة متخصصة وضيقة معزولة عن محيطها المعرفي، يقول الاقتصادي المصري جلال أمين في كتابه “ماذا علمتني الحياة”: لقد خاب ظني في علم الاقتصاد، إنهم في بريطانيا لا يهتمون بدراسة أرسطو، بل بأي شقة كان يسكن أرسطو! وهذا الشامل (أو الشمولي) ينهي قصة تحليل التاريخ من بوابة الحدث المنفصل، لم تحدث نكبة البرامكة بسبب معاشرة العبَّاسة لواحد منهم، ولم تتكالب دول العالم على سوريا لنشر الديمقراطية فيها، ولم يهجم الإخوان على مطلِق هتاف باسم ناهض حتر بسبب ابتعاده عن الموضوع الأساسي المتمثل في صفقة الغاز، كما لم يُطرد سفير الجمهورية العربية السورية من الأردن بسبب نزقه في المصافحة.

تحقيق “الأهداف” الأربعة السابقة لا تحملها وثيقة مقدسة أو ميثاق شرف، وتخلو منها المناهج القديمة والمعدلة، إنما تحملها منهجية متكاملة، لغة الكتاب جزء منها، تماماً كما عرض المعلم، تماماً كما حدود التيه المؤقت المطلوب عند الطالب… إلخ.

لم أخرج عن الإطار النظري للمسألة بعد، ولكنني بالتأكيد خرجت منذ السطر الأول عن السياق الواقعي، الذي لا أعود إليه، بل الآن أدخل فيه، ضمن حدود الواقع نفسه، وعلى تخوم الآمال العريضة، مما هو نظري وتجريدي:

حمل الأسماء والأفعال من الماضي وإلقاؤها في جوف الحاضر الفاعل

لم أتابع التعديلات واحدة بواحدة بحذر، ولكن مجموعة من الأصدقاء الذين تبنوا المهمة بحِرَفية مطلقة شاركوا معي عينة واسعة من التعديلات، ومما هو واضح أن الوزارة تتجنب أسماء الماضي نظراً لتفاعلاتها في الحاضر، وترى ذلك على أنه يأتي في سياق محاربة التطرف والإرهاب، ففي كتاب التاريخ للصف التاسع تحذف الجمل التي تتضمن “المقاومة الإسلامية”، “الجبهة الإسلامية”. في حين كان المطلوب معرفة التاريخ الدقيق لهذه المسميات في سياقها التاريخي، الأمر الذي يجنّب حملها للحاضر كما هي. ارتأت الوزارة التخلص منها بالطريقة الأسهل. يجري حذف المقاومة الإسلامية للتخلص من إرهاب داعش من جهة، ومن المقاومة الإسلامية الشريفة المتمثلة في حزب الله من جهة أخرى. ومن ذا يقول إنه لم يكن هنالك مقاومة إسلامية في التاريخ أو جبهة إسلامية؟ علينا أن نتعلم كيف نقول ذلك، وعندها ستكون مسألة محاربة داعش بسيطة، ولكن الانحياز لحزب الله سيكون مسألة غير “مأمونة” بصراحة.

تشطب الجمل التي تتحدث عن الوحدة الإسلامية في مواجهة الغزو بالمنطق نفسه، ولتحقيق أهداف أخرى تتمثل في سحب فكرة الوحدة القومية ووحدة الشعوب المضطهدة للمواجهة. إن فكرة المواجهة نفسها أيضاً تثير قلق معدّلي المناهج.

يتم استبدال الحملات الفرنجية بالحملات الصليبية، يتم شطب كلمة الصليبية تماماً لأننا محاصرون بفهمنا الصوري لتاريخ تلك الحروب، وتوظيف الصليب فيها. إننا نخشى كشف التفاصيل الدقيقة لتلك الحملات فنحيلها إلى شبح. ألا نحتفل كل عام بمعركة الكرامة ونقول “العدو”، وكذلك يفعل المصريون في ذكرى حرب أكتوبر؟ إننا نريد للعدو أن يبقى شبحاً. لو جسّدنا العدو أكثر، أو تحدّثنا عن توظيف الصليب في حملات الفرنجة آنذاك، لن تكون عندها التسمية مأزقاً كبيراً.

وفي كتاب التربية الإسلامية للصف الثالث، يتم شطب كلمة الغزوات من جملة: “بينما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتفقد أحوال الناس بعد إحدى الغزوات”، نخشى كلمة الغزوات، لأن داعش والتنظيمات التكفيرية تتبنى في عملياتها تسمية “غزوة”، وهل يكفي ذلك؟ وبكل موضوعية، وبالمحافظة على السياق الزماني-المكاني، لو عرفنا تفاصيل هذه الغزوات ودلالاتها جيدا، لأصبحت مقاربتها مع غزوات داعش في عداد القياس الفاسد، والصالح أحيانًا، لا أنكر!

تجنُّب الحديث عن الدعوة السرية في بداية عهد الإسلام كان خطة إدارة المناهج للخلاص من معنى السرية في بناء التنظيمات، التي تشكل أساساً في بناء التنظيمات التكفيرية في الحاضر. ولكن ليس هذا هو المطلوب، فأية ثورة سياسية اجتماعية بدأت بالسر لكي تنجح، ولو قرأنا تاريخ الدعوة الإسلامية من هذه الزاوية، من زاوية الانتفاضة السياسية الاجتماعية، وقرأنا مشروع داعش من زاوية الانتحار الاجتماعي الجماعي، لن يعود للسرية الوزن الهائل هذا.

هذه التعديلات لا تسعف كثيراً، قد تؤجل فقط انفجار اللغم! لكن، هل من مفكّر يعجز عن فك الاشتباك بين الماضي والحاضر؟

مفهوم النص والاستدلال

مع أن الخطوة الأولى في بناء المنهج قد فشلت، وهي فك الاشتباك بين سياقات الماضي والحاضر، إلا أن التعديلات الجديدة قلّصت من حجم الرجوع إلى النصوص، التي لا بد من معاملتها، كدلالات باتجاه واحد، ومسلمات، من النصوص القرآنية إلى الويكيبيديا. (حذف استخرج من سورة النازعات كذا وكذا، استخرج من جامع البيان كذا وكذا، استخرج من سورة يوسف ما يدل على تطور الحياة الزراعية في مصر القديمة) إلا أنها أيضاً تجنبت صور المعبد، نعم يا سادتي كان هنالك معابد وتنقلت من مراحل المعابد المتخصصة في كل ظاهرة على حدة إلى التوحيد … هذه حقيقة تاريخية، لا أجتهد فيها شخصياً، ولكنها الآثار التي حطمت معاول داعش جزءًا منها.

في كتاب التربية الإسلامية للصف الثالث ثمة تراجع عن تحفيظ بعض السور، الماعون والكرسي والكافرون، وهذه خطوة سليمة تحتاج لاستكمال، والاستكمال يكمن في “التفسير”، تفسير الآيات في سياقات سياسية تاريخية.

طبيعة النظام السياسي

تتخلص إدارة المناهج في كتاب التاريخ للصف التاسع من مصطلح “السلطة المطلقة”، وبذلك تخفف من وطأة الإرهاب المتمثل في بناء دولة الخلافة الإسلامية، وهي دولة السلطة المطلقة! أليس كذلك؟ ولكن أزمة السلطة المطلقة لا تحل بالهروب من الاسم مجدداً. إخفاؤه لن يمنع الطلاب من التعثر بما يسمى “السلطة المطلقة”.

هادي العلوي تحدث عن الشبه بين الخلافة والملكية في مجلداته الشهيرة، توماس هوبز انحاز إلى الملكية المطلقة نادماً على تأييده لكل محاولات كسرها، فرويد في “الحضارة وهمومها” لا يرى أملاً في المجتمع دون الدولة المركزية، ماركس حلم بوعي جماعي فائق يلغي الدولة إلى حد إلغاء أجهزة الأمن. ونحن ما زلنا لا نعرف شيئاً عن الفراعنة إلا لقاء موسى مع فرعون، قصة نبي وردت في القرآن.

المطلوب هو الحديث عن تاريخ السلطة، وتاريخ الدولة، وأنماط الحكم السائدة في التاريخ، وشروط تكوّن هذه الأنماط.

بين الاجتماعي والإنساني

تحاول التعديلات الجديدة تخفيض سقف الهوية الإسلامية، وإزاحتها عن موقع الراعي والوصي على الآخرين، وموقع المحتكر للفضيلة والأخلاق، وهذا صحيح تماماً. فإدخال صور نساء غير محجبات، واستبدال أحاديث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحذف مقطع “ارتدت عباءة جديدة” (وكأنه اللباس الوحيد). كل تلك الإجراءات تخفف من حضور هوية احتكارية، ومن ذلك أيضاً حذف عدد وافر من صناديق (أنا مسلم أقوم بكذا وكذا)، المشكلة الكبرى فيها أنها كانت تترافق مع ضخ لغوي هائل عن الفجور وعدم إطاعة “الكفار”.

التطبيع

من الواضح دسُّ لغة تطبيعية مع الكيان الصهيوني في أكثر من موضع، أشارت لها العديد من المواقع وصفحات التواصل الاجتماعي (قصيدة لمعروف الرصافي تبعث برسائل التعايش، استبدال الممارسات الإسرائيلية بالمجازر الصهيونية، حذف جمل تتعلق بالعداء للكيان الصهيوني). أعتقد أن بند التطبيع حاضر بقوة كغاية، أكثر من ثانية، في أجندة تعديلات المناهج.

أجندة الجهات الرسمية

تفاعلت قضية تعديلات المناهج بالتزامن مع اغتيال الكاتب ناهض حتر، ولا أعتقد أنهما حدثان منفصلان في أجندة الجهات الرسمية، فإنه يجمع بين الحدثين العواملُ التالية:

أولاً: الحدثان أثارا اضطرابات علماني-إسلامي، ولو في إطار مشهد كاريكاتوري. وفيهما لعبت الجهات الرسمية دورين بالتزامن: راعي الإسلام السمح، وراعي “الدولة المدنية”.

ثانياً: جزء من التحليلات المتعلقة باغتيال ناهض تناول مشروع الكونفدرالية والمقدمات الضرورية له، وفي تعديلات المناهج كان تعزيز لغة التطبيع واضحاً.

ثالثاً: تم الإعلان عن اتفاق الغاز مع الكيان الصهيوني بعد أيام معدودة من اغتيال ناهض حتر.

بعد هذين الحدثين نشر زكي بني ارشيد مقالاً، يقول فيه: إن الدولة الإسلامية لا تتعارض مع المدنية. على الرغم من هزلية هذه الفكرة، والحديث في ذلك بحاجة لمعالجة خاصة.

ردود الفعل الاجتماعية، سواء على اغتيال الكاتب ناهض حتر، أو على تعديلات المناهج، تدلل على ثقل وزن تيار “الإسلام السياسي” اجتماعيا في البلد، مما يعني أن زكي ليس مضطراً، على المستوى الشعبي، إلى نشر مقال من موقع ند أو خاسر، ولكن نشره، على الأرجح، جاء بناء على معطيات عن الأجندة الرسمية التي لا نعرف الكثير عن تفاصيلها.

تحليلات عديدة تختصر المشهد بأسباب بسيطة ومباشرة، تعديلات المناهج لمحاربة التطرف واستجابة لشروط الهيئات المانحة، واغتيال الشهيد ناهض حتر بسبب ذئب منفرد أثاره نشر الكاريكاتير. تجري تعديلات على المناهج بشكل دوري، ولا تأخذ أي حيز واسع في الإعلام، ولكن هذه المرة، أريد لها ذلك، وفي الوقت نفسه، كان من الممكن منع حادثة الاغتيال بعشرات الطرائق.

أي مكان يُراد لـصدام “علماني – إسلامي” أن يحل؟ أي فعل يُراد لتغطية هذا الصراع أن تفعل؟ مع العلم أن تجميد الانحياز في صراع كهذا مسألة غير ممكنة بالكامل، حتى عند كاتب سطور هذا المقال.

شارك: Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterPin on PinterestShare on StumbleUponShare on TumblrShare on LinkedInPrint this page