ترجمات روسية: فكر، تراجع، صحح… نتائج اجتماع بوتين مع أردوغان

الكاتب: ترجمة أحمد إسكندر

03-09-2016

مقال تحليلي من وكالة ريا نوفوستي الروسية.
بوتين - أردوغان

أعطى الرئيسان الروسي فلاديمر بوتين والتركي رجب طيب أردوغان فرصة لاسترجاع العلاقات بين البلدين، وذلك في المحادثات التي عقدت يوم 9 آب/أغسطس في قصر قنسطنطين في سانت بطرسبورغ.

كان من الممكن لهذا اللقاء أن يحدث قبل هذا التاريخ لو اعتذر أردوغان عن حادثة الطائرة الروسية فوق سوريا، وكان عليه وقتها أن يجد أرضية مشتركة مع بوتين حول القضايا المثيرة للجدل (شبه جزيرة القرم، القوقاز، وسوريا)، ولو حصل هذا لكان الرئيس الروسي قادراً على التفهم والمغفرة، ولكن الرئيس التركي كان خائفاً على سمعته حسب مبدأ “السلطان لا يخطئ أبداً”، وألحق الكثير من المضار على بلده  تركيا، مثل العزلة الدبلوماسية، محاولة الانقلاب، الأعداء والمعارضين الداخليين والخارجيين، الأمر الذي دفع أردوغان لتبني الخيارات الصحيحة والتوجه مسرعاً إلى سانت بطرسبورغ للعمل على تصحيح الأخطاء.

استمرت المحادثات بين الرئيسين إلى أكثر من ساعتين قاموا خلالها بمناقشة مجموعة واسعة من الموضوعات، وبعدها انضم إليهم ممثلي وزارات الشؤون الخارجية والطاقة الروسي والتركي.

في نهاية الاجتماع لم تقدم أية بيانات، ولكن الرئيس الروسي كان واضحاً في أن عملية إعادة العلاقات بين البلدين ستكون طويلة وصعبة، في الوقت الذي كان فيه أردوغان يهيل الشكر والتقدير على الرئيس الروسي بوتين. هذا الأمر لا يعني أبداً فشل هذه القمة بل كانت مجرد خطوة أولى على طريق إعادة العلاقات بين البلدين إلى المستوى الطبيعي.

وقد أوضح بوتين بأن روسيا مستعدة لتطوير شراكة شاملة مع تركيا في المجالات الاقتصادية والتقنية والتعامل مع قضية التأشيرة، ومع ذلك فإن عدداً كبيراً من وسائل الإعلام الروسية والغربية صرحت بأن أردوغان كان ذاهباً إلى سانت بطرسبورغ للتحالف مع بوتين وتحويل بلاده نحو الاتجاه الأوراسي. لكن وبكل تأكيد الحال ليس كذلك، لأن تركيا منذ وقت طويل موجودة أصلاً في الحيز الأوراسي ولكن مشروعها -العثمانية الجديدة- لا يتناسب مع روسيا فقط، بل أيضاً يعتبر تهديداً حقيقياً ومنافساً مباشراً لها، لأنها إذا نجحت ستكون أنقرة المتحكم في الجزء الجنوبي لروسيا.

تقوم واشنطن وبروكسل الآن باستخدام العزلة التركية، وذلك لكي تتجاهل اهتمامات أنقرة بخصوص القضية الكردية، وعندما يكون لدى تركيا القدرة على المناورة والتحرك في اتجاه روسيا، فإن الغرب سيتصرف باحترام أكثر تجاهها، في المقابل فإنه من مصلحة روسيا أيضاً تطبيع العلاقات مجدداً مع تركيا من أجل استقرار الأوضاع في منطقة القفقاز، والبحث عن حلول وسط في القضية السورية، وبطبيعة الحال الضغط على أمريكا والاتحاد الأوروبي.

القضية السورية كانت محور الاهتمام الأساسي لدى وسائل الإعلام، حيث قال الرئيسان أنهما سيتحدثان بشأنها بعد نهاية المؤتمر الصحفي، حيث كان بين روسيا وتركيا صراعات حادة حول مستقبل سوريا.

في الواقع إن معارضي الرئيس السوري بشار الأسد ما زالوا يأملون بأن تبقى تركيا محاميهم القوي والسخي، حيث قال رئيس الائتلاف الوطني السوري، أنس العبدة (التابع للسياسة السعودية ): “نحن نعتبر الرئيس التركي حليفاً رئيسياً للشعب السوري، وأن لديه الفرصة في إيصال الأفكار والمبادرات للطرف الروسي وشرح الوضع السوري لهم”. مع ذلك فإن بوتين لا يحتاج أي شرحٍ عن الأوضاع الراهنة في سوريا، قوات المعارضة السورية قامت بخرق الهدنة وموسكو مستمرة في سحقهم رغم دعمهم بالأسلحة التركية والأموال السعودية.

في هذه الحالة فإنه من غير المرجح أن يكون أردوغان محامي الدفاع عن المعارضة السورية هذه المرة، وذلك لأنه هو في الأصل الذي توسل للقاء الرئيس بوتين أولاً، وثانياً لأنه يعلم بأن المعارضة السورية تفقد الكثير من سيطرتها على الأراضي السورية، حيث قامت تركيا ولفترة طويلة بدعم المعارضة السورية أملاً فيها في إسقاط الرئيس السوري بشار الأسد والوصول إلى دمشق، ومن الواضح بأن طهران وموسكو لن تسمحان بحدوث هذا السيناريو.

فالمعارضة السورية لا تقاتل من أجل الإطاحة بالنظام، بل للحصول على تنازلات أكثر وظروف مواتية أكثر للتفاوض مع الرئيس السوري، بمعنى آخر الوصول إلى مرحلة الفيدراليات، الأمر الذي لا يروق لتركيا أبداً لخوفها من حصول كردستان على الحكم الذاتي، وهو الأمر الذي من شأنه تهديد السياسة التركية من وجهة نظرهم.

الحكومة التركية تدعم المعارضة السورية ليس للحصول على موقف تفاوضي أفضل، بل لإطالة الفوضى والحرب الأهلية الحاصلة في سوريا. الأمر الذي من شأنه تأخير عملية الفدرلة وشرعية الرئيس السوري على حد سواء. لكن هذا الحال من الصعب جداً أن يستمر طويلاً، وذلك لأن هذه الحرب تحدث قريباً من الحدود التركية، الأمر الذي لم يجلب لأردوغان إلا خسائر سياسية عديدة وتدهور في الحالتين الاقتصادية والاجتماعية، علاوة عن تفاقم الأزمة الكردية. ولأن واشنطن وموسكو تحاولان الاتفاق على حل للأزمة السورية، ومسألة الفيدراليات واحدة من الحلول المطروحة، وتعنت أردوغان سيجعله محصوراً ووحيداً في الأزمة الكردستانية.

لأن الرئيس بوتين لم يخطئ أبداً في قول الحقيقة، روسيا وتركيا لديهما هدف مشترك في تسوية الأمور في سوريا، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه، إلى أي حد من التنازلات ستصل أنقرة؟

Russian President Vladimir Putin attends a meeting with Turkish President Tayyip Erdogan in St. Petersburg, Russia, August 9, 2016. REUTERS/Sergei Karpukhin

حسب وجهة نظر الخبير في نادي فالداي، والمدير العام للمعهد الدولي للتعاون العلمي (عارف اسال أوغلي)، فإن الرئيس التركي مستعد على الفور  للانسحاب من صيغة “على الأسد أن يرحل الآن”، مع ذلك فإن الكرملين يحتاج إلى شيء آخر ألا وهو إنهاء الدعم التركي للمتمردين في سوريا، هل تركيا مستعدة للقيام بهذا؟ وكم سيكلف هذا أردوغان من خسارة دعم جزء من داعميه في تركيا؟

بعد يومين من قرار الرئيسين الروسي والتركي إعادة العلاقات بين البلدين، التقى سيرغي لافروف و ميفلوت كافوس أوغلو في سوتشي على هامش اجتماع وزراء خارجية منظمة التعاون الاقتصادي في البحر الأسود، كخطوة أولى نحو تنفيذ المهام التي حددها الرئيسان الروسي والتركي.

عقب المحادثات قال سيرغي لافروف أن روسيا وتركيا استأنفتا نشاطيهما لمكافحة الإرهاب، بالإضافة إلى توقعات باستئناف خط الاتصالات العسكرية.

قال السياسيون الأتراك بأن تركيا ستقوم بتغيير موقفها من القضية السورية، فهي في الواقع لم تعد تطلب الرحيل الفوري للرئيس السوري بشار الأسد، فإذا قامت أنقرة بإغلاق حدودها أو على الأقل مراقبة الحدود بجدية، فسيكون هذا عاملاً مهماً جداً للاستقرار في المناطق المحيطة بحلب، جبهة النصرة والجماعات التابعة لها هناك مرتبطة بشكل قوي بتركيا، وأنقرة يمكنها التوصل معهم إلى اتفاق جدي لتهدئة الأوضاع.

شارك: Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterPin on PinterestShare on StumbleUponShare on TumblrShare on LinkedInPrint this page