ترجمات روسية: عن فيديل كاسترو

الكاتب: ترجمة أحمد إسكندر لألكسندر براتيرسكي وإيغور بريشكوف

09-01-2017

مقال مترجم من صحيفة غازيتا الروسية.
fidel-castro-1977-billboard-1548

فيديل كاسترو؛ الرجل القائد والذي قام مع عدد من أصدقائه -جنباً إلى جنب- بتغيير مجرى تاريخ العالم. أمرٌ جعل منه أسطورة وهو ما يزال في سن صغيرة، و خطابه الشهير (التّاريخ سيبرّر لي)  -الذي كتبه في السجن- جَعل منه شخصية معروفة على مستوى العالم.

هذا الرجل أتى من أسرة ثرية تملك قسماً كبيراً من الأراضي في قرية بيران، تخرَّج من كلية الحقوق في إحدى جامعات هافانا المرموقة. كل هذا كان يُنظر إليه بوصفه حياةً كريمة، لكن اعتناقه لأفكار خوسيه مارتي وكارل ماركس الثوريّة جعله يبدأ نضاله ضد الدكتاتورية في بلده الأم كوبا، ومن وقتها أصبح هو ورفاقه أمثال شقيقه راؤول والثوري الرومانسي الأسطوري تشي جيفارا رمزا لمكافحة جميع أشكال الظلم والديكتاتوريات.

الوطن أو الموت، لعله أحد أشهر الشّعارات الملهمة في تاريخ العالم ذلك الوقت، شعارٌ عظيم ردّده فيديل كاسترو وسط الملايين من الناس، مُجبِراً حتى معارضيه على الانضمام للأصوات الصادحة به.

بالنسبة لعلاقته مع الدين، كان كاسترو يعتبر نفسه غير مؤمن لم يمارس أي طقوس دينية منذ صغره، الأمر الذي جعل الفاتيكان يقوم بإقصائه عن الكنيسة في عام 1962 بسبب ارتداده عن الكاثوليكية. لاحقاً تحسنت العلاقات بين بابا الفاتيكان وكاسترو في مطلع التسعينيات عندما قام البابا بزيارة كوبا معلناً أنّ المسيحية تؤيد الاشتراكية، وقتها خاطَب كاسترو البابا قائلاً: نحن الآن نتفق معه لأنه قد كاد أن يقول يا عمال العالم اتحدوا”.

أعلن التلفزيون الرسمي الكوبيّ عن وفاة القائد العظيم فيديل كاسترو، ألمع زعماء الحركة الثورية العالمية، وأوّل زعيم للمعسكر الاشتراكي، وفي صحيفة “غازيتا” هنا نستعرض مشوار حياة هذا القائد العظيم الذي أثبت أنّ الاشتراكية تستطيع تحقيق الوحدة بين الشعوب وتعمل على تقدمها وتطورها

الإعلان عن وفاة فيديل كاسترو جاء على لسان أخيه راؤول، رئيس مجلس الدولة الكوبي منذ عام 2008، -عندما قام فيديل كاسترو بالاستقالة من جميع المناصب السياسية-  الذي أنهى حديث الجنازة بكلمات الراحل فيديل كاسترو نفسها “إلى الأمام نحو الحرية“!

أرسل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين برقية تعزية إلى هافانا واصفاً القائد الراحل برمز هذا العصر، وجاء في البرقية:كوبا الحرة والمستقلة التي بناها فيديل كاسترو وأصدقاؤه جعلت منها عضواً مؤثراً في المجتمع الدولي، وأصبحت مثالاً ملهماً للكثير من الدول والشعوب. كاسترو كان دائما صديقاً مخلصاً ووفياً لروسيا وقدم مساهمة كبيرة في تطوير العلاقات بين البلدين وزيادة التعاون الاستراتيجي في جميع المجالات“.

رجال السياسة الروس أيضاً أبدوا ردود أفعال تجاه هذا الخبر المحزن، حيث صرح الرئيس السابق لمجلس الدوما للشؤون الدولية، أليكسي بوشكوف قائلاً: “لقد كان كاسترو كالمجرة العظمى التي غيرت العالم، حيث أثبت الراحل بأنه من الممكن  الصبر والنجاح في تخطي الضغوطات والحروب الاقتصادية الموجهة من أمريكا على مدار 55 سنة، مجبراً الرئيس الأمريكي على السفر لهافانا، لا العكس”. كما صرح وزير الثقافة، السيد فلاديمير ميدينسكي: “كاسترو بالنسبة لأجيالنا لم يكن فقط مجرد شخصية دولية فقط، بل كان دائماً يعيش معنا منذ الطفولة عندما كنا صغاراً، وعند ذهابنا للمدارس والجامعات، في حياتنا اليومية وفي أعمالنا أيضاً. تغيَّر لدينا الكثير من الشخصيات والرؤساء، وبقي فيديل، أما الآن فهو ليس معنا، كأنك تشعر بأن شيئاً ما ينقصك، سواء في السياسة الدولية أو في حياتنا اليومية”.

المحارب والقائد

ارتفعت نجمة كاسترو السياسية إلى السماء بعد الانتفاضة ضد نظام باتيستا الرأسمالي الموالي لأمريكا والتي بدأت في شهر يوليو 1953. هذا الثوري ذو الوجه المشرق مع اللحية السوداء والسيجار، فيديل مع شقيقه راؤول ومعهما آرنستو تشي جيفارا أضحوا معبودي الجماهير اليسارية والتقدمية في جميع أنحاء العالم، وقد لاقت ثورتهم الدعم من عديد المثقفين الغربيين، من ضمنهم الكاتب الأمريكي، إرنست همنغواي، الذي تواجد في كوبا مرات كثيرة، والذي صرح بأن الثورة ضد باتيستا كانت الثورة الأولى التي نستطيع تسميتها ثورة.

في البداية كان كاسترو مستعدّاً لِبناء العلاقات مع الولايات المتحدة، لكن خوف الأمريكيين من نمو اليسار المتسارع في أمريكا جعلهم ينظرون إلى كاسترو بعدائية في الوقت الذي استطاعت فيه قوات كاسترو تعطيل العمليات العسكرية للولايات المتحدة في خليج الخنازير، محافظين بذلك على مكتسبات الثورة الاشتراكية. رد فعل كاسترو تجاه الولايات المتحدة لم يكن أقل عداءً على الرغم من إعجابه بأمريكا في صغره، حيث كان يجمع بطاقات البيسبول من اللاعبين الأمريكيين المشهورين آنذاك.

انضم النظام الكوبي الجديد إلى أحضان الاتحاد السوفييتي الذي كان يحتاج وقتها إلى حلفاء جدد من كل أنحاء العالم، خصوصاً أن كاسترو كان قد أعلن نفسه شيوعياً. في عام 1963 جاء بزيارة مظفرة إلى الاتحاد السوفييتي حيث كان في استقباله الآلاف من سكان موسكو يلوحون بالأعلام الكوبية والسوفيتية.

كانت كوبا حليفاً قويّاً للاتحاد السوفييتي نظراً لقربها الجغرافي من الولايات المتحدة، وأصبح كاسترو نفسه الداعم الرئيس للاتحاد السوفيتي في أمريكا اللاتينية. كوبا استقبلت طوفاناً من القروض السوفيتية، وبدأت تتسارع فيها عملية بناء الشيوعية متضمنة الكثير من النماذج الموجودة في الاتحاد السوفييتي نفسه، كالشّرطة السريّة، إغلاقُ الحدود، إلغاء المُلكيات الخاصة، وتحت قيادة كاسترو استطاعت كوبا الوصول إلى مستوىً عالٍ في التعليم والطب بالإضافة إلى إنتاج أدوية عالية الجودة.

النقطة الرئيسية في العلاقات الكوبية السوفيتية كانت أزمة الكاريبي في عام 1962، حيث قام الاتحاد السوفييتي بنشر صواريخ نووية باليستية في السواحل الكوبية رداً على تزايد بناء القدرات الأمريكية وقتها، الأمر الذي كاد أن يؤدي إلى حرب عالمية ثالثة، لكن وبعد مفاوضات طويلة وصعبة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي تمت إزالة هذه الصواريخ، وحتى العام 2000 استمرت في كوبا محطة التتبع والمراقبة الالكترونية السوفيتية حيث أنّ كاسترو نفسه قد عايش مئات محاولات الاغتيال الأمريكية. في التسعينيات، وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي أصبح كاسترو وحيداً في مواجهة الاقتصاد الكوبي المتهالك والدّيون الهائلة، لكن الاقتصاد الكوبي نجى فقط من خلال قطاع السياحة وحده.

 في عام 2006، قام كاسترو بتسليم السلطة مؤقتاً لشقيقه قبل خضوعه لعملية جراحية، وخِلال عام 2008 تخلى عن كافة مهامه لراؤول مبتعداً عن الأعمال السياسية، خلع بعدها البدلة العسكرية الخضراء واستبدلها بالملابس الرياضية، لكنه واصل كتابة المقالات عن الأحداث العالمية في إحدى الصحف الكوبية واسمها غرانما، كما نشر سلسلة مقالات بعنوانتأملات كاسترو“.

استمر كاسترو في استقبال الزوار لإجراء المناقشات الفلسفية الطويلة معهم قبل وبعد تنازله عن السلطة، ومنها لقاءاته المنتظمة خلال عام 2003 مع المخرج الأمريكي أوليفر ستون، الذي صوّر فيلماً عن كاسترو أسماه القائد”. أوليفر ستون نفسه صرّح بأنه كان يحاول تغيير شخصية كاسترو في نظر الأمريكيين قائلاً: “بالنسبة للأمريكان فإن كاسترو شخصية شيوعية ملتحية فقط، لكن يجب النظر إليه على أنه واحد من أحكم الشخصيات في العالم، وأنه الشخص الذي نستطيع طلب المشورة والنصيحة منه“.

السلطات الروسية الحديثة أبقت على التواصل مع كوبا ومع فيديل كاسترو شخصياً مشاركة إياه الذكرى التّسعين لميلاده، حيث قام الرئيس بوتين ورئيس الوزراء ميدفيديف بتَهنئته بهذه المناسبة عبر برقية بدأها بوتين بعبارة “صديقي العزيز” وقال فيها: “في روسيا أنتم تَحظون بالاحترام العظيم باعتباركم شخصية عظيمة كان لها دور بارز في تكريس حياتِها لخدمة الشعب الكوبي والمساهمة القوية في تقوية أواصر العلاقات بين بلدينا”. فيديل الزعيم الثوري استغل نفس المناسبة وتوجه بالكلام إلى الشعب الشجاع والحكيم في كل من روسيا والصين، كما حثَّ موسكو وبكين على عدم الاستسلام للاستفزازات الغربية وعدم استخدام الأسلحة النووية.

للاطلاع على المقال الأصلي باللغة الروسية إنقر هنا.

شارك: Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterPin on PinterestShare on StumbleUponShare on TumblrShare on LinkedInPrint this page