ترجمات روسية: اليوتوبيا كمحرك للتاريخ البشري

الكاتب: ترجمة أحمد إسكندر لألكسندر دوغين

19-02-2016

ألكسندر دوغين من موقع حركة أوراسيا.
12765735_10153455782111915_1893001192_o

يبدو أن لا شيء يمكن أن يكون أبعد من حياتنا اليومية، وربما ليس هنالك أكثر أهمية من اليوتوبيا.

تخصص العديد من الفلاسفة في الكتابة عن هذا الموضوع ليس فقط في الفترة الكلاسيكية، ففي القرن الماضي واحد من أشهر الكتاب، جورج أورييل، قال إن المثالية كانت تحققت في كثير من الأحيان أكثر من أي شيء آخر، المادة الخام لهذه النظرية التي يصعب تصديقها، ربما بدأت في التحقق.

اليوتوبيا تترجم من اليونانية على أنها المكان غير الموجود. في العقل البشري نحن نتحدث عن مكان لا وجود له، ولكن بما أن الناس يرسمون في أذهانهم صور ومخططات  للمثالية، هذا يعني بأن هذا المكان يجب أن يكون موجوداً. هذا المكان ليس في الواقع الملموس وإنما في الخيال، في روح الإنسان وإرادته، ولهذا فإن هذا المكان هو الأكثر أهمية، أي ما تم بناؤه في أذهاننا، وما يكمن أمام عيوننا، ولا يتطلب منا أي مجهود إضافي.

يعتبر أفلاطون أن الأفكار إما أن تطفو وتستمر أو تموت، وهذه استعارة جميلة، فعندما تطفو هذه الأفكار في السماء الأبدية، فهي ليست عرضة للتسوس، ولكن بمجرد أن تتحقق هذه الأفكار، تتعرض وعلى الفور للاضمحلال، التعفن والتحلل.

ولذلك من وجهة نظر فلسفية، فإن هذه الأفكار المثالية جدية ومهمة جداً، فعندما توجد المثالية في الروح الإنسانية، فإنها تشكل المكان الذي لا يخضع للتسوس أو التحلل، المكان غير القابل للفساد، بل المكان المقدس الذي يلتقي فيه الحلم البشري في تحقق مسألة ما، والرغبة البشرية في صدى واحد.

عندما تم التغلب على التفكير الطوباوي، رأينا أن النموذج الطوباوي أصبح جزءاً من العديد من الأيدولوجيات، وكان جزءاً من الطوباوية الماركسية للفرنسيين التي وصفت واقع الشيوعية. وعلى الرغم من أن هذه الأفكار الطوباوية قد تبدو غريبة نوعاً ما، أو لا يمكن تصورها، إلا أنها قد تجسدت جزئياً في الماركسية، وتم تنفيذها في المشاريع الماركسية.

اليوتوبيا تتواجد بأشكال مختلفة، فهنالك اليوتوبيا الشيوعية، وهنالك يوتوبيا المساواة وعدم المساواة، ويوتوبيا السحر الديني البشري، ويوتوبيا المدينة الفاضلة، وهي اليوتوبيا الأكثر شيوعاً التي توحد المشاريع الطوباوية والأفكار والخيال، والتي لم يتم تنفيذها إلى اليوم، ولكنها ستتحقق يوماً ما.

من المهم أن نلاحظ أن المشاريع والخطط شيء مهم للإنسان، فإننا في كل صباح نضع مشاريعنا وخططنا لليوم، أو للأسبوع، أو نضع مشاريعنا في الحياة على المدى الطويل… فما هو كل ذلك؟ إنه اليوتوبيا! لأننا نريد عمل شيء لم يتم تحقيقه حتى الآن، كل الأفكار والأحلام والخيالات الطوباوية الجديدة المراد تحقيقها، والتي هي شيء جديد وبعيد عن الروتين. إن الوصف الطوباوي يعتمد على الشيء الجديد، غير العادي وغير المتوقع، وليس بحث في ممارسات اعتيادية.

إن الإنسان المادي المشغول بتلبية احتياجاته لراحته الجسدية يصل إلى درجة الحيوان، والإنسان يعارض هذه الفكرة بشكل كبير. فما الذي يفرقه عن الحيوان؟ إنها اليوتوبيا! الحيوانات لا يوجد عندها يوتوبيا، بل هي تقبل العيش في الظروف المفروضة عليها، أما الانسان فلا.

كيف تؤثر اليوتوبيا على الأيدولوجيات السياسية؟ تأثير طوباوية الاشتراكيين توماس مور وتوماس كامبانيلا في الأيدولوجية الشيوعية معروفة، ولقد رسمت لهم صورة لمجتمع العدالة الاجتماعية والوحي السياسي في القرن التاسع عشر.

الفلاسفة وقادة الحركة العمالية وثلث كوكب الارض في القرن الذي تلاه حاولوا التفكير وقبول الأيدولوجية الشيوعية وتطبيقها وتقييم نتائجها، والحقيقة أن هذا المشروع كان ناجحاً، الاتحاد السوفييتي، والحركة البلشفية، وبناء الأنظمة الاشتراكية في أجزاء كبيرة من الأرض يؤكد قوة اليوتوبيا، وهذا شيء لا يمكن تجاهله إطلاقاً.

يوتوبيا مكافحة الإنسان في أساس الفكر الفاشي والوطنية الاشتراكية كانت تفترض أن دول العرق الآري سوف تحكم العالم، ولكن لو نظرنا بشكل أكثر عمقاً في نظرية الوطنية الاشتراكية، نكتشف وصفاً لا يمكن تصديقه، ففي واحد من كتب يورغ لانتس فون، منظر الكنيسة الوهمية الزائفة، التي سبقت الوطنية الاشتراكية والتي تصف النموذج الآري بـ (إلكترون الإله)، وهو الكائن وحيد القاعدة في تعامله مع الناس والحيوانات من مختلف الأعراق. تواجدت هذه اليوتوبيا أيضاً في قلب الفكر الفاشي وطرحت هاجس (إلكترون الإله)، الفاشيون وجدوا إرادة قوية وقدرة مؤساساتية كافية لاجتياح معظم أوروبا، بطبيعة الحال هذه اليوتوبيا هي لمكافحة الإنسان، والحقيقة أن أن مثل هذا الهراء ألهم الشعوب لتنفيذ أهداف سياسية وجيوسياسية.

شارك: Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterPin on PinterestShare on StumbleUponShare on TumblrShare on LinkedInPrint this page