ترجمات روسية: المعادلة في السياسة الدولية، من سينهار أولاً

الكاتب: الكاتب: ترجمة أحمد إسكندر لألكسندر دوغين

18-10-2016

المصطلح الشائك (Deep State)، والذي قد يفهم منه رجال الدولة المتميزين والمتعمقين، والجاهزين للعمل في الظروف الحرجة، فيما يتعارض أحياناً مع قواعد القانون، وذلك لإنقاذ الدولة، والتي ما تظهر غالباً في "نظريات المؤامرة" مثل كائن من الأوهام التأمرية. بالنسبة للديمقراطيين الليبراليين والقانونيين "الصارمين"، يعتبر هذا المفهوم نوعاً من التلوين المحتقر أو نوعاً من أنواع الفن الهابط.
14797345_10154041090126915_2057394633_n

مصطلح Deep State يعني (الدولة العميقة) أو (الحكومة المتعمقة)، وبتحرير دلالات المصطلح نستطيع الحصول على المعنى الحقيقي الناتج عن العلاقة المشتركة للمكونات الأساسية السياسية الثلاثة للمجتمع (الحكومة، المجتمع، القانون)، والتي تتسق مكوناتها أحياناً بشكل جيد وأحياناً أخرى بشكل بسيط، وأحياناً لا تتسق أبداً مع بعضها.

في هذه الحالة يدخل في حيز التنفيذ اختيار الأولويات، حيث أن هيمنة المجتمع تعطي نتيجة (الديموقراطية فوق كل اعتبار) حتى لو كان ضد الدولة والقانون، أما هيمنة القانون فتعطي (القانون فوق الجميع، لا أحد لديه الحق في خرق القانون، لا الشعب ولا الدولة)، أما هيمنة الدولة (المجلس العسكري، لجنة الإنقاذ الوطني أو الانقلاب العسكري كما حدث مؤخراً في مصر بدعوى الديموقراطية ضد الشرعية)، موضوع المجلس العسكري والانقلاب العسكري يمكن أن يكون أحياناً ضد القانون أو في بعض الحالات ضد الشعب، وفي هذه الحالة فإن مفهوم الدولة العميقة يكون على شكل أفراد النخبة الداخليين للمجالات (الإدارية، العسكرية، الاقتصادية، الثقافية والدينية)، وهنا الدولة لا تفهم على أنها نسيج متكامل ومتناسق مع الكيانات الأخرى في الدولة، أي الشعب والقانون، بل تكون على شكل أيدولوجية خاصة أعلى من القانون وأعلى من حقوق الشعب، وهذه الأيدولوجية في هذا السياق لا تقف عند حد أو صلاحيات ثابتة.

مصطلح عمق الدولة لا يمكن أن يكون منبراً للنخبة أبداً، كما هو الحال دائماً وفي كل مكان، بل يكون عندما تتحول الدولة إلى أيدولوجية تغير نفسها ونوعيتها دون الدور الوظيفي والعملي لأفراد النخبة، وتتوقف عن كونها شكلاً لتصبح محتوى، تتوقف عن كونها سياسة الأحداث لتصبح جوهرها، أن تصبح فكرة فصل الدولة عن أفراد النخب واقعية، وتصبح جزءاً من مجموعات النخبة الخاصة، وليست أفراداً، والتي تأخذ الدولة على أنها فلسفة، ولذلك وفي مصطلح مجموعة (الدولة العميقة) نحن بحاجة إلى زعماء روحيين ومثقفين وفلاسفة دولة مثل هيغل في بروسيا.

مفهوم الدولة العميقة يبنى على وجهات نظر الواقعية (وهنا يجب فهم الواقعية على أنها مفهوم في مجالات العلاقات الدولية والتي تركز في مقامها الأول على مصالح الدولة القومية في السياسات الدولية ومعارضة الليبرالية)، وقد يكون أيضاً وظيفة إضافية على شكل أفكار تقدمية أكثر تقدماً في المجالات (الجيوسياسية، الدينية، الفلسفية، والاجتماعية، وغيرها)، والتي تعمل على تعزيز المفهوم الصحيح للدولة من خلال معالجة الهوية الأساسية للطبقات، ولكن هذه الفكرة قد يتم اعتبارها على أنها اختيارية، فمفهوم الدولة العميقة قد يتحقق دونها.

بالنسبة لروسيا فإن مفهوم الدولة العميقة كان قد اختفى في المرحلة الكارثية الأخيرة للاتحاد السوفييتي، وتلك القوى التي كانت تحل مكانها (اللجنة المركزية، الكي جي بي… إلخ) لم تكن غائبة وحسب، بل غير موجودة أصلاً، وتبددت مثل الدخان في عام 1991، وفي ذلك الوقت ما كان موجوداً هو المفهوم المزيف عن الدولة العميقة فقط.

عندما جاء بوتين في عام 1999 تولد انطباع بعودة المفهوم الحقيقي لـ (الدولة العميقة)، وذلك عن طريق تفكك الطبقات العليا وإعادة تشكيل الجزء العلوي من أجهزة المخابرات الروسية والجيش. وإذا حكمنا وفقاً للعوامل الخارجية المهمة في السياسة الدولية نستطيع الوصول إلى أن مفهوم الدولة العميقة يسيطر فعلياً على كل العمليات الرئيسية في روسيا الفيدرالية، والشيء المثير للإعجاب هو قدرة بوتين على وقف العدوان الأمريكي على سوريا، ومقارعة الطابور الخامس من الليبراليين العاملين لمصلحة أمريكا في روسيا بطريقة غير دموية.

ومع ذلك فإن الوضع السياسي الداخلي وتعرضه لوحش نخب الفساد الساخرة، والسياسات الساذجة في السياسة والتعليم والانحطاط الفكري السريع للسكان، والسياسات الليبرالية المدمرة، يشير إلى أن مفهوم الدولة العميقة بدأ بالاتجاه إلى منحى آخر! وذهب إلى عمق آخر يمكن تداركه، وهذا التناقض في تحقيق مفهوم الدولة العميقة داخلياً وخارجياً يشير إلى أن تحقيق هذا المفهوم على المستوى الداخلي ما زال في مراحله الأولى، بالرغم من وجود إنجازات مختلفة أكثر مما كانت عليه في مفهوم الدولة العميقة المزيف في آخر حقبة الاتحاد السوفييتي.

يجب التنبؤ وتحديد أوجه القصور والعمل على بنائها وتغييرها، أو نواجه احتمالاً كارثياً لمفهوم الدولة العميقة باقترابها من الانهيار، ومع ضيق الوقت نظراً لوجود مستوى انحراف عن الشرعية الذي يؤدي إلى زعزعة الاستقرار إلى مرحلة الهدم، خصوصاً في مرحلة الأزمات الاقتصادية التي تقوم أمريكا بتعزيزها وتغذيتها.

وضعنا الحالي يختلف نوعياً عما كان عليه في نهاية الثمانينيات والتسعينيات، الولايات المتحدة وقتها كانت في مرحلة الذروة، وقد أثبتت العولمة مزاياها المختلفة، أما الآن فإن مرحلة الذروة قد مرت، ونظام القطب الواحد انتهى، وبدأت العولمة بفتح جانبها المظلم (على الرغم من استمرارها في زيادة الفوضى وعدم الاستقرار)، أي المفهوم المزيف للدولة العميقة التي لا تستطيع نقل السلطة على الدولة لأي أحد، فما السيناريو الذي يستطيع الأمريكان اقتراحه الآن، المنشغلون في منعطفات كارثتهم النهائية، غير الانهيار والفوضى في روسيا، وذلك حتى لا يستطيع الروس إزعاج ومنع الولايات المتحدة من التعامل مع مشاكلها الغارقة في الصراعات العرقية، الدينية والاجتماعية، وبالتالي فإن مفهوم الدولة العميقة المزيف في هذه الحالة يترنح، والذي لن يستطيع في وقت ما، تقديم أية خطط مستقبلية، وأقصى ما يستطيع عمله هو محاولة تأخير الأمر المحتوم، ألا وهو الانهيار، وفي هذه الحالة ستكون الدولة العميقة بمفهومها الصحيح هو مصيرنا.

الوضع الآن عكس ما كان عليه الأمر في التسعينيات، الليبراليون هم البديل المنظم الوحيد في روسيا، وهم الذين يملكون الدعم الشعبي، الأمر الذي سيكون كافياً مع سلبية المجتمع المستعد لقبول أي قوة. هذا لو كانت الولايات المتحدة فعلاً قوي، لكن الأمر الآن ليس كذلك، ذلك الطابور الخامس الآن لا يملك الشيء المهم، ألا وهو الدعم الخارجي من القطب القوي، كما كان عليه الأمر في التسعينيات، مما سيجعل مصيرهم الانهيار أمام مفهوم الدولة العميقة الحقيقي.

الولايات المتحدة تسقط اليوم، هذه القوة العملاقة المتهورة التي جعلت من نفسها (إمبراطورية العجل الذهبي والكذب والملذات) ستسقط بنفس تهورها، ولكن سقوط تمثال الحرية سيكون أمراً محتوماً ومؤثراً، الدولة العميقة ستحاول عمل كل شيء حتى تنهار أمريكا أولاً، وينهار معها المفهوم المزيف للدولة العميقة الموجود الآن.

المعادلة اليوم في السياسة الدولية تذهب على خط أمريكا وروسيا، وتتلخص فيمن سينهار أولاً، إذا كنا نحن سننهار أولاً، فإن أمريكا ستنهار أيضاً، لكن وبشكل أكثر نعومة وسلاسة، وإذا انهارت أمريكا أولاً فسيكون لدينا وقت لالتقاط النفس الذي سيتبعه انهيار (الاقتصاد، السياسة، الأيدولوجيا، والنظام القانوني الروسي) المرتبة على النموذج الغربي، انهيار الولايات المتحدة سيكون وبالضرورة انهياراً للغرب، وبالتالي نهاية وانهيار الليبرالية الديموقراطية الروسية الغربية، وبما أن مفهوم الدولة العميقة المزيف ليس لديه شيء ضد الليبرالية الديموقراطية الغربية الروسية، فإن هذا سيعني انهيار هذا المفهوم المزيف… متى؟ ليس هناك الكثير من الوقت.

إذن؛ ماذا يجب علينا أن نفعل؟ هذا هو السؤال الممتاز والحديث، والذي لا أحد يسأله… الإجابة على هذا السؤال المطروح بدأت تطفو على السطح، نحن بحاجة إلى المزيد من مفهوم الدولة العميقة الحقيقي، لا المفهوم المزيف السائر الآن، السطحي من الناحية التكنولوجية والوظيفية، والضعيف من الناحية الفكرية، وهنا يجدر بنا التفكير إذا كانت هناك ثمة إمكانية لتطوير مفهوم الدولة العميقة، والذي يتطلب نظاماً كاملاً من التحديات التاريخية والجديدة، فإذا كان هذا التطور ممكناً، فلا بد لنا المشاركة فيه ولعب أي دور أو أي صفة، فمن الضروري جداً إعداد مفهوم أعمق من مفهوم الدولة العميقة الحالي، وبشكل أكثر صراحة وتفكيراً.

الشعب والقانون لا يعتبران الحجة الوحيدة في التاريخ، التاريخ دائماً ما كان هو صراع النخب، أي صراع المفهوم الحقيقي للدولة العميقة مع المفهوم المزيف، هذا الصراع القادر على كشف الشفافية والشرعية كما كان، وكما يزال، وكما سيظل.

شارك: Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterPin on PinterestShare on StumbleUponShare on TumblrShare on LinkedInPrint this page