ترجمات روسية: الحرية، يا لها من كلمة رهيبة.. مفهومها ومضمونها في الليبرالية

الكاتب: ترجمة أحمد إسكندر لألكسندر دوغين

03-09-2016

من كتابات ألكسندر دوغين لموقع أوراسيا.
ديوغين - الليبرالية 011

الليبرالية هي شيء مثير للاشمئزاز، كاره للإنسان، عقيدة الخسة، إنه أمر مثير للاشمئزاز من الناحية النظرية والعملية أيضاً. لو كنا نعرف ماذا يقف وراء هذه الكلمة الأجنبية الجميلة لكنا قد ارتددنا وارتعبنا وفررنا في أسرع وقت ممكن وإلى أقصى حد ممكن، لقد حان الوقت لنسمي الأشياء بأسمائها، لقد تم خداعنا بما يكفي.

للوهلة الأولى، كلمة الليبرالية توحي إلى الحرية المأخوذة من الكلمة اليونانية (ليبيرتاس) وتبين أن الليبراليين هم أبطال الحرية، هذه الكلمة التي تبدو جذابة ومغرية. الروح البشرية تحب الحرية وتحب حرية أراضيها، مع ذلك فإن هذه الكلمة المسماة بالليبرالية مغشوشة ومستبدلة، هم يريدون تضليلنا وسرقتنا ولكن هذا الأمر لن ينجح أبداً.

الحرية الليبرالية مفهومة تماماً. هي الحرية السلبية، ومن الأفضل لي هنا بالإشارة إلى منظّر الليبرالية، الفيلسوف الإنجليزي جون ستيوارت ميل، أحد أركان الحرية الليبرالية والذي يزين اسمه القواميس الفلسفية والموسوعات الفكرية المختلفة. ماذا يخبرنا جون ستيوارت ميل المبجل الذي لا يمكن أن يخطئ، لا يخطئ أبداً! وفقاً لجون ستيوارت ميل فإنه يوجد نوعين من الحريات، النوع الأول هو الحرية من كلمة (Liberty)، والنوع الثاني هو الحرية من كلمة (Freedom)، وأنهما ليسا نفس الشيء كما يؤكد لنا المبجل جون ستيوارت ميل.

(Liberty) هو المفهوم الذي نشأ منه مصطلح الليبرالية، وهنا تبدأ المفاجآت بالظهور، وفقاً لميل فإن (Liberty) هي الحرية السلبية والتي يعتبرها ميل فريدة من نوعها، الأساسية والأكثر أهمية. ويضيف ميل قائلاً بأن هدف الليبراليين هو التحرر من الالتزامات السياسية، الاجتماعية، الدينية، الطبقية، والتقليدية، وهي حرية الفرد في المجتمع من العلاقات، التبعيات، والتقديرات الاجتماعية. حيث أن الليبرالية تصر على أن مقياس كل شيء هو الفرد المتداول، فهو معنى الوجود وقطب الحياة، فلا تزعجوه في عمل كل ما يريد، أي دفعه نحو الأنانية والجشع هذه! فالجشع والأنانية هما من أهم ركائز الفلسفة الليبرالية، حيث أن الفرد مدفوع بالأنانية والجشع، ويجب أن يؤخذ كمعيار عالمي، ولذلك -على حد قوله- يجب إزالة جميع القيود القانونية، الإدارية، الأخلاقية، الدينية، الاجتماعية.. إلخ.

يا له من ابتكار جميل كان في وقته، فلم يعد هناك وجود للمعايير الدينية والأخلاقية، وليس هناك أيه التزامات طائفية وعرقية، ولا يجب وجود سيطرة من الدولة والمجتمع على النشاط الاقتصادي، ففي المنظر العام ليس هناك وجود على الإطلاق للدولة أو المجتمع، يوجد فقط لعبة الفوضى للأفراد المتداولين بلا وطن، إيمان، أخلاق، وثقافة، غير المسيطر عليهم من أي شيء أو أي التزام، حيث أن كل فرد منهم يكون حريصاً على تلبية غرائزه كسلطة غير عقلانية مثل (اليد الخفية للسوق) التي توجه هذه العملية لتحقيق الهدف المنشود ليزداد السمين سمنة، ويصبح الغني أكثر غنى، ويزدهر الناجحون في ظل عدم وجود أية التزامات تتحكم بهم.

هذا هو مصطلح الحرية في مفهومهم (“التحرر من”)، والإنكار في هذه الكلمة يبدو واضحاً جداً، الشيء الذي يجب على الفرد التحرر منه، إنها أشياء حقيقية وملموسة، نعم فالإنسان في المجتمع تحكمه وتقيده أشياء كثيرة، وعملية التخلص من هذه الحواجز والمعايير الأخلاقية والالتزامات الاجتماعية شفافة للغاية؛ ممنوعات أقل، التزامات أقل، ضرائب أقل، وتقارير أقل.

وهنا لا بد من طرح سؤال صعب: لماذا نحتاج إلى مثل هذه الحرية؟ فقد فهمنا مسبقاً (“التحرر من ماذا”)، ولكن السؤال هو (“التحرر لماذا”)؟

وهنا يعطينا جون ستيوارت ميل كلمة جديدة (Freedom)، والتي يفهم من خلالها معنى (“التحرر لماذا”). الوضوح، الشفافية، وتسلسل الفلسفة الليبرالية لميل تتوقف عند هذا الحد كالدجاجة الدائخة في الرمال. مفهوم (“التحرر لماذا”) بالنسبة لميل يبدو فارغاً وبلا معنى، وهو يخيف ميل وأصدقائه الليبراليين لأنه يرسلهم إلى أعماق الميتافيزيقيا وإلى أساسيات الروح البشرية، والتي ليس من السهل التعامل معها.

مفهوم (“لماذا التحرر”) -Freedom- يتطلب هدفاً أسمى وفهماً أساسياً للإنسان، ويضع الكثير من الأسئلة الصعبة مثل: ما هو المعنى الإيجابي من الحياة؟ ولماذا يولد الإنسان، يعمل، يعيش، يتنفس، ويحب؟ أين ولماذا يجب عليه بذل طاقاته التي تولد معه وتنمو معه، والتي تجعله يعمل الخطوات الأولى في حياته ويتحدث بالكلمات الأولى ويبني المنازل ويقيم العلاقات ويكون الأسرة؟ إن مفهوم Freedom ضربة في قلب الإنسان وظلام جديد واهٍ للحياة التي ترمينا إليها الأسئلة الفلسفية، إنه لخطر! إنه لجنون! إنها هوة عميقة ومخفية!

جون ستيوارت ميل يصغر أمام كل هذه الأسئلة، يكتئب أمام هذا الوجود المرعب للحرية الإيجابية، وهو لا يعلم إطلاقاً ما الذي ينبغي القيام به، هو دائماً يمرر الكلمات، يتخفى ويهرب من الإجابة.

هناك في أفق الفلسفة الأوروبية  يظهر الفيلسوف الألماني ذو الاصول السلافية، بأصابعه الصفراء الرقيقة، فريدريك نيتشه، اللامع، القاسي الذي لا يرحم، القاتل مثل رياح الصحراء الخماسينية الذي كتب قائلاً: “تصف نفسك بالحرية؟ أريد سماع أفكارك المهيمنة لا أن ترمي أثقالك عن نفسك، هل أنت من الذين يجب عليهم رمي أثقالهم عن أنفسهم؟ ليسو بالأقلية من فقدوا قيمهم عندما تحرروا من عبوديتهم الخاصة! متحرر من ماذا؟ وماذا يهمك في هذه القيم!! لكن نظرة عينيك الواضحة يجب أن تقول لي مما أنت متحرر؟”.

بواحدة من هذه الكلمات تم تدمير الليبراليين. (“التحرر من”) هو الطموح لإنهاء العبودية الأبدية، فالروح الحرة تختار دائماً الحرية التي يبدأ وينتهي معها كل شيء، إن كنت تريد التجارة اذهب وتاجر وإن كنت لا تريد لا تذهب، قم، ابقَ، ابنِ، ابتسم، خاطر، فأنت الذي سوف يتحمل نتائج أفعاله ولا أحد يستطيع تخليصك من العناصر والشروط القاسية التي لا ترحم، ليست هناك ضمانة لـ (“الحرية لماذا”)، الحرية تؤخذ بأيدي الرجل القوي الذي لا يتذمر ولا ينتظر الرحمة.

الليبرالية هي سياسة النزوات، ومنصة الأوغاد الباحثين عن وسيلة قانونية لحماية مسروقاتهم واختلاساتهم، ولكننا نحن أناس فخورون بأنفسنا ولا نستطيع تقبل هذا، نحب الحرية الخالصة التي تحرر روح الإنسان ولا تبدلها بالليبيرالية، المبتذلة والمستبدة.

شارك: Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterPin on PinterestShare on StumbleUponShare on TumblrShare on LinkedInPrint this page