ترجمات روسية: التطرف الإسلامي باعتباره عاملاً للتهديدات الاجتماعية

الكاتب: ترجمة أحمد إسكندر لفاخيت أكايف

18-10-2016

المتطرفون الدينيون الإسلاميون هم بالتأكيد ليسوا تهديداً على المناطق التابعة للإسلام التقليدي فقط، بل أيضاً على المجتمع العلماني العام، وهم الذين نشروا تأثيرهم بين المجتمعات الإسلامية بشكل قوي وعنيف، ووضعوا المعايير والعقوبات لأولئك الذين لا يتبعون نهجهم وأيدولوجيتهم.
%d8%b1%d9%88%d8%b3%d9%8a%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d9%8a%d8%b4%d8%a7%d9%86

لقد تطورت الوهابية في شمال القوقاز ليس فقط نتيجة التطرف الديني، بل نتيجة التطرف السياسي أيضاً، وبالنسبة لممثلي الوهابية في الإسلام التقليدي، فقد كانوا يتصرفون بطريقة عدوانية، ويستخدمون العنف بشتى أنواعه، حتى العنف البدني، وقد استند النشاط السياسي الوهابي إلى المواجهة مع الدولة، ومع رجال الدين الإسلامي الرسمي، الذين دعموا السلطات في اتخاذ الخطوات اللازمة لمواجهة الوهابية.

في عام 1998 اغتيل إمام المسجد المركزي في غروزني، وقد تبين أثناء التحقيق بأن الجاني لم يعجبه أيدولوجيا ومواعظ هذا الإمام الذي انتقد الوهابيين بطريقة معتدلة، وعندما سئل الجاني عن سبب إطلاقه النار على مسلم بريء، قال أنه تلقى الضوء الأخضر (من فوق)، ووقتها أطلق أقارب الإمام المجني عليه مبدأ النار على القاتل ثأراً لدم ابنهم.

وفي حادثة أخرى في منطقة من مناطق غروزني، قام أحد الوهابيين بإطلاق النار على إخوته الكبار، لمجرد أنهم قاموا بتأنيبه لتجاهله العادات الوطنية في البلاد، وفي منطقة (أوروس مارتان) تم إنشاء أول مركز وهابي، والذي كان يحظى برعاية كل من (باسايف وخطاب)، وقد كان هذا المركز يعتمد على جزء كبير من الشباب من العائلات الفقيرة والمحرومة، والذين كانوا يتعرضون لضغوطات مالية كبيرة، ويتعرضون لأفكار التطرف الديني، والذين اجتازوا تدريباً دينياً وعسكرياً، والذين طلب منهم الطاعة الصارمة لأوامر القائد المباشر في وقتها (الأمير)، والذي كان يخالف أوامره يتعرض لعقوبات شديدة.

سعى الوهابيون إلى إقامة النظام الإسلامي في مناطق الشيشان، وقد قاموا بتوفير الحملات الممنهجة وبشكل دوري للتحقق من لباس المرأة في تلك المناطق، التي طلب منهم فيها ارتداء اللباس حسب الشريعة، وعند اكتشافهم لأية مخالفات كانوا يضربون النساء، كما كان هناك انتشار للكثير من الفتاوى التي أباحت اختطاف الناس وقتلهم، كما تم إنشاء مركز وهابي آخر في قرية صغيرة اسمها (خاتوني)، والتي كان معظم سكانها من منطقة (داغيستان)، والذين ذهبوا إلى الشيشان في سبيل (الجهاد)، والذين تزوجوا من فتيات القرية لمصالح مالية.

ومن أبناء قرية خاتوني كان هناك (إسلام حليموف، عيسى عماروف، المان يوسوبوف)، الذين كانوا مؤيدين وبشكل واضح للوهابية، والمطالبين بأمراء لتطبيق النهج والأيدولوجية الإسلامية.

عيسى عماروف؛ والذي أظهر نفسه كأستاذ للعلوم السياسية، قد قام بقيادة برنامج خاص على التلفزيون المحلي الذي كان يقوم فيه بنشر الإسلام السياسي وتوعية المواطنين، وقد كان دائماً يقوم بتذنيب المجتمع الدولي بسعيهم وراء محاربة الإسلام والمسلمين (حسب رأيه).

وقد كان هذا المركز على ارتباط وثيق بوزير التعليم (عبد الوهاب حسينوف)، والذي استغل منصبه وأجبر مدراء المدارس على تدريس (الإسلام النقي)، والذي شارك رسمياً في نشر (الأدب الوهابي)، وبدعم من نائبه تم نشر أكثر من 10000 نسخة من كتب (أصول الدين) في كتابين، والتي كانت موجهة إلى الصفوف المدرسية العليا والصغرى في المدارس الحكومية، وفي الكتاب الثاني قد تم إيصال الرسالة التالية: (نحن المسلمون في دولة الشيشان الإسلامية، علينا مسؤولية كبيرة في مساعدة بعضنا البعض لاستعادة العلاقات بيننا، والتي تم كسرها وقلعها في بلاد الكفار والشيوعيين). وهذه الكلمات من مفهوم المساعدة المتبادلة في الإسلام حيث يجب على كل مسلم المساعدة في ذلك.

ولذلك وفي فترة الحكم السوفييتي نتج الكثير من الأضرار الروحية والمادية للمسلمين، ولكن في فترة ما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، فقد هيمن المتطرفون الدينيون والسياسيون على الشيشان، والذين قاموا بالمضايقات والعنف، الأمر الذي أدى إلى استحالة إقامة علاقات جيدة وطيبة معهم.

عن طريق الغزو في الثقافة التقليدية، قامت الوهابية بتقويض الأسس الروحية والتقليدية في شمال القوقاز، وممارساتهم أثبتت أنها ليست فقط متعنتة دينياً وحسب، بل ومتطرفة بشدة، الأمر الذي أدى إلى تهديد الأمن والسلامة الإقليميين لجمهورية داغيستان، عن طريق نشر النعرات الدينية والعرقية، الأمر الذي دفع مجلس الشعب في جمهورية داغيستان إلى إصدار قانون في عام 1999 بحظر الوهابية والأنشطة المتطرفة الأخرى في منطقة داغيستان.

في عام 2000 تأسست المكافحة العامة لمحاربة الوهابية في (شيركاسي)، وتم تقييم النشاطات الدينية هناك على أنها تطرف ديني شديد، وجرى تعميم المنشورات التي تحذر من خطر الوهابية والتطرف العنصري الديني الناتجة عن غزو الوهابيين في المناطق الجبلية لداغيستان القريبة من الشيشان، وقد كان لهذا الأمر أثراً كبيراً على الشعب الشيشاني، حيث أن الحرب الثانية في الشيشان كانت تراجيدية، مما أدى إلى دمار هائل وخسائر كبيرة في الأرواح ومعاناة لم يكن لها أي داع.

بعد بدء الغارات الوهابية في داغيستان، قال مولادي أودوغوف (النائب الأول لرئيس الوزراء الشيشاني والمسؤول الإعلامي عن القضية الشيشانية وقتها) وعلى موقعه على الإنترنت (كفكاز سنتر) بياناً مشتركاً من (مجلس الشورى الإسلامية في داغيستان) و (الحكومة الإسلامية في داغيستان)، والذي جاء فيه بأن المسلمين في داغيستان لا يقومون بالحرب ضد الروس كما تدعي قنوات التلفزيون والصحافة في موسكو، بل إنهم يحاربون ضد نظام الرئيس بوريس يلتسن ومؤيديه الدوليين الكارهين لكل المواطنيين الوطنيين والأصليين الروس، وقد تم الإشارة في هذا البيان إلى أن الوطنيين الروس الكارهين لبوريس يلتسين. أمريكا و “إسرائيل” كان يجب عليهم رؤية المسلمين في داغيستان كحلفاء لهم، وعدم الانضمام إلى مجموعة الكذابين والمحرضيين الذين يريدون جر روسيا إلى حرب أخرى مع المسلمين، كما ادعى الوهابيون بأن التهديد الروسي لا يأتي من روسيا نفسها، بل من القلة (الأوليغارش) والديموقراطين وحكام المناطق الروسية العملاء للغرب، كما اعتبروا المسلمين في القفقاز كحليف لروسيا في حربها ضد النظام العالمي الجديد.

بعد إثارة الحرب في داغيستان وبعدها في الشيشان، بدأ الوهابيون بالسعي وراء تبريرات جيوسياسية لجرائمهم التي عانى منها عشرات الآلاف من المواطنين الروس في الشيشان وداغيستان، كما أن بعض العلماء الروس في موسكو كانوا يرون في الوهابية ميولاً ديموقراطياً ومعارضة للخصائص التقليدية في الإسلام والصوفية في القفقاز الشمالي، ورأوا بأن الحركة الوهابية في الشمال هي ظاهرة دينية معتدلة، والتي اتضح فيما بعد بأنها لم تكن الصورة الحقيقية لهم.

وقد قام كافلان حانبابايف بتشخيص الوهابية على أنها: (الوهابية في داغيستان أعطت إثباتا على أنها حركة دينية سياسية عنيفة، وقادت كفاحاً مسلحاً ضد النظام الدستوري، بل وضد الناس المتدينين البسطاء الذين لا يناسبون أيدولوجيتهم).

البروباغندا للتطرف الديني والسياسي، واستخدام أساليب عنيفة وصولاً إلى قتل المعارضيين السياسيين، هو شكل شديد التطرف في الوهابية، وقد اكتسب قبولاً شائعاً في منطقة القوقاز، وإنه يؤثر وبشكل مباشر على ممثلي الإسلام التقليدي، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن التطرف في شمال القوقاز كان موجهاً ضد الإسلام التقليدي.

الأعمال الوهابية الملموسة، والتي كان يختبىء خلفها الذين قاموا بجرائم مختلفة، كانت تهدف إلى تحقيق استراتيجياتهم السياسية والدينية، حيث أن الوهابية كانت تهدف إلى الاستيلاء على السلطة في الجمهوريات المسلمة في شمال القوقاز، الأمر الذي من شأنه تشكيل تهديد مباشر على سلامة الدولة الروسية، بانتشار الفكر والأيدولوجية الوهابية في شمال القوقاز بشكل خاص، وفي روسيا بشكل عام، وذلك بتمويل من المجموعات الإسلامية ورابطة العالم المسلم، عن طريق وسائل ومنظمات مختلفة تابعة للسعودية، وعلى ما يبدو أن تمويل الجماعات الإسلامية في داغيستان وشمال القوقاز كانت تأتي من الخارج.

أصبحت الوهابية في شمال القوقاز التهديد الحقيقي لأمن شعوب شمال القوقاز، الذين يرتبط تاريخهم ومصيرهم بروسيا، الوهابية زرعت منظمات تتم إدارتها بشكل منظم عسكرياً وسياسياً، ولديها أيدولوجيا واسعة ومنتشرة مع مراكز الإسلام السياسي في الدول الإسلامية وفي الغرب أيضاً، وقد كانوا يشكلون القوة الضاربة التي تهدد أمن روسيا واستقرارها وزعزعة الوضع السياسي فيها.

بجانب العمليات العسكرية للوهابية في داغيستان، كان يخرج أودوغوف وأنصاره على شاشات التلفاز ووسائل الإعلام بهدف نشر الجهاد ضد روسيا، وكانوا دائماً يؤكدون على أن الجهاد والموت في سبيل الله لهو شرف كبير لأي مسلم وطريق مفتوح إلى الجنة، كما أن خطباء المساجد كانوا يقومون بدورهم في نشر الوهابية عن طريق خطبهم الموجهة إلى شرائح كبيرة من الشباب الذي يعاني من ضعف التعليم وسوء الأحوال المالية.

شكلت الوهابية أيضاً تهديداً مباشراً على منطقة قبردينو – بلقاريا (وهي إحدى الكيانات الفيدرالية في روسيا)، حيث كتبت صحيفة شمال القوقاز: (في الآونة الأخيرة لاحظنا العديد من المظاهر الفردية للوهابية، وقد اتخذت شكلاً يهدد سلامة وأمن قبردينو – بلقاريا، وهذا يجعلنا ندرك بأن الوهابية بدأت في اختراق الهدوء النسبي الذي ساد على العلاقات العرقية والطائفية في الجمهورية، الأمر الذي من شأنه أن يشكل تهديداً حقيقياً ومباشراً على سلامة وأمن الشعب هناك، ويجب على الحكومة اتخاذ تدابير صارمة لمواجهة هذا الأمر).

في الكثير من الدراسات والتحقيقات؛ فإن الوهابيين في شمال القوقاز كانوا يعتبرون كـ (ناقلات) للتطرف الديني والسياسي، ويشكلون خطراً كبيراً على المجتمع، لذلك كتب أليكسي مالاشينكو (المستشرق الروسي المتخصص في الدراسات الإسلامية والعلوم السياسية) قائلاً: “الخطر الإسلامي جاء من الشيشان، ولكن القلة من الناس التفتوا إلى حقيقة الصراع في الشيشان الذي كانت نتائجه مؤلمة، والموجهة ضد تجاوزات الانفصاليين والتحذير من التطرف الديني، الأمر الذي كان يتطلب ثمناً باهظاً لتحقيق الجهاد”، وهنا تأتي الإشارة إلى أن الخطر الإسلامي في المنطقة مبالغ فيه إلى حد ما، لأن الظواهر السياسية والدينية، والتطرف الإسلامي “الراديكالي” هي أمور غير شيشانية الأصل، تم فرضها على الشيشان عبر داغيستان، ومن خلال المراكز الدينية الأجنبية ذات الصلة.

كلمة الجهاد تفهم على أنها حرب مقدسة ضد من يسمونهم (المشركين)، دعا إليها أنصار الوهابية وليس أنصار الإسلام التقليدي، ولكن لا السلطات الشيشانية ولا السلطات الروسية كانتا قادرتين على فعل شيء لمنع الحرب في شمال القوقاز، مما أدى إلى دمار كبير وقتل الأبرياء والإساءة إلى المدنيين، ولذلك مشكلة التطرف الديني في منطقة شمال القوقاز لم يتم حلها.

وهنا تجدر الإشارة إلى حقيقة محاكمة الشرطة والجيش للوهابيين المتطرفين، الذين كانوا لا يشكلون خطراً على حقوق الانسان فقط، بل العمل على اختفاء الإنسان بشكل تام عن طريق القتل والتنكيل، هذه الحقائق هي ليست إلّا استنساخاً للتطرف الديني، الذي يشكل أخطاراً رهيبة على المجتمع وأمن الناس فيه، كما يشكل تهديداً حقيقياً للثقافات التقليدية بما فيها الإسلام نفسه، مصطلحات مثل (التطرف الإسلامي، الإرهابيين المسلمين، الإرهابيين الشيشان) التي تتواجد بوفرة في القاموس الروسي تعتبر غير صحيحة، لأنها أيدولوجية منتشرة في أنحاء العالم، قامت بنشر الرعب والإرهاب في المجتمعات عن طريق نشر أفكارها وأيدولوجيتها عبر وسائل الإعلام المختلفة، التي تهدف إلى هدم الإنسان والمجتمعات وتقويض هويتهم.

شارك: Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterPin on PinterestShare on StumbleUponShare on TumblrShare on LinkedInPrint this page