تحرير حلب في ميزان الأزمة السوريّة

الكاتب: محمد العملة

09-01-2017

حلب خالية من الإرهاب؛ كان فحوى بيان القوات المسلحة العربيّة السّوريّة المعلن في الثاني والعشرين من كانون الأول/ديسمبر بعد أن توجهت آخر قوافل الحافلات الخضر حاملة على متنها ما تبقى من إرهابيين نحو إدلب.
%d9%82%d9%84%d8%b9%d8%a9-%d8%ad%d9%84%d8%a8-%d9%85%d8%ad%d9%85%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%85%d9%84%d8%a9

حلب خالية من الإرهاب؛ كان فحوى بيان القوات المسلحة العربيّة السّوريّة المعلن في الثاني والعشرين من كانون الأول/ديسمبر بعد أن توجهت آخر قوافل الحافلات الخضر حاملة على متنها ما تبقى من إرهابيين نحو إدلب.

أكثر من أربع سنوات مرت والمدينة ترزح تحت وطأة حصار خانق منذ سيطرة الإرهاب التكفيري على أجزاء واسعة من الشق الشرقي لها، وقبل نحو عام بدأ الجيش العربي السوري معركة استعادة حلب، بداية من مطار كويرس، ومرورا بعملية “طوق حلب” التي فتح الجيش العربي السوري فيها أكثر من عشرين جبهة انتهت بتحرير نبّل والزهراء في ريف حلب الشمالي الغربي خلال شباط/فبراير 2016 بعد حصار دام قرابة ثلاث سنوات وبضعة شهور، وقطع طريق الإمداد التركي عن إرهابيي شرق حلب.

خلال الشهور الثلاثة الماضية استكمل الجيش العربي السوري وحلفاؤه تطويق حلب من جنوبها، وخاض خلالها معارك ضارية كنا قد تحدثنا عنها في مقالة سابقة بعنوان “رياح الجهات الأربع“.

بعد تطويق حلب وتحرير أريافها الشمالية والشرقية والجنوبية بدأت عملية تحرير المدينة نفسها، حاولت الحكومة السوريّة في البداية أن تفاوض المسلحين على الخروج وتسليم المدينة، لكن ذلك لم يكتب له النجاح، لتبدأ معه المرحلة الأخيرة في مسلسل تحرير المدينة عبر استعادة أحياء مهمة كالحلوانيّة، البيّاضة، الشيخ لطفي، الصالحين وغيرها، ليعلن الجيش العربي السوري سيطرته على كامل المدينة، وتبدأ بعد ذلك عمليات إخلائها من المسلحين.

خطوات عمليّة

خروج المسلحين نحو إدلب ليس هو الوحيد، وقد لا يرى البعض في سياسة المصالحات أمرا إيجابيا، لكنها في الوقت ذاته تجنب الجيش العربي السوري وحلفائه مواجهات إضافيّة. تحدّث الرئيس السوري بشار الأسد عن هذه المسألة خلال حوار مع صحيفة الوطن السوريّة، واضعا المصالحات في  ميزان الربح والخسارة، فهي تقلل حجم الضحايا والدمار الذي قد يخلفه قتال الإرهابيين داخل المدن، كما يمنحهم فرصة مراجعة أنفسهم علهم يعودون لحياتهم الطبيعية، خصوصا أن بعضهم يقاتل طمعا في المال أو الخوف من الإرهابيين أنفسهم، كما لفت النظر إلى أن مكافحة الإرهاب لا تتم على الطريقة الأمريكية بالقتل فقط، وإنما بتغيير واقع الإرهابيين أنفسهم والسماح لهم بفترة تفكير.

نفس الإجابة حملها الأسد معه في مقابلته المصورة على قناة “روسيا اليوم” قبل نحو أسبوع واصفا الوهابيّة  بالخطر الأيديولوجيّ الحقيقي الذي يجتذب الشباب إليه بوسائل رخيصة كالإعلام والإنترنت، والسبيل الأقل كلفة والأنجع لمكافحته هو وجود أيديولوجيا مضادّة تعبّرعن الإسلام الحقيقي.

الغرْب والأتراك والإخوان بعيون سوريّة

عطفا على المقابلة نفسها، تضمّن حديث الرئيس الأسد نقاطا عن الغرب وسياساتِه، يمكن إجمالها بما يلي:

  • هجوم داعش على تدمر جاء في سياق تشتيت انتباه الجيش العربي السوري عن معركة حلب، وحمَّل فيه المسؤولية لأمريكا التي سمحت لداعش بالتحرك من الرقة ودير الزور والموصل نحو تدمرمعتبرا أنّ القوة الحقيقية لداعش مرتبطة بمقدار الدعم المباشر وغير المباشر الذي تتلقاه من الغرب.
  • عن ترامب قال الأسد أنّه لا يهتم بما يقوله ما خلا الحديث عن الإرهاب بما أن مكافحته هي الأولوية، مضيفا أنه ينظر لأي تقارب روسي أمريكي يتعلق بهذا الموضوع بشكل إيجابي.
  • أن الدول الغربية لم تعد تستطيع الكذب أكثر، وحتى إن كان مواطنو هذه الدول مغيبين عن الأحداث الفعلية في سوريا إلا أنهم باتوا يعرفون كذب الإعلام عليهم؛ فالمساعدات التي يقدمها الاتحاد الأوروبي تُرسَل فقط للإرهابيين، والهجوم الغربي الإعلامي يأتي في سياق فقدان الورقة الأخيرة في حلب بعد أن فقد الغرب دمشق وحمص.

بالعودة لحواره مع صحيفة الوطن، اعتبر الأسد أن فقدان الغرب الورقة الأخيرة في حلب يأتي في سياق العمليات العسكرية الطبيعية ولا يتعلق بالإطار السياسي. وبالمعنى الاستراتيجي فإن النصر العسكري في حلب ودمشق يعني إيجاد الطريق لإنهاء الأزمة في سوريا بوصفها مدنا ذات ثقل سياسي واقتصادي،  وإن كان لا يؤشر لنهاية الحرب في الجمهورية العربية السورية، حرب لن تنتهي إلا بالقضاء على الإرهاب تماما.

خلال حديثه أيضا، يتضح أن الأسد بات غير مقتنع بأي فائدة ترجى من الإخوان وأردوغان، ووصف حماس بالحركة “الإخونجيّة الإرهابية المنافقة”  مهما ارتدت من قوالب أو تقنعت بأي قناع، رغم أن سوريا تعاملت معها بصفتها حركة مقاومة لا حركة إخونجيّة، كما تحدث عن أمله بتحسن العلاقة بين دمشق والقاهرة وعدم بقائها محصورة بالإطار الأمني فقط، معللا ذلك بمحاولات الغرب فرض دور هامشي محدد على مصر، وعبر مشيخات الخليج التي لم تدخل التاريخ وتريد من دولة تحمل واحدةً من أقدم الحضارات في العالم أن تكون مثلها. اللهجة الشديدة امتدت لأردوغان الذي وصفه الأسد بالشخص غير السّوي والمضطرب نفسيّا، وأن بقاءه في قيادة السياسة التركية قد يستدعي تدخّلا عسكريا إذا استمر تدخل الجيش التركي في سوريا.

أطراف في الأزمة

المنطق يستدعي مواجهة عسكرية خصوصا إذا ما تفرَّغ الجيش العربي السوري وتوجّه للقتال على جبهة مدينة “الباب” التي يطمح منها أردوغان للسيطرة على حزام حدودوي يمتد على مساحة مهمة من الحدود التركيّة السّورية، مستكملا بذلك أهداف عمليّة “درع الفرات”. لكن تركيا هُزِمَت في حلب، ولذلك توقفت عمليتها العسكرية في مدينة الباب، وأردوغان يقف كالأبله منتظرا وصول ترامب ليرى إن كان ساعيا لتأجيج الأزمة أو إنْهائها، وللسّبب ذاته شاركت تركيا في المحادثات الإيرانية- الروسيّة – في العاصمة الكازاخيّة “أستانة” –  للبحث عن تسوية سياسية قد تحفظ ماء وجه “أردوغان”، الأحمق الحاكم لها.

السياسة الرّوسية تجاه تركيا في هذه المحادثات تهدف لأمرين رئيسيين، الأول: عزل أنقرة عن الغرب، والثاني: تحجيم دورها السلبي عن طريق إيجاد تسوية سياسيّة تنهي الأزمة.

تمخضت المحادثات على أيّة حال عن إعلان وقف شامل لإطلاق النّار يستثنى منه داعش وجبهة فتح الشام -النصرة سابقا- مما يتيح للجيش العربي السوري وحلفائه تركيز جهودهم على حرب هاتين الجماعتين الإرهابيتين.

أمريكا بعد هزيمتها أيضا في حلب ردّت على استحياء قبل إعلان الاتفاق بأنّها لا تتخذ أي موقف من هذه المحادثات، وهي تترك الأمر للأمم المتحدة بانتظار ما سيقوله المبعوث الأممي “ستيفان دي ميستورا”، لكنها أعلنت على لسان المتحدث باسم وزارة خارجيتها “مارك تونر” ترحيبها بإعلان وقف إطلاق النّار.

العراق وعلى لسان وزير خارجيتها “إبراهيم الجعفري” ألمحت إلى أنها لن تمنع الحشد الشعبي عن استكمال قتال داعش، وهو تصريح ضمني يفصح عن تضافر الجهود العراقية-السّوريّة في مواجهة عدو مشترك واحد.

أما آل سعود المأزومون في اليمن، فلم يظهر لهم أي أثر في المحادثات التي جرت، خروجهم من المعادلة السياسية بات واضحا مع إصرارهم الغبي على رحيل الأسد كشرط مسبق لأي حل سياسي، وبالتالي فإن مفاوضاتهم لا تجلب أي حل بحسب تعبير وزير الدفاع الإيراني “حسين دهقان” الذي أضاف: “أنه يجب الرد عليهم وعلى آخرين أيضا”.

كما أشار دهقان إلى بندين رئيسيين في المحادثات التي تمت، هما: الحفاظ على سوريا موحدة وعدم التشكيك في النظام السياسي السوري الذي يمثله الرئيس بشار الأسد حاليا، وهو ما انعكس على تفاهم داخلي بين الحكومة السورية والوحدات الكردية تسمح الأخيرة بموجبه بدخول المؤسسات الخدمية السورية والشرطة إلى الأحياء التي دخلت إليها الوحدات، لبسط سيادة الدولة عليها، وقد يتضمن الاتفاق ترك بعض الشؤون الإدارية للشرطة المحلية الكردية “الأسايش”.

الجنوب، حيث المقاومة والصهاينة

البندان الّلذان تحدث عنهما الإيرانيون، أشار إليهما سماحة السيد حسن نصرالله -الأمين العام لحزب الله- في خطابه الأخير مطلع الأسبوع الماضي بعد انتصار حلب، سماحته قال بأن هدف إسقاط النظام لم يعد موجودا وبالتالي يُسقِط ضمنيّاً هدفَ السيطرة على كل سوريا مما يعني بقاءها موحدة دون فدرلة.

لسان حال المقاومة التي شاركت في تحرير حلب ألمح إلى أن المرحلة المقبلة ستتركز على عمليات تأمين محيط المدينة ومحيطها تحسّبا لأي هجمات قد يشنّها الإرهابيون عليها.

“إن الذي جرى في حلب خلال الأشهر القليلة الماضية، ثلاثة أو أربعة أشهر، هي حرب حقيقية من أقسى الحروب التي شهدتها سوريا، بل من أقسى الحروب التي شهدتها المنطقة خلال أعوام”، بهذه الكلمات وصف سماحته المعركة التي فجّر فيها العشرات من الانتحاريين أنفسهم في مبانٍ وخطوط تماس تحصّن فيها المقاومون ومغاوير الجيش العربي السوري، والتي لم يهزم فيها الإرهابيون لقلة دعمهم، بل بسبب صمود جنود الجيش العربي السوري وإصرارهم في المعركة.

الدعم الذي تباكى عليه الإرهابيون في قنواتهم الإعلامية وقالوا بقلّته، قارنه سيد المقاومة بمقدار ما قدمته كل هذه الأطراف لفلسطين خلال ستين عاما واصفا إياه بأنه أضعاف مضاعفة، كما هاجم نفس الإعلام الذي مارس الكذب ونشر صورا من مجازر الصهاينة في غزة وحرب تموز المجيدة ونسبها للمعركة في حلب.

سماحته دعا الأطراف التي تدعم أو تموّل الإرهاب في سوريا بأن تتعظ مما تقوم به، هي رسالة وجهها لتركيا التي اتهمها بازدواجية المعايير في قتال داعش داخل سوريا ودعمها في العراق، ناعيا جنودها الذين أحرقتهم داعش في وقت سابق. نفس الرسالة حملها للأردن تعليقا على أحداث الكرك قائلا بالحرف: ” ما جرى في الأيام القليلة الماضية في مدينة الكرك وسقط شهداء من الجنود الأردنيين ومن المدنيين الأردنيين، ومن السواح أيضاً سقط ضحايا بفعل داعش وجريمة داعش. أيتها الحكومة الاردنية: ألا يجب أن تتعظوا؟ ألا يجب أن تتعلموا؟ هذه الرعاية للجماعات المسلحة التي تحمل نفس الفكر.”

المعركة في حلب إذن أسقطت مشروع تقسيم سوريا، هذا ما قاله المدافعون عن سوريا وحزن لأجله أعداؤها.

في تصريح له قال عاموس يادلين  – رئيس معهد أبحاث الأمن القومي في تل أبيب والرئيس السابق للاستخبارات العسكرية -: “إسرائيل في مشكلة استراتيجية بعد ما حدث في حلب”. كلام يعضد ما قاله نتنياهو خلال مؤتمر “دافوس” الأخير أن أفضل ما يمكن الحصول عليه في سوريا هو “بلقنة” هادئة.

لكن الصهاينة بعد فشل مشروعهم الاستراتيجي شمال سوريا وعاصفة الجنوب من قبلها، يطمحون مرة أخرى لاستغلال وجود داعش بدعوى “مكافحة الإرهاب” من أجل إحداث توغل في منطقة الجولان عند حوض اليرموك من جهته الشرقية والشمالية، وتحديدا في بلدة “كفر إلما” الخاضعة لسيطرة داعش، والتي تبعد مسافة بسيطة عن خطّ “برافو” أو الخط الشرقي للمنطقة المنزوعة السلاح بين الجولان المحتل والمحرّر.

وفي وقت سابق قام الصهاينة بإطلاق صواريخ أرض-أرض من داخل الأرض المحتلة لتسقط في مطار المزة غرب دمشق مسببة حرائق متفرقة، لكن الجيد هنا هو اقتناعهم بقوة الردع السورية بعد سقوط طائرتين صهيونيتين بصواريخ الدفاعات الجوية السورية قبل بضعة شهور، وبالتالي اكتفاؤهم باستخدام صواريخ أرض-أرض في الهجوم.

التدخل العسكري ليس الوحيد؛ فبعض الأخبار تحدثت عن اختراق من نوع آخر استخدم فيه الصهاينة منظّمة تدعى “عماليا” يمتلكها رجل الأعمال اليهودي الأمريكي “موتي كاهانا” تحت غطاء “إنساني”، تنشط في الشريط العازل بين الجولان المحتل والمحرر، كما تقدم خدمات طبية لعلاج جرحى الجماعات الإرهابية وتقدم خدمات نقل بشكل دائم للسوريين المقيمين على حدود الجولان إلى الأرض المحتلة.

بعد بداية عام جديد أتمنى أن يكون الأخير في أزمة سوريا، يتضح أن كل مشاريع تقسيم وإسقاط الجمهورية العربية السورية قد تبخرت في الهواء، وبالرغم من كل الآلام والجراح والشهداء والدمار إلا أن سوريا بقيت قلعتنا الأخيرة.. شامخة كقلعة حلب التي ارتفع على برجها علمٌ براية ذات نجمتين خضراوتين.

ما جرى في ميدان المعركة تردد صداه في أروقة السياسة، صدى يقول بأن حلب تحررت، وبأن سوريا انتصرت.

شارك: Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterPin on PinterestShare on StumbleUponShare on TumblrShare on LinkedInPrint this page