بمَ يتمثل الموقف البرجوازي الصغير من الصهيونية؟

الكاتب: د. إبراهيم علوش

04-07-2016

الجزء الأول – الأساس الاقتصادي للبرجوازية الصغيرة.
البرجوازية الصغيرة

كثيراً ما يتهّم الشيوعيون التقليديون الموقف الحاسم من الصهيونية أو وجود الكيان الصهيوني أو مشاريع التعايش معهما بأنه موقفٌ “برجوازي صغير”، أي أنه موقف يعبر، بحسب هؤلاء، عن الانتماء الطبقي لتلك الشرائح الوسطية في الهرم الاقتصادي-الاجتماعي المتراوحة طبقياً، وبالتالي أيديولوجياً، ما بين قطبيْ البرجوازية من جهة والبروليتاريا من جهةٍ أخرى. فما هي البرجوازية الصغيرة، وما هو موشور تياراتها الفكرية والسياسية؟ وهل مَن يعبر عن البرجوازية الصغيرة، في الموقف من الصهيونية، هم أصحاب الموقف الجذري الحاسم منها ومن كيانها ووجودها، الثابتون في الدعوة إلى خوض الصراع معها حتى اجتثاثها، أم أنهم دعاة التعايش مع المشروع الصهيوني، المتقلّبون أبداً ما بين مناهضة الصهيونية و”الأخوة العربية-اليهودية”، وما بين مشاريع “الحلول السياسية” من جهة، والنضال “السلمي والبرلماني” لتغيير “إسرائيل” من الداخل من جهةٍ أخرى؟!

الجزء الأول – البرجوازية الصغيرة وخصائصها

تنشأ البرجوازية الصغيرة حيثما يوجد نظام الإنتاج السلعيّ الحرّ. ولذلك نجد أسلاف البرجوازيين الصغار في التشكيلات ما قبل الرأسمالية أيضاً، الإقطاعية والعبودية، فهي أكثر عراقةً من الناحية التاريخية من النظام الرأسمالي نفسه، ومن منتجاته الاقتصادية-الاجتماعية الرئيسية: البرجوازية والبروليتاريا، غير أن نموّ الرأسمالية التجارية، ومن ثم نظام المانيفاتورة، في المراحل السابقة مباشرة لانبلاج الرأسمالية الصناعية، يخلق أفضل الظروف لازدهار الإنتاج السلعي الصغير، وبالتالي لتكاثر المنتجين الصغار، وهو ما يشكل حاضنة نمط الإنتاج الرأسمالي الكبير. فتعميم الإنتاج السلعي وتوسّعه، من خلال تكاثر المنتجين الصغار أولاً، كان المقدمة الضرورية لنشوء الطبقة البرجوازية الكبيرة التي ما كادت أن تثبت نمطها الإنتاجي، لا بل من أجل تثبيته، حتى راحت تلتهم المنتج الصغير وتتمركز وتتوسع على حسابه.. فانحلال الإنتاج السلعي الصغير يمثل المضمون الرئيسي نظرياً لعملية التراكم الابتدائي للرأسمال، وهو ما اتخذ أشكالاً مختلفة في الأمم المختلفة وفي القرون المختلفة، مما أسفر عن تنوعٍ هائلٍ في التشكيلات البرجوازية الصغيرة.

لكن في المرحلة التاريخية التي أعقبت انتصار نمط الإنتاج الرأسمالي الكبير مباشرة، بعيد الثورة الصناعية في بعض بلدان أوروبا الغربية مثلاً، كان الشكل الرئيسي للبرجوازي الصغير هو: 1) الحرفي في المدينة، و2) الفلاح في الريف، أي مالك المنشأة الإنتاجية أو قطعة الأرض الصغيرة، التي يملكها ويعمل فيها هو وعائلته. ويمكن أن نضيف لهؤلاء فئة رجال الأعمال والتجار الصغار، الذين يعملون برأس مال صغير نسبياً، بمقاييس المرحلة التاريخية، ولا يزال الحديث هنا عن رأسمالية القرن التاسع عشر، قبل أن يتغير التكوين العضوي للبرجوازية الصغيرة نفسها.

المهم أن أهم ما في البرجوازي الصغير، منذ بداية تكوين نمط الإنتاج الرأسمالي الحديث، أنه يتميز بخاصية مزدوجة: إنه مالك وعامل في آنٍ، صاحب رأس مال وشغيل، وقد بات الآن مهدداً في وجوده من قِبل الرأسمالي الكبير، فهو يكرهه، لكنه يطمح في أن يحل محله، وعندما يبلور برنامجاً سياسياً تجده يتراوح ما بين إعادة عقارب التطور الاقتصادي-الاجتماعي إلى الوراء، وما بين اقتراح إجراءات ملموسة هنا والآن لتقييد الرأسمال الكبير! ولذلك فإنه يحتوي في جنباته على نزعات رجعية وتقدمية في آنٍ تعكس دوره المفصوم طبقياً، والمزدوج تاريخياً، فبمقدار ما شكّل قابلة قانونية لولادة نمط الإنتاج الرأسمالي، بمقدار ما أصبح من المستحاثات التاريخية بعد ولادة الرأسمالية الحديثة، كرواسب مرحلة سابقة.

في كتاب “الثامن عشر من برومير لويس بونابرت” مثلاً رفض ماركس أن يعتبر شريحة الفلاحين الصغار، أو مالكي قطع الأرض الصغيرة في فرنسا، طبقة لذاتها، واصفاً إياهم بأنهم أشبه ما يكون بـ “كيس من البطاطا”، تتشابه فيه حبات البطاطا الواحدة والأخرى، من دون أن تندمج عضوياً لتشكيل وعي وروابط قومية وتنظيم سياسي يمثلها، فلا تتجاوز رابطتهم البعد المحلي، على الرغم من أنهم منفصلون طبقياً عن الطبقات الأخرى. لذلك فإن هذه الطبقة بذاتها التي لم تتحول إلى طبقة لذاتها تتسم بصفة التبعثر الجغرافي، والتبعثر ضمن الهرم الاقتصادي-الاجتماعي، على عكس عمال المصانع الكبيرة مثلاً، أو تركز الملكية عند مالكي رأس المال. وتتميز طبقة البرجوازية الصغيرة بأنها تتألف من شرائح غير متجانسة ومبعثرة تضم الفلاحين الصغار والحرفيين وأصحاب المنشآت الصغيرة ورجال الأعمال الصغار، وباتت تضم مع القرن العشرين بيروقراطية الدولة الرأسمالية، ومنها ضباط الجيوش، وملاك إدارات المشاريع التجارية والصناعية والمصرفية الخاصة، وباتت تضم بالأخص المهنيين والتقنيين والمثقفين وأساتذة الجامعات والأطباء والمحامين والمهندسين والعلماء والمبرمجين وما شابه مع حلول الثورة العلمية التكنولوجية الثانية في الدول الرأسمالية المتقدمة في القرن العشرين، وهي مسألة تتعلق بتغير نسب وأوزان الشرائح المكونة للبرجوازية الصغيرة، أي تكوينها العضوي.

وكان يفترض، بحسب التحليل الماركسي الكلاسيكي، أن تنقرض البرجوازية الصغيرة تدريجياً، مع توسّع وتمركز نمط الإنتاج الرأسمالي، ولكن الذي حدث هو عكس ذلك، إذ توسّعت مجموعة الشرائح الوسطى في الدول الرأسمالية المتقدمة، لكن ذلك يخفي أمرين: 1) أنّ الحرفي القديم والفلاح الصغير دخلا في طور الانقراض فعلاً، وأن نسبتهما من البرجوازية الصغيرة باتت تتقلص تدريجياً، 2) أنّ البرجوازي الصغير الحديث فقد الكثير من استقلاليته الإنتاجية، وبات مُلْحقاً بنمط الإنتاج الرأسمالي. مثلاً، صانع الأحذية أو الملابس أو غيرها تحول إلى مجال “التصليح” و”الصيانة”، مثلاً تصليح السيارات والأدوات الكهربائية وغيرها، وهنا أيضاً ثمة “مطاردة” للحرفي الجديد من قبل الرأسمالية الكبيرة المقتحمة لهذا المجال، ليتحول بتزايد إلى موظف لديها. وما ينطبق عليه ينطبق على المهنيين والمثقفين، وحتى العلماء، الذين باتوا ينضمون بتزايد إلى مؤسسات يديرها أو يملكها الرأسمال الكبير. فزمن العالِم غريب الأطوار الذي يعمل منفرداً وبشكل مستقل، وينفق الغالي والنفيس وسنوات عمره، لينتج اكتشافاً أو اختراعاً جديداً بات شيئاً من الماضي، إذ أن عدداً متزايداً من براءات الاختراع المهمة ذات التطبيق التجاري تسجل باسم شركات كبرى أو مؤسسات عسكرية، مقارنةً ببراءات الاختراع التي تسجل باسم أفراد.

ما سبق لا يتطرق لظاهرة البرجوازية الصغيرة في الدول النامية، التابعة أو ذات المشاريع الوطنية المستقلة، التي شهدت نمواً انفجارياً بدورها، والتي تحتاج خواصّ نموها إلى معالجة مستقلّة، ولكنه يطرح مسألة شديدة الأهمية كثيراً ما يتم التعامل معها بطريقة لا منهجية، بل بشكل اعتباطي وعشوائي: هل يتحول المهني/ التقني/ الفني/ الإداري/ المثقف/ العالِم إلى مجرد عامل بأجر، وبالتالي إلى مجرد جزء من الطبقة العاملة، بعد أن يفقد استقلاليته المهنية، أم أنه يظل برجوازياً صغيراً ولو بصفات مختلفة عن أسلافه الطبقيين من حيث امتلاكه لمنشأة أو قطعة أرض صغيرة؟ من المعروف طبعاً أن التحليل الطبقي لا يعتمد على مستوى المعيشة، الراتب الشهري مثلاً، بمقدار ما يعتمد على موقع المرء في الهرم الاقتصادي الاجتماعي، ومن هنا استنتاج لينين مثلاً أن ظروف حياة الكثير من الفلاحين (البرجوازيين الصغار بالتعريف الطبقي) قد تكون أسوأ من ظروف حياة البروليتاريين… فهل العكس صحيح، بمعنى أن ارتفاع راتب الإداري أو التقني أو المهني الوسيط، مقارنةً بعامة العمال، لا يغير من كونه عاملاً؟ رب قائل بأن ذلك قد يجعله من فئة الأرستقراطية العمالية، لكن ما الذي يميز الأرستقراطية العمالية عن بقية العمال سوى دورها الإداري وامتيازاتها ودورها الوظيفي كحلقة وسيطة طبقياً، مما كان يسِمها بوسْم طموح الصعود الاجتماعي أيديولوجياً وسياسياً، ويربطها بالبرجوازية الصغيرة (كما كانت التهمة توجه رسمياً للمناشفة بالتعبير عن مصالح تلك الشريحة)؟

ما سبق يقودنا إلى أسئلة أصعب بكثير، لا نرى من يزعمون التمسك بالتحليل الطبقي يتطرقون إليها، مع أن تركها بدون حلول مقنعة في القرن الواحد والعشرين يترك ثغرات أيديولوجية كبيرة لا يمكن أن تملأها ذكريات المخطط الكلاسيكي للتحليل الطبقي في القرن التاسع عشر… وعلى رأس هذه الأسئلة هو تقلص نسبة البروليتاريا من الطبقة العاملة في أكثر الدول الرأسمالية تقدماً، وتقلص مساهمة الصناعة في الناتج المحلي الإجمالي، وهو اتجاه تاريخي…

ونذكِّر هنا أن البروليتاريا هم عمال المصانع الحديثة، وليس كل من يعمل بأجر، أما التخبيصة الأخرى في التحليل الطبقي عند بعض الجهلة فهي عدم التمييز بين البروليتاريا وعمال الورشات الصغيرة (من عامل إلى خمسة في الورشة)، وعمال المصانع الصغيرة التي تضم بضع دزينات من العمال أو أقل. فأما الورش والمنشآت الإنتاجية الصغيرة فتنتمي لنمط الإنتاج السلعي الصغير، أما الثانية فتنتمي لنمط الإنتاج الرأسمالي الصغير، أما البروليتاريون فعمال المصانع الحديثة التي تضم مئات إلى آلاف العمال في المصنع الواحد، وهو الموضع الاقتصادي-الاجتماعي الذي يفترض أنه يسهم في صقلهم كطبقة، من خلال خاصية التمركز الجغرافي والإنتاجي التي تسهم بتحويلهم إلى جيش. إذن القصة لا تكمن في نسبة العمال في الصناعة عامةً فحسب، مقارنةً بنسبة العمال في التجارة والخدمات والزراعة وغيرها، بل في نسبة العمال في المصانع الكبيرة والحديثة، وهي صفة الصناعة الروسية أبان ثورة أوكتوبر العظمى في العام 1917 التي سمحت بدور طليعي للبروليتاريا بالرغم من الوزن الثقيل للبرجوازية الصغيرة في المجتمع، وهو الوزن الذي فرض فكرة التحالف بين العمال والفلاحين فرْضاً على البرنامج السياسي للبلاشفة..

إذن ماذا يحدث حين تنخفض نسبة البروليتاريا إلى مجموع العمال؟ وماذا يحدث حين تنخفض نسبة العمال في الصناعة إلى مجموع العمال في القطاعات الاقتصادية الأخرى؟ أو حين ينخفض إسهام الصناعة في الناتج المحلي الإجمالي؟ ربما تكون مثل هذه الظاهرة أمراً طبيعياً في الدول المتأخرة أو النامية، الطامحة لتحقيق التنمية الاقتصادية، أما أن تصبح ظاهرة في الدول الرأسمالية الأكثر تقدماً، فذلك ما يحتاج للتفكير. مثلاً، يشير تقرير للبنك الدولي عن نسبة العاملين في الصناعة إلى مجموع العمال إلى أن تلك النسب إما أنها مستقرة عند مستويات منخفضة نسبياً خلال السنوات العشر الفائتة، مثلاً عشرين بالمئة من القوة العاملة في كندا، أو في طور الهبوط البطيء، حيث انخفضت تلك النسبة من 29% إلى 26% في اليابان بين عامي 2006 و2014، وانخفضت خلال الفترة نفسها من 22% إلى 19% في بريطانيا، ومن 30% إلى 28% في ألمانيا، وانخفضت في الولايات المتحدة بشكلٍ مريع من 21% إلى حوالي 13% خلال الفترة نفسها، بحسب هذا المصدر.

فإذا أخذنا بعين الاعتبار أن تعريف العاملين في الصناعة يضم العاملين في المصانع زائد المناجم زائد قطاع البناء، ونظرنا تحديداً لنسبة العاملين في المصانع في الولايات المتحدة، لوجدنا أن تلك النسبة انخفضت من حوالي 10% من القوة العاملة في العام 2004 إلى حوالي 8% من مجموع القوة العاملة في العام 2014، وأنها من المتوقع أن تصل إلى حوالي 7% من القوة العاملة في العام 2024، بحسب هذه دراسة لوزارة العمل في الولايات المتحدة.

ويشير التقرير نفسه أن نسبة العاملين بأجر من مجموع العاملين يتراوح ما بين 92-93% من القوة العاملة، وأن نسبة من يعملون في منشآت خاصة بهم، أو بشكل مستقل، تقلصت قليلاً بين عامي 2004-2014 من 6.6% إلى 5.7% من مجموع القوة العاملة، وأن الزيادة في نسبة القوة العاملة جاءت في قطاع الخدمات، من 8.76% إلى 80.1% بين عامي 2004 و2014، ويتوقع أن تنمو إلى 81% مع العام 2024!

الاستنتاج الأول هنا، البديهي والواضح، هو أن السمة غير الصناعية باتت تطغى تدريجياً على تشكيل الطبقة العاملة في الدول المتقدمة. الاستنتاج الثاني الأقل وضوحاً، الذي يعكس إرث التطور الصناعي في الدول المتقدمة، هو النسبة العالية نسبياً لعمال الصناعة الذين يعملون في المصانع الكبيرة، مثلاً، في العام 2012 كان حوالي 55% من عمال الصناعة في الولايات المتحدة يعملون في مصانع تشغِّل 500 عاملاً أو أكثر بحسب هذا التقرير من دائرة الإحصاءات الأمريكية.

الاستنتاج الثالث الذي يمكن أن نستشفه من التقرير أعلاه أيضاً هو أن أكثر من نصف القوة العاملة تعمل في مؤسسات ضخمة، يعمل فيها أكثر من 500 عامل، حتى في بعض القطاعات غير الصناعية، المملوكة لنفس الشركة، ولو لم يعمل هؤلاء في مكان واحد جغرافياً، مثلاً، سلاسل الوجبة السريعة أو سلاسل مولات Walmart.

إذن ثمة انتقال للعصر ما بعد الصناعي، وفي الوقت نفسه نحو المزيد من التركّز في الملكية في القطاعات غير الصناعية من الاقتصاد، أما نسبة القوة العاملة في الزراعة فتقل كلما ازدادت الدولة تقدماً، وهو قانونٌ علمي يُدرس في مبادئ علم الاقتصاد، مع العلم أن نسبة القوة العاملة في الزراعة في العام 2014 لا تزيد عن 1.5% من المجموع، حوالي ثلثيها يعمل بأجر، وثلثها الباقي يعمل في مزرعته. فالاتجاه العام في التوظيف في الدول المتقدمة بات يأتي خارج الصناعة والزراعة، خصوصاً في القطاعات الخدمية والتجارية، فيما لا يزال البعض يصرّون بعناد مستفحل أن الإنتاج هو الإنتاج السلعي، الملموس، لسلعة ذات لون وطعم ورائحة ووزن وكثافة وطول وعرض وارتفاع فحسب، أما الخدمات فعمل مساند للإنتاج السلعي، كأنه شيء طفيلي عندهم، وهي فكرة مستقاة من فكر الفيزيوقراطيين الفرنسيين من القرن الثامن عشر، ومن المفهوم طبعاً الحديث عن طفيلية المضارِب والمرابي وما شابه، أما النمو الخدمي في قطاعات الصحة والتعليم والشحن والمواصلات والخدمات الفندقية والسياحية، أي خدمات الطبيب والمعلم والخدمات المقدمة لبشر عامةً، وبشكل مباشر لهم، فلا يمكن وصفها بأنها ملحق صغير لعملية الإنتاج السلعي، حتى لو كانت بهدف تحقيق ربح لمؤسسة خاصة، بل تدخل مباشرةً في تحسين نوعية الحياة البشرية، كالسلعة، لأنها تكفي الحاجات البشرية والاقتصادية مثلها، وتباع وتُشرى مثلها، ولو لم تكن ملموسة مثلها. وانخفاض نسبة الصناعة والزراعة من الناتج المحلي الإجمالي، ونسبة التوظيف فيهما، مجرد مؤشر أن البشرية باتت تمتلك الإمكانية التقنية والإدارية لحل مشكلة الإنتاج المادي الملموس، والدخول في عصر الوفرة، وأن العائق بات أكثر وضوحاً من أي وقت مضى: علاقات الإنتاج الرأسمالية التي يفرضها رأس المال المالي الدولي على مستوى المعمورة.

نعود للسؤال إذن: هل مالك المعرفة التقنية أو الفنية أو الإدارية أو العلمية أو العملية المتخصصة لأداء مهمة إنتاجية ما، في مجال السلع أو الخدمات، هو مجرد جزء من الطبقة العاملة إذا كان يعمل بأجر، أم برجوازي صغير حتى لو لم يكن مالكاً صغيراً لعمل مستقل خاص به؟ والحقيقة أن الجواب يبدأ من تحديد العامل الرئيسي في أي نمط إنتاجي. مثلاً، عندما تكون الأرض هي قوة الإنتاج الرئيسية، فإن ملكية الأرض تصبح الوجه الرئيسي لعلاقات الإنتاج الإقطاعية، وعندما يكون المصنع هو قوة الإنتاج الرئيسية، فإن ملكية المصنع تصبح الوجه الرئيسي لعلاقات الإنتاج الرأسمالية، وعندما ندخل في ما يسمى باقتصاد المعرفة، فإن عملية إنتاج العلوم والتكنولوجيا تصبح قوة الإنتاج الأهم، وتصبح ملكيتها وملكية منتجاتها وتطبيقاتها الوجه الرئيسي لعلاقات الإنتاج الرأسمالية ما بعد الصناعية.

وما سبق تحديدات عامة، بمعنى أنها لا تنفي وجود مراحل انتقالية وتداخلات قد تستمر زمناً طويلاً ما بين المرحلة المركنتيلية (التجارية الكبيرة) في نمو الرأسمالية والمرحلة الصناعية في نموها مثلاً، أو ما بين الرأسمالية التابعة وبقايا الإقطاع في العالم الثالث، إلخ… إنما المهم أننا دخلنا اليوم عصر اقتصاد المعرفة، وهو الاقتصاد القائم على إنتاج العلوم والتكنولوجيا، وتحويل المعرفة البشرية إلى أدوات إنتاج واستهلاك، والفكرة هنا أن النمو الاقتصادي الذي اعتمد تاريخياً على كمية الموارد الاقتصادية المتاحة بات يعتمد على تحسين نوعيتها، نوعية رأس المال البشري، كمية ونوعية المعلومات المتاحة وسهولة الوصول إليها، تطوير أنظمة الإدارة، مأسسة عملية الإبداع والاختراع والقدرة على تحويلها إلى منتجات وآلات، إلخ… على مستوى علم الاقتصاد البرجوازي، بدأت تصدر الدراسات الكمية الجادة منذ الخمسينيات، روبرت سولو Solow نموذجاً، لتؤكد أن 80% من الزيادة في إنتاجية العمل بات مصدرها التطور التكنولوجي، وأن الـ 20 بالمئة الباقية مصدرها تراكم رأس المال المادي.

اليوم باتت الأصول تصنف كأصول مادية (مثل الآلات والمعدات والأبنية)، والأصول المالية (الأسهم والسندات والمشتقات المالية)، والأصول غير المالية (حقوق الملكية الفكرية للبرامج والأفلام والاختراعات وغيرها والماركات المسجلة)، وبالتالي باتت ملكية الأصول غير المالية معْلَماً يزداد أهميةً في الاقتصاد الرأسمالي المعاصر في القرن الواحد والعشرين، في الوقت الذي لا يزال يسيطر فيه رأس المال المالي (من خلال الأصول المالية) على العملية الاقتصادية برمتها. ومن هنا فإن شريحة مالكي المعرفة والمواهب المتخصصة القادرة على إنتاج رأس المال غير المالي، شريحة العاملين بعقولهم ومواهبهم وقدراتهم المكتسبة، الذين يشكلون البنية التحتية بمراتبها المختلفة لاقتصاد المعرفة، من أقل معلم مدرسة ابتدائية راتباً إلى أعلى عالِم هندسة جينية راتباً، هم البرجوازية الصغيرة للعصر ما بعد الصناعي، بما يتضمنه تعبير برجوازية صغيرة من تفاوت وعدم تجانس بالضرورة.

هذه الشرائح الوسطية في الهرم الاقتصادي-الاجتماعي، المنفصلة طبقياً عن غيرها وغير المندغمة مع بعضها البعض، هي الطبقة اللاطبقة أو خليط الشرائح المسماة برجوازية صغيرة، ولذلك فإنها تعلن عن وجودها في الميدان فجأة بقوة لتتبخر كأن شيئاً لم يكن. وتنتقل سياسياً من قمة الحماسة إلى منتهى اليأس، وتتأرجح ما بين أقصى اليمين وأقصى اليسار. هذه الشرائح لها بنية فكرية وأيديولوجية محددة سننتقل إليها في الجزء الثاني من هذه المادة، ولكن قبل ذلك لا بد من تحديد مفهوم “الانسلاخ الطبقي”، تلافياً لمفهوم الإسقاط الميكانيكي للنظرية. فليس كل من يوجد في موضع معين في الهرم الاقتصادي-الاجتماعي ينتمي فكرياً وعقائدياً للموضع الذي وُجد فيه. فهناك عمال يفكرون كبرجوازيين، وهنالك برجوازيون صغار يفكرون كبرجوازيين، وهنالك العكس طبعاً، لكن الأعم الأغلب أن الوعي الاجتماعي يحدده الوجود الاجتماعي، وأن الانتماء الطبقي يؤثر في نظرة المرء للعالم، لكن القدرة على تجاوز الحدود الطبقية تبقى قائمة سلباً وإيجاباً، ولولاها لما تمكنت وسائل الإعلام والثقافة الإمبريالية مثلاً أن تجعل كثيراً من الناس حول العالم يفكرون كإمبرياليين، ولما تمكنت الفكرة الثورية من دفع الناس للخروج من جلدهم أحياناً لكي يكونوا ثوريين.

شارك: Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterPin on PinterestShare on StumbleUponShare on TumblrShare on LinkedInPrint this page