بلاسيبو وسحرية اليقين المفرط

الكاتب: يزن حداد

18-10-2016

ما معنى الإيمان في تجريده النظري؟ ما المغزى من أن تؤمن بفكرةٍ ما أو بمنظومة فكرية؟ وهل يمكن حشر التعريف في بوتقة الثيولوجيا وحسب؟ لماذا نشعر بالسكينة عندما ترحل أهواءنا إلى نطاق ما نؤمن به؟ كيف تشكّلت مشاعرنا تجاه ما نعتقد به؟ ولماذا ترتبط في الغالب بالدوغما والدفاع الأعمى وأحياناً العنف؟! قائمة الأسئلة تطول، لتفتح باب النقاش أمام مسألة إشكالية وراهنة في تاريخنا.
%d8%a8%d9%8a%d9%84%d8%a7%d8%b3%d9%8a%d9%88

بلاسيبو Placebo، هي كلمة لاتينية قديمة تعني “أنا سوف أسر”. وقد بدأ استخدام المصطلح بشكلٍ واسع عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية. كان أول من قام بتوظيف هذه الفكرة في البداية هو الطبيب الأمريكي هنري بييتشر Henry Beecher، الذي كان يعمل طبيباً ميدانياً في شمال أفريقيا أثناء الحرب.

عدد الجنود المصابين كان في ازدياد سريع، ومع نقصان الموارد والخدمات الطبية على خطوط المعركة، اضطر الطبيب هنري لاستبدال المورفين بحقنة ماء وملح لتخدير أحد الجنود كي يقوم بخياطة جرحه، والغريب في الأمر أن الألم زال حالاً وتمكّن الطبيب من إجراء العملية بسهولة، دون علم الجندي أنَّ تلك الحقنة ليست مادة مخدرة.

وبعد أن وضعت الحرب أوزارها، عاد هنري بييتشر إلى عمله في جامعة هارفرد، وقام بدراسة تأثير العلاج الكاذب، أو ما بات يُعرف لاحقاً بتأثير البلاسيبو Placebo Effect. حيث وجدَ أن تأثير العقارات الكاذبة حقيقي فعلاً وله وقعٌ كبير على الإنسان، فقد عالج عدداً من الأمراض المختلفة باستخدام البلاسيبو، من الزكام إلى إصابات الحروق من الدرجة الأولى.

تستغل شركات الأدوية الكبرى هذه الآلية في العلاج الآن بغرض تجربة دواءٍ جديد وتقييم فعاليته. يتم ذلك من خلال تعريض مجموعتين من المرضى للتجربة، الأولى مع العقار الحقيقي في مقابل الأُخرى التي تستخدم العقار الكاذب (وهو مادة خاملة Inert تتكون غالباً من السكر والسيليلوز ونشاء الذرة)، وبقياس الفرق في نسبة الشفاء بين المجموعتين يجتاز العقار اختبار البلاسيبو أو يفشل فيه.

عرف البشر نتائج تأثير البلاسيبو منذ فجر التاريخ المسجّل دون أن يدركوا ذلك. ممارسات سحرية وطرق غريبة في العلاج زاوجت بين العالم المرئي والعالم الغيبي. أساليب بدائية تعتمد الشعوذة وتُقنع المريض بشفائه، في حين أن العلاج يتم من الداخل دون الحاجة لإقحام أي قوى وهمية. ربما لأن العنصر الفعّال في البلاسيبو ليس أكثر من حماستنا المفرطة وترقب الشفاء بعيون الطفل الصغير؛ هكذا يخدع العقار الكاذب أدمغتنا لإرغامها على إفراز الأدوية الحقيقية، فالإنسان كما تُظهر الدراسات الحديثة لديه صيدلية متنقلة في جسمه قادرة على التعامل مع معظم الأمراض.

وفي معرض حديثنا عن الدين، يتجلّى تأثير البلاسيبو بوضوح بين ثنايا النصوص التاريخية وما تفرزه من معتقدات وتصورات عن هذا العالم. ففي تصوّر شعوب الأرض البدائية عن الحياة والموت، رزحت مفاهيم قديمة تنظر إلى الواقع من منظور العالم الغيبي؛ لا شيء يحدث وفقاً لقوانين فيزيائية وبيولوجية محددة (كما أصبحنا نعرف اليوم بفضل العِلم)، بل وفق قوانين العالم غير المرئي وإرادته. وبذلك، يمكن شفاء أي نوعٍ من الأمراض بمباركة الآلهة أو الأرواح أو طوطم القبيلة حتى.

التاريخ يعج بالأمثلة الدامغة على قوّة تأثير البلاسيبو، أو النوسيبو Nocebo، وهي نقيض الأولى وتعني “أنا سوف أؤذي”. فعلى سبيل مثلاً، لدى قبيلة “أوجيبفا” الهندية الحمراء ممارسة يقوم بها ساحر القبيلة تقضي برمي صَدَفة سحرية باتجاه العدو، ظنّاً أن ذلك سيصيبه بعلّةٍ في قلبه ويرديه قتيلاً. والمذهل أنها تنجح أغلب الأحيان، حيث ينهار الشخص المستهدف عصبياً لاقتناعه التام بأن رمي الصَدَفة سوف يؤذيه حقاً. أمّا علاج المريض فيتم بعكس العملية، من خلال ترديد التعويذات والرقص حوله وإعطاءه وصفة من الأعشاب المتنوعة؛ ومجدداً، ينجح ساحر القبيلة في شفاء المرض نتيجة اقتناع المريض بذلك. ولا ينطبق هذا الأمر على قبائل “أوجيبفا” أو “أرانغ يينوا” أو قبائل “اللاب” فقط، بل نجد ممارسات البلاسيبو على امتداد التاريخ حتى قبل ظهور الأديان الإبراهيمية ومروراً بها.

ربما كان هذا تماماً ما يعنيه ماركس عندما وصف الدين بأنه أفيون الشعوب وزفرة المخلوقات المضطهدة؛ الملاذ الآمن الذي يلجأ إليه الفقراء كتجاوزٍ لَحظي لشعورهم بالعجز، ويلجأ له الأغنياء لتعزيز شعورهم بالقوة والانتصار. موضوعات هذا العالم كلّها تسير بتخطيط وإرادة قوى خارجة عن نطاق فهمنا، وجُل ما نحتاجه هو أن نضع ثقتنا بها فحسب، أن نغترب عن ذواتنا، عن فعاليتنا البشرية؛ لكنَّ العالم يبقى على حاله في نهاية اليوم ولا شيء يتغيّر. بلاسيبو الأديان يتمظهر في الفواتير المؤجلة التي تخدّر الشعوب وتثبط رغبتها بالمبادرة وتقتل روح الثورة فيها، لأن المكافأة الكبرى تنتظرنا في عالمٍ آخر، في مكانٍ ما، مكانٍ قد يتواجد في عقولنا فقط.

كل ما جرى اليوم ببساطة هو محض تبديل في الأدوار: رجل الدين يلعب دور ساحر القبيلة وطبيبها الروحي، وعوضاً عن الصَدَفة السحرية هنالك مخزونٌ لا ينضب من الأساطير التي نسجتها مخيلة الرعيل الأول وتناقلتها الأجيال بالتعديل أو النسخ والإضافة، والتي تمنح مُصدّقيها مفاتيح الراحة الأبدية والعزاء على الأرض؛ ويستمر العرض على مسرح الواقع مع تغيّر الحضور. هكذا تشكّل تاريخياً الجمهور النفسي للدين وأصبح حامله الاجتماعي. تأثير البلاسيبو كان العامل الموضوعي الأكبر وزناً الذي ساهم في خلق ذلك الجمهور العريض، ونحتِ وعيه من رحم النصوص.

في العام 1969 قام طبيب النفس البولندي روبرت زايونتس Robert Zajonc بعمل تجربة اجتماعية سيكولوجية على الطلبة في عدد من جامعات ميشيغان الأمريكية. تقوم التجربة على دراسة ما أسماه “تأثير مجرد التعرض Mere Exposure Effect”، حيث قام بتركيب بضعة كلمات لا تحمل أي معنى في أية لغة ووضعها على الصفحة الأولى لجريدة الجامعة، مثل كلمة “كارديرغا Kardirga” أو “نانسوما Nansoma” مثلاً، بعض الكلمات طُبعت مرة واحدة فقط أو مرتين وبعض الكلمات الأُخرى تكررت أكثر من ذلك.

عند انتهاء مدة التجربة قام بتوزيع نماذج استطلاع على الطلبة يسألهم فيها إذا ما كانت الكلمات الغريبة التي صادفوها تعني “شيئاً جيداً” أو “شيئاً سيئاً” بحسب رأيهم. وأتت جميع نتائج الاستطلاع متسقة إلى حدٍ بعيد: الكلمات التي ظهرت مرة واحدة أو مرتين ظنّوا أنها قد تعني شيئاً سيئاً، أمّا الكلمات التي تكررت مراراً فقد خلقت لديهم شعوراً بأنها مألوفة وتشير إلى أمرٍ جيّد!

هذا هو وهم اللاحقيقة؛ تكرار الشيء لا يجعله حقيقياً بقدر ما يجعله راسخاً في الباطن، نستكين له ولا نفهمه، يصبح خبزاً يومياً نُشبع منه رغباتنا الروحية دون أن ندرك ماهيته.

إذن على أرضية ما سبق، يتكشف لنا جانبٌ مهم في فهم آلية عمل بلاسيبو المقدّس. فالدين في المجتمعات الشرقية يتداخل مع أنماط المعيشة اليومية للبشر على أكثر من مستوى، وتزداد مساحة تقاطعه مع المنظومة التعليمية والإعلامية والأسرية أيضاً. فالتعرض المتواصل للنص وللمفاهيم الدينية منذ الصغر يجعلنا نميل إلى الاعتقاد بالراحة والطمأنينة في محيطها والإيمان المطلق بصحتها، حتى إن لم يدفعنا ذلك للتوقف لحظة والتفكير فيها. فما الحاجة أساساً للنبش في جذور ما تشرّبناه منذ صغرنا ليستحيل بلاسيبو خاص بنا؟ الميل النفسي الذي خلقه “تأثير مجرد التعرض” للدين يعتمد بصورةٍ جدلية متبادلة على تأثير البلاسيبو. هي حالة متشابكة من سيكولوجيا التخدير الناعم وتكرار الوهم سعياً لإنزاله من بحر الغمام إلى عالمنا، العالم المادي. “فالنظرية تغدو هي أيضاً قوة مادية حين تستحوذ على الجماهير”.

وثمة الكثير من “النظريات” أو الأيديولوجيات التي تخضع للشروط ذاتها بفعل عوامل شبيهة وأُخرى مختلفة. المؤمن في خلاص البشرية من بوابة الكفاح ومقارعة الاحتلال والرجعية يبذل حياته على عتبات دمشق والقدس وبيروت، والمؤمن في خلاصها عبر إعادة عجلة التاريخ إلى ما قبل التاريخ يقاتل بموته وموت غيره. كلاهما يؤمن، كلاهما يجد منارةً فيما يؤمن به، لكن إحداهما تقودنا إلى البر الآمن والثانية “منارة” بلا أنوار.

كما أن المسألة برمتها تطرح سؤالاً هاماً في صلب النقاش؛ عن العلمانية والتقدم والحضارة. هل يمكن تغيير الدور الذي يضطلع به الدين دون المساس بوحدة بنائه الداخلية؟ وهل تنعدم شروط الجدل في أدبيات الدين لتتوارى الحقائق خلف هستيريا الجموع، ربما خجلاً منها؟ ولا أقصد هنا “الحقائق المطلقة” التي تأبى التزحزح من حاضناتها، بل الحقائق العلمية المبنية على التجربة والقياس. وقد أثبتت دراسة التاريخ لنا حقيقةً واحدة مفادها أن حرب الطبقات هي قاطرة التغيير الجذري الأساسية وجُلّ الظواهر تدور في فلكها.

قضية العزوف الفردي عن الدين هي مسألة شخصية لا تعنينا هنا بل تعني صاحبها فقط، نحن معنيون برفع تأثير بلاسيبو الأديان عن الجماهير، عن الوعي الجمعي الذي يحركنا. نحن معنيون بنقل الدين من الساحات العامة إلى مخادعه الخاصة، بتحجيم قوقعة البلاسيبو إلى حيّز الأفراد فقط، بتغيير الدور الجوهري الذي يضطلع به الدين المؤسسي وإقصائه عن مشهد الحدث السياسي، حتى نبني مجتمعاتنا الحداثية التي تحترم التنوّع ولا تنحاز في سبيل التغيير إلا إلى الفقراء والمضطهدين.

شارك: Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterPin on PinterestShare on StumbleUponShare on TumblrShare on LinkedInPrint this page