الواجب الأخلاقي للتعددية القطبية

الكاتب: ترجمة أحمد إسكندر لألكسندر دوغين

08-04-2016

مقال لألكسندر دوغين من موقع حركة أوراسيا الإلكتروني.
ديوغين

وفقاً لتشارلز كراوتهامير، بعد سقوط الاتحاد السوفيتي والعالم ثنائي القطب، بدأت تتحدد الخطوط العريضة لعصر القطبية الأحادية، الذي خلق النموذج الاستراتيجي للعالم الذي نعيش فيه الآن.

الكثير من الخبراء يؤمنون بأن القطبية الأحادية حلقة من حلقات التاريخ الجيوسياسي، ولن تتحول إلى أية حالة موثوق بها أو مستقرة في نهاية المطاف. مع ذلك فإننا ما زلنا نعيش في عالم القطبية الأحادية الذي بدأ عصره بالتغير والتلاشي، وبدأت تحل مكانه إصدارات بديلة لتنظيم الفضاء الاستراتيجي لهذا الكوكب، ولكن لا شيء من هذه الإصدارات يبدو واضحاً أو مهيمناً.

لذلك ما زلنا في لحظات القطبية الواحدة التي هي في مراحلها الأخيرة، وعملية زوالها قد تكون طويلة، وقد بدأت فعلاً على الرغم من إمكانية عدم حدوثها، لذلك فإنه من غير المناسب القيام باستنتاجات متسرعة تؤكد أن نظام القطبية الواحدة والهيمنة الأمريكية قد أصبح من الماضي، وأننا نعيش في مرحلة ما بعد القطبية الأحادية. الأمر ليس كذلك، لأننا ما زلنا نعيش في عالم القطب الواحد، وهو الوضع الجيوسياسي والاستراتيجي السائد، الهيمنة الأمريكية في مجال التقنية العسكرية، وهي حقيقة لا يمكن الجدال فيها. الليبرالية والديموقراطية الليبرالية هي الأيدولوجية السائدة على نطاق عالمي واسع، الغرب ما زال هو الذي يضع المعايير الاقتصاد والسياسة والثقافة والتكنولوجيا، مما يضطر منافسيه (ولا سيما الصين وروسيا) بالتعامل مع معاييره.

يجب فهم القطبية الواحدة على أنها وحدة واحدة، تشمل في مضمونها التوازن العسكري الاستراتيجي، الجغرافيا السياسية، الاقتصاد (الرأسمالية)، القيم الليبرالية، التكنولوجيا، والنماذج العلمية التعليمية، والمعيار السياسي (الديموقراطية الليبرالية).

الديمقراطية والرأسمالية هي ظواهر غربية، مثلها مثل منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وفي يومنا هذا الإنسانية تتقبل تصرفاتهم على أنه الأمر الاعتيادي الأفضل، مما يعني وجود قطب واحد مهيمن على نطاق عالمي واسع، والذي ما زال يحتفظ بنفوذه.

القطبية الأحادية يجب فهمها اليوم بشكل أوسع مما هو متعارف عليه، إن هذه القطبية الأحادية الاصطناعية بدأت في التآكل بشكل فعال، وخلقت بيئة نستطيع أن نطلق عليها “شفق القطبية الأحادية”.

القطبية الأحادية تنطفئ وتحل مكانها الآن أشياء غير معروفة بعد، والمستقبل الحقيقي يكمن في الجانب الآخر من منتصف الليل. والسؤال الفلسفي الذي يطرح نفسه أن هذا هو شفق المساء أم شفق الأشعة الأولى للصباح؟ أعتقد أننا ما زلنا نتحدث عن المساء، أمامنا ليلة الحضارة، والذي لا يشعر باقترابها ما يزال في حلم الليبيرالية العقائدية ومدوخاً بأشباحها، إنها مرحلة النهاية للقطبية الأحادية، ولكن ما زال أمامنا منتصف الليل!

هيكل القطبية الأحادية نتج عن انتصار الغرب الرأسمالي الليبرالي في الحرب الباردة على المعسكر الاشتراكي، فتحول العالم ثنائي القطب إلى أحادي القطب، وهذا يعني تحولاً في الميزان بين القطبين إلى نموذج جديد، يكون المتحكم فيه قطب واحد كمركز للقيادة تخضع له جميع المناطق الأخرى ويتم إدراجها في نظامه.

قدمت بعض التحليلات الماركسية الجديدة نماذج مختلفة، فعلى سبيل المثال في نظرية النظام العالمي لإيمانويل وارلشتاين، والذي يصف بكل دقة صورة القطبية الأحادية في مصطلحات الاقتصاد السياسي، الشمال الغني (متمثلاً في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا الغربية) يركز في أراضيه على الثروة الأساسية، التكنولوجيا العالية والأدوات المالية، والاستفادة من النشاط الاقتصادي لجميع البشرية، حيث أن الشمال الغني يستهلك ما يمتلكه الجنوب الفقير، وهذا وجه من وجوه القطبية الأحادية، باعتبارها الهيكل الجغرافي للرأسمالية الحديثة.

أهمية تكنولوجيا القطبية الأحادية تكمن في أن مصدر هذه التكنولوجيا العالية هو الغرب، الذي يتحكم بعمليات الابتكار والتنفيذ، مما يجبر بقية البشرية على الانضمام لهذه العملية (انتشار أجهزة الكمبيوتر والشبكات، بطاقات الائتمان، الهواتف المحمولة والهواتف الذكية … إلخ)، الأمر الذي يجعل من الاعتماد على الغرب أمراً متزايداً. البرامج الاجتماعية في القطبية الأحادية هي برامج فردية، حيث أن الصراع الليبرالي هو ضد أي شكل من أشكال الهوية الجماعية.

هيكل القطبية الأحادية له أبعاد كثيرة:

• الأبعاد الجيوسياسية (الهيمنة العسكرية لأمريكا وحلف شمال الأطلسي).

• الأبعاد الأيدولوجية (انتشار الليبرالية والديمقراطية الليبرالية).

• الأبعاد الاقتصادية (النظام الرأسمالي العالمي).

• الأبعاد القيمية.

لو نظرنا إلى هذا الهيكل، فإنه من السهل أن نلحظ علامات النهاية، ولكن في الجانب الآخر، فإن هذا النظام يسير بشكل نشط ومكثف في نواحي كثيرة في محيطنا ويحاول الإصرار على معاييره.

السيطرة الجيوسياسية والتفوق الاقتصادي للغرب يبدو ثابتاً نسبياً مقارنة بتقدم وانتعاش دول العالم الثاني (البريكس). الليبرالية ما زالت ترفض وبشكل متزايد المجتمعات التقليدية، وهذا من خلال ثورات (الديموقراطي) في دول العالم الإسلامي التي جعلت السلطة بأيدي قوى أصولية ومتطرفة بشكل متزايد. لكن الولايات المتحدة ما تزال القوة العظمى، والديموقراطية الليبرالية يتم قبولها في الأغلب من كل دول العالم، حيثما حل السوق الاقتصادي، والمؤسسات الديموقراطية (البرلمان، الانتخابات … إلخ)، والتي لا توضع في محل شك أو تساؤل من الأساس.

الخيار البديل 

ماذا يعني الخيار البديل؟ فلنفرض أن القطبية الأحادية انتهت، فماذا سيحل مكانها؟ في ظل الظروف الحالية، لا يوجد خيار سوى التعددية القطبية، وليست القطبية الثنائية كما كان هو الحال في زمن الاتحاد السوفييتي، التعددية القطبية ستكون نوعاً حديثاً من تقسيم مناطق هذا الكوكب وتحديد مراكز القوى فيه، وتعدد الحضارات هذا سيكون مخالفاً لمفهوم تعدد الحضارات في مضمون القطبية الأحادية، وهذا التحول سيكون مؤثراً على كل شيء (الجغرافيا السياسية، القيم، الاقتصاد، التكنولوجيا، الأيدولوجيات، السياسة، الاستراتيجيات بين الجنسين والسلوك الاجتماعي … إلخ).

لحظة القطبية الأحادية تستند على عولمة الغرب، حيث يتم الاعتراف بالحضارة الغربية على أنها الحضارة العالمية والمعيارية، وعملية العولمة هذه في وقتنا الراهن ما هي إلا أكبر دليل لذلك، وهذا الاستعمار والهيمنة الناجحة يتم استخدامها كمبررات تاريخية لمطالبة الغرب بعولمة تجربتها التاريخية الثقافية السياسية والاقتصادية. 

التعددية القطبية وذروة التعميم فيها هو الاعتماد على تعدد الحضارات التي تكون مستقلة وبشكل كامل لتكون بديلة لنظام التفكيك الذاتي للقطبية الأحادية: بدلاً من الهيمنة الجيوسياسية لأمريكا وحلف شمال الأطلسي، سيكون هنالك عدد من الوحدات العسكرية مثل أمريكا الشمالية، الروس أوروبية، الصينية، الهندية، أمريكا اللاتينية، وغيرها.

بدلاً من الليبرالية الإجبارية والديمقراطية، سيكون هناك الضوء الأخضر للكثير من الأيدولوجيات مثل الشيوعية، الملكية، الدينية، الوطنية … إلخ.

بدلاً من الرأسمالية، سيكون هناك نظام الاكتفاء الذاتي ومساحات ضخمة مثل قائمة فريدريخ، مع جميع أنواع المرافق بداية من الإقطاعية إلى الشيوعية والإسلامية والزراعية وحتى الرأسمالية لكن بوصفها ظاهرة إقليمية فقط لا عالمية.

بدلاً من التقدم التكنولوجي المهيمن، سنجد التعددية الحضارية، ليس فقط في الاتجاه التكنولوجي والمادي، بل أيضاً في اتجاه المثالية والتفكير والتأمل.

الانتقال من العولمة الحالية والمتجسدة في لحظات القطبية الأحادية إلى بديل التعددية القطبية سيتزامن مع نهاية الغرب، والذي يربط مصيره مع الحداثة، مما يعني نهاية العالم الحديث. كان الغرب يستطيع الحفاظ على نفسه إذا كان ظاهرة محلية فقط، ووقتها سيكون مجبراً على تغيير هويته بتخليه عن نظرته الشمولية والاستعمارية، الأمر الذي من شأنه إنقاذه كحضارة وثقافة.

ما الذي يخافه المحللون والمستقبليون في تقييمهم للقطبية الأحادية؟ وهل هم خائفون من التعددية القطبية؟

رسمياً، نعم. إنهم يحاولون بشكل جدي معارضتها وسحق أية ميول باتجاهها، ففي المنطق الجيوسياسي، من المحتمل أن تنتج عن التعددية القطبية ولادة روسيا القارية (أوراسيا)، والتي كانت على فترات طويلة من التاريخ تلعب دور الخصم الأساسي للغرب، والتي أعدت الأيدولوجيات والاتجاهات الاستراتيجية المعادية للغرب، ولكن من المنظور الموضوعي فإنه من المستبعد أن تكون روسيا قادرة على التحرك وبشكل كامل في هذا الاتجاه ، أو على الاقل في المستقبل القريب. لذلك لا يجب أن يكون هذا أمراً مرعباً للمنظرين الذين قاموا ببناء النظام العالمي الجديد، والذين هم بانهياره يخشون شيئاً آخر.

الهيمنة الجيوسياسية الأمريكية تحولت في حقبة القطبية الأحادية الى ديكتاتورية عالمية، أصبحت فيها واشنطن عاصمة العالم، وقامت بإدارة كافة العمليات في العالم مباشرة، وذلك بالاعتماد على أتباعها الضعفاء والموالين لها عنوة عن طريق (عصبة الديموقراطيات واستراتيجيات الثورات الملونة، وبناءً على هذا كانت وبشكل واضح القوة العالمية الحاكمة). لقد اعتقد المحللون أن هذا أمراً أبدياً!

وللانتقال من وضع القطبية الأحادية الحالي إلى التعددية القطبية المستقبلية سنحتاج الى محللين جدد، أناس جدد، قادرين على خدمة الجغرافيا السياسية بكل ثبات وثقة، دون التردد أو الوقوع في فخ التشاؤم، وقد لا يكون هذا في متناول الإنسان، الأمر الذي قد يؤدي إلى فوضى.

لذلك نحن بحاجة الى كائنات بعد-إنسانية وقادة لمستقبل العالم مع مجموعة جديدة من الخصائص والكفاءات المدربة في بيئة افتراضية معززة بأحدث ما آلت إليه التكنولوجيا.

للمستقبل نحن بحاجة إلى (مسوخ إيجابية ومتفائلة)، يكون بإمكانها أن تتجاوز الإطار الطبيعي للبشرية، وهذا الإطار المظلم لليبرالية، إننا نشعر باقتراب هذه الكائنات الجديدة التي ستغير مستقبل البشرية أجمع، وتنقلها إلى الصباح المشرق بعد ظلمات الليل.

شارك: Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterPin on PinterestShare on StumbleUponShare on TumblrShare on LinkedInPrint this page