الهذيان القطيعي في الهجوم على فعالية “كاسترو في قلب الحياة”

الكاتب: محمد فرج

06-12-2016

أقيم مهرجان بعنوان "فيديل كاسترو في قلب الحياة"، ودعت إليه بالأساس مجموعة قوى سياسية في الأردن إلى جانب السفارة الفنزويلية التي دعت بنفسها للفعالية، ونفذت بنفسها المهمات اللازمة للموافقة الأمنية، لتجنيب الأطراف المشاركة إجراءات منع النشاط في اللحظات الأخيرة.
%d9%81%d9%8a%d8%af%d9%8a%d9%84-%d9%81%d9%8a-%d9%82%d9%84%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%8a%d8%a7%d8%a9

الآن انتهت الفعالية، وأصبح من الممكن الحديث عما هو هامشي ومعطل للحدث في لحظته، ولكنه جوهري فيما يتعلق في جوهر بنية المعارضة، “أفراداً” ومؤسسات.

يرى إريك فروم أن الدين بالنسبة للإنسان هو إطار للتوجه وموضوع للإخلاص، أي الإنسان بعد أن “يقرر” هذا الإطار والموضوع المعبود يؤسس فكره بناءً على سلوكه المستنبط من “شريعته”، ويؤسس بذلك للعقل التبريري. أهم ما أورده فروم في هذا السياق أنه لم يختصر القاعدة على الأديان التي نعرفها كالإسلام والمسيحية واليهودية، بل أشمل فيها المناصرين المشوشين للأيديولوجيات الأخرى، وهذا يغطي مساحة واسعة من المناصرين المشوشين للماركسية حتى. إذ يقعون في أفخاخ الممارسات الدينية نفسها، وهنا لا أتحدث فقط عن الحفظ الأعمى للنصوص وتجنب التفسير الدقيق لها، وإنما عن السلوك القطيعي لها، كما الأرنب الذي أفرغ الغابة بعد تهيؤاته بنهاية العالم، فلحقت به قطعان الحيوانات، من كل الأصناف، وكما المتدين الذي يلحق بموقف شيخه الجاهل. ما جرى في حملة التحريض ضد هذه الفعالية مطابق لقاعدة فروم، فيبدأ الأرنب الأول ليفرغ الغابة، والأرنب الأول لا يمتلك سوى التهيؤات والأوهام، أما الخراف فلا تمتلك سوى صداها، لا الأرنب ولا الفأر جمعا المعطيات اللازمة للحكم، وتحال هذه المواقف في الحقيقة إلى مواقف ضد أشباح، يقف ضدها بالأساس الطرفان “المتقاتلان”.

والحالة القطيعية أيضاً مرتبطة بتحقيق الذات، فالعضو في القطيع يتجنب المغادرة أحياناً، وكما يقول نيتشه يبقى صوت القطيع يرن في داخله، عجزاً منه عن تأدية حالة إبداعية خارج نصوص الشريعة المشوشة التي تدير القطيع، فالموسيقي المتواضع يفضل تأدية الشعائر اللازمة للقطيع، ولكنه عاجز عن إبداع حالة فنية خارجه، وكذلك الرسام والكاتب والمسرحي وغيرهم. وهذا لا يعني هدماً لفكرة الأدب المواقفي أو الفن المقاوم، فهذه الحالات مؤسسة باتجاه الأفكار وليس باتجاه القطيع والذات المأزومة.

يرى الكثيرون أن مأساة الماركسيين تكمن في قراءتهم لماركس كنص قرآني، ولكنني أرى المأساة أعمق، إذ برأيي أنهم لم يقرؤوه أصلاً، بل سمعوا مرويات مشوشة عنه من الأرنب صاحب التهيؤات، سالف الذكر. إذن هي حالة التزام صارمة عمياء بمبادئ مشوشة، وهنا تكمن المأساة، ومن ذلك قراءة ماركس كمعارض سياسي فقط، واستثناء جانب الفيلسوف الاجتماعي والإنساني العميق.

نشرت مؤخراً مقالاً مختصراً عن الأديب المتصهين إميل حبيبي، بعد أن أتممت دراستي عنه التي لم تنشر بعد. وقد شكلت ردات الفعل حول ذلك المقال تعبيراً واضحاً عن الحالة القطيعية، فسألت واحداً من المحتجين، لماذا تعترض؟ هل قرأت أعمال حبيبي؟ المتشائل، سداسية الأيام الستة، إخطية، أم الروبابيكيا، لكع بن لكع؟ هل شاهدت فيلم “باق في حيفا” الذي أنتجته القناة الرسمية للكيان الصهيوني، أو لإسرائيل كما تفضّل تسميتها؟ إذا كانت الإجابة بـ “لا”، فلم تحمل نفسك وزر الدفاع عن “نبي” لا تعرفه؟

من المهم الحديث عن الاتهامات التي طرحتها هذه الجهات، كمؤسس للحوار في مسائل عامة ومهمة:

أولاً: كاسترو اليساري وكاسترو الشيوعي

جميل! من قبل بلعبة الديمقراطية في الأردن والبرلمان الهش، والحضور كشاهد زور في اجتماعات التنمية السياسية؟  هل كان ذلك مضمن في أدبيات وتجربة كاسترو الشيوعي أم كاسترو اليساري؟ من صفق للبيروسترويكا عندما عارضها كاسترو؟ من راهن على باراك أوباما بعد جورج بوش الإبن لتغيير سياسة الولايات المتحدة الأمريكية؟ من خجل من الدفاع علناً عن “الديكتاتورية” عند شافيز وكاسترو؟ ثمة من فعل الأخيرة، ولكن عن النظام السوري، وللأسف ليس من موقع الموقف الشريف، بل من موقع آخر، يعرفه المعنيون جيداً.

ثانياً: دعوة NGO’s

قبل ثلاثة أعوام، قمنا بتنظيم المؤتمر الأهم إلى الآن في الأردن ضد التمويل الأجنبي، وصدر عن هذا المؤتمر كتاب تضمن بحوث المشاركين فيه، ومساهمات عربية لباحثين متخصصين، ويمكن اعتبار هذه البحوث المرجع الأهم في دراسة ظاهرة التمويل الأجنبي والمنظمات التي تسمي نفسها غير حكومية. لو أن الأطراف التي هاجمت هذا النشاط زودتنا بالمعلومات الكافية لإثبات هذه الفرضية، لقاطعناه. ولكن ما جرى أن قربنا من تفاصيل تنظيم الفعالية، وحساسيتنا المفرطة من مسألة التمويل حتى في وظائفنا الخاصة أكدت لنا نفي هذه الفرضية.

ثالثاً: استبعاد طرف بعينه

حسناً، المجموعات التي دعت إلى هذا النشاط والمجموعات الأخرى على خلاف تاريخي، بموجب أسباب سياسية، فكرية، شخصية، سمّها ما شئت، لا يهم. هذه الأطراف لا تلتقي في فعالية موحدة، وبإصرار من الطرفين، لا ينتهي إلا في شروط محددة. وهذا هو السبب لعدم اجتماعها، لا الأول أقصى الثاني ولا العكس، فهذه المرحلة أصبحت من الماضي أصلاً. ولكن ما جرى، في ظل صمت الأطراف الداعية وانشغالها، عبر الثاني عن رفضه باستخدام الأدوات المذكورة هنا!

الحالة القطيعية هي نقيض التجارب الثورية عندما يتعلق الأمر بفئة “المثقفين الثوريين”، نظام الرأسمالية والدين، كلاهما يعمد إلى تعميم منطق الصورة لأنه الأقرب إلى الحالة القطيعية، فيصبح معنى اليسار والشيوعية مرتبط بمن يسبق في رفع العنوان، حالات التأييد الانفعالية هي نقيض “العقل البارد” الذي يجمع المعطيات بـ “قلب دافئ”.

دروس التجارب الناجحة لتيارات (اليسار) “لن تصل هنا بعد”!

شارك: Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterPin on PinterestShare on StumbleUponShare on TumblrShare on LinkedInPrint this page