القراءة والأدب من منظور طبقي

الكاتب: روزا خليل

19-02-2016

القراءة فعل تحرر؛ فعل تحرر من قبضة العادات الرائجة وسطوة الكهنوت، فعل القراءة فعل ضرورة، نظرة على هرم ماسلو كفيلة بزرع هذه الفكرة في أذهاننا، الحاجة لتحقيق الذات، الحاجة للتقدير، الحاجات الاجتماعية، حاجات الأمان، وحتى الحاجات الفسيولوجية، كلها حاجات لن تنجح في تحقيقها بالشكل المطلوب سوى عبر القراءة، ولكن يبقى أهم ما في الأمر؛ ماذا تقرأ ولماذا تقرأ!
12765786_10153456946721915_242418453_o

القراءة كفيلة بتعزيز انتصاراتك ضمن دائرة الصراع من أجل البقاء، تماماً كما هي كفيلة بسد كافة احتياجاتك، المهم أن تعرف كيف تقرأ، وأن تبني قراءتك النقدية، المهم ماذا تقرأ، حتى في الأدب!

ليس ثمّة ثورة بلا نظرية، والنظرية تحتاج إلى الكتاب، المعرفة والثقافة أمور لا يمكن لها أن تولد سوى من رحم الكتب، نتحدث هنا عن كتب التاريخ والفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس، وحتى الاقتصاد والسياسة، ولكن ماذا عن الأدب!

تتكدس آلاف الكتب الأدبية على رفوف المكتبات، هنالك متاهة بانتظارنا فور الدخول إلى إحدى تلك المكتبات، الواقعية منها أو الإلكترونية. أصبحت الأقلام تنمو على الأشجار، بل وتتساقط مع الأمطار، وتحفر طريقها صعوداً بين شقوق الإسفلت في الشوارع العامة، وتولد على حواف الأرصفة في شتى المدن، كتباً يتيمة، منها ما يصطف على طوابير “الحرام”، ولدت من رحم لهفة على الشهرة، وبنيت على قاعدة هشة من الألفاظ الركيكة، تنادي مدّعي الثقافة للتهافت عليها.

عند دخولك إلى أي مكتبة، ستجد في وسطها طاولة بانتظارك عنوانها “الكتب الأكثر مبيعاً”. وهنا يبدو لي مناسباً أن أعطي نصيحتي الأولى: ابتعدوا عنها، فإنها الأكثر مبيعاً في زمن البيع، لذلك ستكون الأفقر.

كتب تبتذل الجنس، وقصص النجاح وكيف تصبح مليونيراً في ستة أيام، وقوة عقلك الباطن، وكيف تكون رجل أعمال ناجح!

البرجوازية لا تحمل أعباءً خارج إطار المظاهر والمال. لذلك فهي خالية من المضمون، من المعنى الحقيقي للكلمة أو التجربة، هي على الصعيد الفكري فراغ، على الرغم أنها برعت في أوروبا في الفنون والأدب وأدت منجزات حضارية في حقبة سابقة، إلّا أنها ما تلبث أن تعود إلى مصالحها الطبقية، ومع ذلك فإن الحديث هنا يتركز على البرجوازية الرثة والتابعة!

كتلة مستهلكة من اللحم، لا تعرف المعنى الحقيقي للحياة، لا تكترث للروح وغذاء الروح، لم ولن تذق طعم الحبّ مرّة! روميو وجولييت، عنترة وعبلة، جميل وبثينة، قيس وليلى، كلها قصص حب حقيقية لأبناء طبقات غير هذه الطبقة.

جماهير الطبقة البرجوازية، وبسبب تموضعها الطبقي، تركض خلف “الأدب الرخيص” وهمومها أبعد ما تكون عن الواقع. هذه الكتب لا يتهافت عليها سوى من يملك ثمنها، متناسين جميعهم أن قيمة الكتاب ليست أبداً ذلك السعر الملصق على غلافه!

ينزعج أبناء تلك الطبقات من أسماء عظماء الأدب الذين مرّوا على هذه الحياة، وتركوا أثراً يفوق بعظمته أثر الآلهة في بلاد الإغريق قديماً! العظام أشباه دوستويفسكي، هيمنغواي، نجيب محفوظ، عبد الرحمن منيف، وعشرات غيرهم! ليست “روائيتهم” المفضلة سوى دمية بلهاء ترقص بحماقة على أرف المكتبات، سواء أكانت أحلاماً أم أثيراً!

من أكثر الكتب مبيعاً في الوطن العربي للعام المنصرم 2015، كانت بضع كتب من العيار الثقيل، “أولاد حارتنا” و “مدن الملح”.. فسحة من الأمل! ولكن في المقابل، اختنق الأمل عندما تربعت على رأس القائمة روايات أخرى، حصدت المراكز الأولى بجدارة، روايات وكتب تستعرض تحررها وانعتاقها الذي ينطلق أصلاً من عقدها الجنسية، وأخرى منشورات “فيسبوكية” جُمعت على أوراق لا يربط بينها سوى غلاف ذو تصميم مُكلف، وغيرها عن طرق تجميع المليون الأوّل بينما تجلس مستلقياً على أريكة! وقصص مراهقات فقدن حبيبهنّ الأول، وصفٌ لعذابات الليل والوحدة تحت ضوء القمر.. إلخ. تسللت كذلك -بطيبيعة الحال- كتب دينية إلى هذه القائمة، مبعثرة ما بين الصنفين الأول والثاني. ومن هذا الباب: قل لي ماذا تقرأ، أقل لك من أنت.

يحسم ميلان كونديرا الصراع، يُبدد الضباب الذي يجثو على بصرنا: “إن السبب الوحيد لوجود الرواية هو اكتشاف ما تستطيع الرواية وحدها اكتشافه. إن الرواية التي لا تكتشف عنصراً مجهولاً في الوجود هي رواية لا أخلاقية. فالمعرفة هي السمة الأخلاقية الوحيدة في الرواية.”1 وما أكثر الروايات اللا-أخلاقية المزروعة في مكتباتنا في عصرنا هذا يا كونديرا!

تعاني مجتمعاتنا من نقص حاد في التفكير العلمي، وهو نتيجة طبيعية نظراً لخضوعها تحت سيطرة الإمبريالية العالمية، دول أطراف تابعة غير منتجة، مستهلكة بشكل يعيق ويلغي قدرتها على الإنتاج. تقوم دعامات النظام الرأسمالي على الاستهلاك، محوّلاً كل الأشياء إلى سلع، بما فيها الإنسان بقيمه ومشاعره. ومن هذا المنطلق، يتم استغلال الدين كمصدر مدرّ للثروة، وعلى نفس المنوال يستغل الحب والجنس ليتم اختزاله في بضع صفحات يلقى بها على الرفوف. عجلة الاستهلاك تدور بسرعة متنامية واضحة، وإنتاج الأدب والفن الحقيقي يتخبط بين أرجل أصحاب رؤوس الأموال. هل الأدب مُعرّض للخطر؟ وهل ترقد الثقافة على سرير الاحتضار؟

نحن في مواجهة أصعب المراحل التاريخية المهددة للحضارة الإنسانية بشكل عام، والعربية بشكل خاص، وهي أكثر الأوقات حاجة لأن يتسلح الجمهور بثقافة وعلم ومعرفة سليمة لمواجهة النظام الإمبريالي الذي صنع من الإنسان عبداً أجوفاً. صنعوا أفلام داعش الهوليوودية لتُعرض على شاشاتنا، ممررين بذلك أفكار تطرف تهدف إلى نسف كل القيم الإنسانية في النفس البشرية. هذا هو الوقت الذي يجب أن تتجه فيه شعوبنا نحو المكتبات، لتحرق تراهات ابتذال السلعة، بكل صنوفها، والآلهة، وتبحث عن بديل علمي واضح، هذا هو الوقت الذي يستوجب علينا فيه التسلح بأدوات علمية، وتستنير عقولنا التي نخرها سوس الإمبريالية، لنثور في وجه استعباد المال للإنسان، ولنقرأ الأدب الجيّد!

ابحثوا عن الأخلاق، عن “بريق القمر على الزجاج المهشم”2، عن النسيان، والقدر، والطفولة، عن الضحك، والخفة، والتأمل! الشيخوخة، السياسة والفكر، الظلال، والجمال والشباب، الجريمة والعقاب، وأولاد حارتنا! هناك لذّة في القراءة لا يدركها أيّا كان..

ارقصوا مع ماركيز في كوبا، تظاهروا مع إيزابيل ألليندي في تشيلي، احتموا في أحد الأنفاق مع هيمنغواي اختباءً من قنابل الحرب والموت، اسمحوا لليسكانو أن يطلعكم على إبداع الكاتب العاجز عن الكتابة! امسحوا الدماء المتطايرة عن محيّاكم بعد جلسة تعذيب في السجون السياسية مع عبدالرحمن منيف، ومن بعدها اخرجوا معه في نزهة في عمّان. افتحوا النوافذ ليتسلل منها هواء أمريكا اللاتينية إلى بيوتكم، واسمحوا لبرد موسكو أن يزوركم بين الفينة والأخرى. هناك صحراء بأكملها تمنحكم حق الشعور بالحر الحقيقي لمرة! أبحروا في المحيطات، أحبّوا حبّاً يحمل المعنى كله، معنى لا تحمله الرفوف الباهتة. ثوروا مع جيفارا في الجبال، لكن تأكدوا من أن يمدكم قبل ذلك ماركس بما يلزمكم من أدوات تحليل علمي سليمة.

اقرأ، سافر، أحب الحياة! الكتاب نافذة لن يرى النور من خلالها سوى أنقياء القلوب، من كسروا أغلال النظام المستبد. اقرأوا علماً، حباً، سلاماً. اتركوا للعفن أن يهدم ممالك الاستهلاك والخرافات. اقرأ، لكي تصبح إنساناً.

القراءة فعل تحرر وثورة، فلا تحبسها في قصص نجاح مزيّفة، والمدد الذي لن يأتي!

______________________

1 – فن الرواية، ميلان كونديرا.

2- الأديب الروسي أنطون تشيخوف (1860 – 1904): “لا تقل لي إن القمر مضيء، بل أرني بريق ضوئه على زجاج مهشم”.

شارك: Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterPin on PinterestShare on StumbleUponShare on TumblrShare on LinkedInPrint this page