الفقه والسلطنة، هل ثمّة ما يُخجل في العلمانية؟

الكاتب: طلال عبدالله

03-09-2016

ما حدث مع ناهض حتر، الهجوم على قائمة ترفع شعارات "علمانية" على استحياء، البيان الذي أصدرته جهات كنسية حول الانتخابات المقبلة، القوائم التي تأخذ صبغة إسلامية، الصدام المخيف بين المتحمّسين للعلمانية من جهة، وبين من يراها "إهانة" للمجتمع "المحافظ"، كلها أمور استدعت الحاجة إلى كتابة هذه المادة.
الدولة - الدين

أظهر التفاعل مع قضية الكاتب ناهض حتر، وتمزيق يافطات قائمة انتخابية ترفع شعارات “علمانية” على استحياء، و “التأليه” غير المسبوق لأردوغان بعد محاولة الانقلاب عليه في تركيا، مدى خطورة النار التي تقبع تحت الرماد في بلادنا، ولكي لا يساء الفهم؛ فإن هذه المادة لن تتحدث عن تلك القضايا بحد ذاتها، بل ستنقسم إلى محورين، الأول سيأخذ بعداً تاريخياً، أما الثاني فسيتحدث عن مفهوم العلمانية كحل للطائفية والمذهبية وأنهار الدماء التي تمتلئ بها شوارع الوطن العربي.

في التاريخ، الفقيه والسلطان والقس والإمبراطور

لن نعود بذاكرة القارئ هنا إلى زمان بعيد، بل إلى نموذج الدولة العثمانية من جهة، أحد أطول نماذج “الخلافة الإسلامية” في تاريخنا، والتي استمرت لحوالي 600 عام، ومن جهة أخرى إلى نموذج أوروبا العصور الوسطى، ولن يتعدّى هذا الأمر بعض الأسطر.

ليس ثمّة اختلاف أو تمييز قطعي بين التجربة الإسلامية في الشرق والتجربة المسيحية في أوروبا فيما يتعلّق بارتباط الدين بالدولة، تحديداً في الدولة العثمانية، أو فيما يتعلّق بارتباط السلطتين الدينية والمدنية، هذا ما تظهره معطيات ووقائع التاريخ، وقد يكون من الضروري التنويه هنا إلى أن اختلاف المسميات، أو مؤسسية هذا الارتباط، أمور لا تخرج عن شكلية العلاقة فقط، أما جوهرها فلا يختلف إطلاقاً؛ علاقة بين رجل دين أو مؤسسة دينية لها نفوذ كبير في المجتمع والثقافة والقضاء والتعليم، وحاكم له نفوذ مطلق في القضايا السياسية والعسكرية.

من الممكن هنا وصف هذه العلاقة بالعلاقة الوظيفية، وهي لا تختلف في التجارب الإسلامية والمسيحية، حتى في نموذج الدولة العثمانية، لا من حيث النتائج ولا آليات الفعل، ولا حتى من حيث تأسيس الدولة وإضفاء الشرعية الدينية عليها، وبالتالي استمراريتها بفعل رجال الدين الموزّعين على أروقة المؤسسات التعليمية والقضائية والثقافية.

تدّعي بعض الأوساط الإسلامية بأن الدين الإسلامي أمر خاص بعلاقة المرء بالخالق، انطلاقاً من قواعد “أنتم أدرى بأمور دنياكم”، و “لا إكراه في الدين”، وهذا بالمناسبة ما يدّعيه العثمانيون الجدد، تماماً كما تقول بعض الأوساط المسيحية بقاعدة “أعطوا ما لقيصر لقيصر، وما لله لله”، وهو ما بات يعرف بـ “التأويل العلماني” للأديان، وهو أمر لم يشهده التاريخ على الإطلاق، لا هنا ولا هناك، فعلى امتداد التاريخ كان “الله والقيصر”، و”الفقيه والسلطان”، هذا إن لم تجتمع الشخصيّتين في فرد واحد!

“التأويل العلماني” للدين لا يلغي في الحالتين سياقات تاريخية أخرى طويلة ومديدة، فكان استحضار الدين لتحليل وتحريم كل ما يتعلق بأفعال أفراد المجتمع، الخاصة والعامة، وكان احتكار “الحقيقة” وإن تناقضت مع العلم المادي المجرّد، وكان “التكفير” و “التأثيم” لكل من كان له رأياً مغايراً، وهي عوامل سخّرت لخدمة السلطان أو الإمبراطور، وبالتالي للبقاء.

الحديث عن أن الأديان في جوهرها علمانية أمر يجافي الدقة كثيراً، مهما حاولنا الالتفاف حول المصطلحات وتجميلها وتهذيبها وتشذيبها. 

العلمانية بوصفها حلاً

الالتباس الذي تشعر به مجتمعاتنا تجاه العلمانية له الكثير من الأسباب، ومنها حديث البعض عن خطاب إسلامي معاصر بديل لأي مشروع يحمل على عاتقه مهمة إنجاز العلمانية، وتبني البعض الآخر لطرح مفاده أن العلمانية أمر جاء به الاستعمار ونخبه المحلية، وأنها لا تخرج عن كونها صراعاً “أيدولوجياً” مع “الأمة الإسلامية”. المؤسف في الأمر أن هذه الأفكار باتت سائدة، واخترقت حتى بعض قطاعات الفكر القومي ومنظّريه.

إن الخطابات العربية التي ترفض العلمانية بوصفها حلاً للانقسامات والشروخ العمودية الموجودة في مجتمعاتنا تنطلق من فكرة “خصوصية” مجتمعاتنا، لكون منطقتنا هي موطن الأديان السماوية، بل وتجعل من تلك “الخصوصية” سداً منيعاً يحجب التاريخ، وتذهب إلى أبعد من ذلك لتعرّف العلمانية على أنها “أيدولوجيا معادية للأديان”، أو “إلحادية”، أو في أحسن الأحوال “تغريبية”.

لا بل أن السواد الأعظم من الإسلاميين اليوم يكيلون الكثير من الشتائم لكل من يرفع شعاراً علمانياً، ويتعدّى الأمر ذلك لتأثيمهم، بل وتكفيرهم في بعض الأحيان، في حين أن وقائع التاريخ تشهد على أن علمنة المجتمعات من خلال فك الارتباط بين السلطتين الدينية والمدنية، كان المآل والحل الذي أنقذ المجتمعات من الطائفية والعصبية المذهبية وكافة أشكال التعصب والتزمّت ورفض معتقدات الآخر وأفكاره الدينية.

لقد أدت العلمانية -في أوروبا على وجه الخصوص- إلى علاج أمراض التعصّب الاجتماعي والثقافي والديني، وفي حالتنا فإن حاجتنا إلى العلمانية، أو فصل الدين عن الدولة، وبالتالي عن السياسة بالمقام الأول، وعن السلطة المدنية بالمقام الثاني، تبدو راهنة اليوم أكثر من أي وقت مضى، في الوقت الذي يرتفع فيه منسوب الدم العربي إلى أعلى مستوياته، ليس عبر الحروب مع الكيان الصهيوني أو قصف الطائرات الأمريكية هذه المرة، بل عبر قتلنا لبعضنا البعض.

ما عانيناه خلال القرن العشرين، وما زلنا نعانيه خلال القرن الحادي والعشرين، سببه الأول التعصب والاستقواء بالدين، وغياب العلمانية وتكفيرها، مع أنها الحل الأوحد للخروج من مسالك التعصب والاقتتال، لكننا نستدرك هنا ونقول؛ ليس ثمّة وصفة جاهزة للعلمانية، ذلك بأن مسارها تاريخي يحتاج إلى فترة زمنية طويلة، مسار يحتاج إلى إرسائها كممارسة وثقافة في مجتمعاتنا.

العلمانية لا تتبنى عداء الأديان، هي تعادي استثمار الدين في السياسة، وصبغ الدولة بصبغة دينية تفرّق بين أبنائها، وبعبارة أخرى، هي تعادي من يستقوي بالدين في المجتمع السياسي. الثقافة المدنية في إطار العلمانية أمر ثابت، وهي وجه من وجوهها الأساسية، فهل ثمّة ما يبرر استبدال مصطلح “دولة علمانية” بـ “دولة مدنية”؟

لا وجود لثقافة مدنية إلّا في إطار الدولة العلمانية، إعادة قراءة التاريخ في مجتمعاتنا لازمة، وقد يكون ذلك توطئة مناسبة للانتقال إلى تأريخ جديد، ولكن هذا الانتقال لن يبصر النور إذا لم تندرج تلك القراءة تحت بند القراءة العلمية النقدية.

إن ضغط التاريخ وحاجاته أمور تفرض مساراً جدلياً ومركبّاً لتحديد مجال العلاقة بين الفقيه والسلطان، مسار يخرج عن التوظيف المتبادل للمواقع، كما في تاريخ السلاطين والخلفاء، مسار يخرج عن مبادئ التطابق والتماثل والتماهي الذي تدّعيه الأحزاب الإسلامية المعاصرة.

هل ثمّة ما هو مُخجل في العلمانية؟

ما سبق وتحدثنا عنه من علاقة الدين بالدولة، لا يختلف كثيراً عن علاقة الدين بالأحزاب والحركات الأصولية، العلاقة في جوهرها وأهدافها واحدة، اندماج كامل بين ما هو ديني ومدني، بين كل ما هو لاهوتي مقدّس وزمني ناسوتي.

قد نذكّر هنا بأن أحد الكتّاب الإسلاميين يرى بأن العلمانية هي “فعل تغريب للإسلام والمسلمين”، و “أنها تناقض مبادئ الإسلام”، وكأن العلمانية دينٌ مقدّس، الطريف في الأمر أنه يقول أن “الإسلام لم يدع ما لقيصر لقيصر، وما لله لله”، في إشارة ليست بالبريئة أبداً، ويذهب إلى أبعد من ذلك في القول بأن “العلمانية هي أصل من أصول المسيحية”، وتطبيقها في العصر الحديث لا يخرج عن كونه “عودة إلى الأصل”، وكأن المسيحية تدعو بطبيعتها إلى العلمانية، لقد تناسى الكاتب على ما يبدو بأن التاريخ شهد كثيراً على مراحل البابوية-القيصرية، والحكم بالحق الإلهي، والحروب الدينية التي تركت أنهاراً من الدماء في أوروبا، وهذا ما يراه الكاتب الإسلامي ذاته بأنه “انحراف عن الأصول الأولى للمسيحية، وهو انحراف تتحمل وزره طبقة رجال الدين لاحقاً”، الأمر الذي يجافي الوقائع والحقائق بالمطلق.

ما سعى ذلك الكاتب إلى طرحه خطير جداً، فهو يخلق حجة وتبريراً لرفض العلمانية من منطلق طائفي بحت، وهو في ذات السياق يرد على من يقول بأن العلمانية حلٌ لمشاكلنا المستعصية، بقوله “لا وجود لمشكلة في التجربة الإسلامية لنبحث لها عن حلول”، وهذا ما يؤكد بأنه لم يقرأ التاريخ من الأصل، وبأنه متعالٍ عن التاريخ والواقع!

قد يلاحظ من يقرأ دساتير الدول العربية أنها تنص جميعها تقريباً على “أن الإسلام دين الدولة”، وما يزال الرائج في منطقتنا حتى الآن؛ أن أي تشريع متعلّق بأحد مجالات الحياة لا يندرج تحت بند المقدّس ولا يخضع لقواعد “الشريعة”، ما هو إلّا معصية، وخيانة كبرى للإسلام والمسيحية معاً، وهذا ما يفسّر أنهار الدم التي تمتلئ بها شوارع الوطن العربي.

من منطق إنساني؛ هذا مخجل جداً، فهل ثمّة ما هو مخجل في العلمانية؟

شارك: Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterPin on PinterestShare on StumbleUponShare on TumblrShare on LinkedInPrint this page