الحياة على طريقة فيديل كاسترو

الكاتب: محمد فرج

06-12-2016

كلمة محمد فرج رئيس تحرير مجلة راديكال في حفل تأبين فيديل كاسترو في العاصمة عمّان.
%d9%85%d8%ad%d9%85%d8%af-%d9%81%d8%b1%d8%ac

المقاتل المغوار، قائد حرب العصابات الذي وصل إلى السلطة، الرئيس صاحب الذكاء الحاد واليقظة الدائمة والحس الأمني الرشيق، الناجي الأول من مؤامرات الاغتيال، مؤدي الخطابات الحماسية، العنيد المواجه لأكبر قوة في العالم على حدوده، هكذا فهم المتعاطفون والمؤيدون على التخوم صورة الرجل، وهكذا أراد المعادون له تصدير الحدود القصوى لمعنى مشروعه، حدود الإثارة والمغامرة.

لا يا سادة، لا المشاهد البصرية السريعة، ولا الأصوات الصاخبة غير الإيقاعية، ولا أفلام الأكشن للبطل المنفرد الذي لا يموت، ولا أرقام غينيس كانت تمثل الحياة على طريقة فيدل كاسترو، ولكنها وبعد كارثة الإخصاء الروحي للإنسان في نهايات القرن الماضي، كانت الحياة على طريقتنا نحن، على طريقة الإنسان العادي، في بلد عادي، أو في بلد اعتاد مع التكرار على الجفاف، فأخطأ طريق الدهشة.

عام 1956م انطلق يخت الغرانما باتجاه كوبا، وبعدها أصبحت الغرانما جريدة ومدينة. كما أن يخت الغرانما المهلهل هذا كان بالدين، ثورة مديونة بالمال من يومها الأول، ولديها رصيد وافر من الكرامة منذ لحظات التفكير فيها، ولذلك نجحت. كما أنها لم تكن على علاقة بالخطابات المراوغة في الدفاع عن الحضارة والشرف في صوت تشرتشل، ولا جسور الهروب إلى العالم الآخر في نداءات الأئمة، ولا خيالات الحرمان الجنسي في الوقود الأعمى للإجرام، ولا جلد الذات وكرهها في البرق الشرقي وجيش الرب، ولا اليأس المفرط وأدبيات نزع الرغبة في انتحاريي آسيا. جولات مضنية من التدريب على العنف تحركها ملاءة الروح فقط، أما الإجرام فتحركه خواؤها.

كان الوصول إلى السلطة، وأخطأ المتعاطفون البسطاء مجدداً، بعشقهم ملامح العناد فقط، أما العدو الشمالي، فضيع ثلاث سنوات في تخميناته لشكل النظام الجديد، في الوقت الذي كان يلزمه فيه التخمين في شكل المجتمع الجديد. استيقظ سكان البيت الأبيض، وأدركوا جيداً مدى الصوت، في المصانع والمزارع والحقول، وأدرك السكان الجدد للبيت نفسه لاحقاً، صدى الصوت في شركات التأمين والمصارف، وخلايا النحل لخدمة الزبائن، وأصحاب المهارات العالية في العمل تحت الضغط.

عن عمر يناهز الـ 77 عاماً، كاسترو مصرحاً: “مجموعة البلهاء في البيت الأبيض سيموتون من المرارة والإحباط”.

في بداية الستينيات، أنزلت فرقة الكوماندوز لإسقاط المجتمع الناشئ، لم تكن حادثة 300 رجل حمتهم تضاريس جغرافية ضيقة، ولا مات الجميع ونجا واحد بمفرده ليروي المأساة، ولا كانت رواية السبعة الرائعون بقيادة يول براينر، كانت قصة عصية على خيال هوليود، لا لأنها تجاوزت حدود الخيال، وليس لأنها مثلت حدثاً فوق الواقع، بل، وبكل بساطة، لأنها كانت قصة واقعية جداً، المجتمع الجديد بأكمله، يواجه. المواجهة لحماية السيادة بند متأخر في أجندة كوبا، أما البداية فهي المواجهة من أجل الدفاع عن نمط العيش، ورفض الطقس البارد القادم من الشمال، حيث يصدق الناس تفردهم وخصوصياتهم، دون أن يدركوا تماثلهم الذي لا يطاق، وحيث يرقص الناس عبيداً للتعليمات والفرجة وبحثاً عن المزيد من الضياع الذي يبدأ في مواقع العمل.

السياسة والاقتصاد هي قشرة فيديل كاسترو في عالم التسطيح هذا، أما التاريخ الذي سينصفه، فكان فيه الفيلسوف التطبيقي، فمعاداته للرأسمالية كانت بوصفها نظاماً نفسياً بائساً، يقوم على الضغينة والانفعال والمنافسة المحمومة والتغريب وحرب الفرد ضد الجميع. لم يدافع عن الاشتراكية إلا بوصفها نظاماً صحياً، وما التطور العلمي في الطب الكوبي إلا لاحقاً على الهندسة الاجتماعية التي صممها فيديل كاسترو.

 الفيلسوف التطبيقي، الذي تعلم وعلم فن الانتقاء، الأصعب في طريقة العيش، انتقاء النافع من ازدحام المعرفة المتثائبة، انتقاء النافع مما تأكله الأجساد المسرطنة على الحدود الشمالية، التعريف الدقيق للسعادة، ولذلك تملك فن الانتقاء في السياسة، لم يكن دوغمائياً كما التبس الأمر على أنصاره ومحبيه، ولأنه إبن الريف والخضرة والقرية والشاطئ قاوم مثل سيقان البامبو في جارته الفكرية فيتنام، اهتز، وتأرجح، ولكنه لم ينكسر، فعندما بدأت مرحلة إعادة الهدم في جغرافيا حليفه الأكبر، وعندما سقطت دول أوروبا الشرقية تباعاً مثل أوراق الخريف، ضجت وسائل الإعلام، سقط، سيسقط، لم يسقط بعد، جاء الدور على حجر الدومينو الأخير، متى ستتملك الشركات الأمريكية احتكارات تصنيع السيجار؟ متى ستتشكل الحكومة الجديدة لكوبا من ميامي؟ هل سيسمحون لكاسترو بالبقاء في كوبا؟ هل سيسافر إلى كوريا الشمالية؟

وعندما سقط جدار برلين ظنوا أنه كان نائماً تحته، ولكنك يا فيديل كنت حينها تحتفل برفقة ثلاثة ملايين ونصف من الكوبيين بيوم العمال العالمي، وكما فوجئ الغرب بانهيار المعسكر الاشتراكي، فوجئ أكثر ببقائك في الحكم.

انهار الكوميكون، أمسيت حينها بلا ظهر، استعملت الحطب بدلاً من الوقود، عدت إلى الثيران عوضاً عن التراكتورات، سندتك أيدي العمال التي عملت بدلاً من الرافعات الكهربائية، انتشرت أمراض العيون، قبلت بأغاني جون لينون في هافانا بارك، وكنت قد منعت البيتلز في عزك، قبلت بتصريف الدولار، مع كل قبول كنت تعتصر، ومع كل قبول كنت تفكر في طريق العودة والمتابعة. بداية العقد الأخيرمن القرن كانت الأصعب والأعقد والأكثر إيلاماً، ولم تكن الحال كذلك في نهاياته، جاء المدد، وكالعادة من الجنوب، هوغو تشافيز، إيفو موراليس، ميشيل باشليت، وصعد اليسار مجدداً، صحيح أن الأنظمة السياسية تلك قد أنعشتك من جديد، ولكن تجربتك كانت بوصلة طريقها، وكأنك كنت تدخر الأكسجين اللازم للحظات اختناقك، الذي فضلت الطبيعة أن تعفيك من جولة جديدة منه، بدأت ملامحها في الظهور في القارة العامين الفائتين.

المقارنات التجريدية بين مواطني فرجينيا وفلوريد وميامي مع شعب كوبا، ضرب من ضروب القياس الفاسد دون المرور  بنفقين، الأول هو سببية نمط العيش، يقطع مواطن فلوريدا الجغرافيا مستعمراً وهو في مكانه، فالعيش هناك إنما هو العيش على ظهر قراصنة الصومال، فالحجارة التي تستخدم في بناء ما، إنما هي حجارة مهدمة من مكان آخر. وأما الثاني فعصي على نماذج الحساب لنسب النمو والتضخم والناتج المحلي الإجمالي، السعادة، ولم تمتلك الرأسمالية بعد الجداول الحسابية اللازمة لقياسها، فهي عصية على شاشات البورصة، ومؤشرات الأسهم والسندات، ولكنها بمحض صدفة فيديل، قيست في مزارع قصب السكر. ولأنك بنيت تلك السعادة دون جداول حسابية ضحلة، ودون دراسة عوائد الاستثمار، ودون أن يتبنى العالم أساليبك، ودون أن يعطي شهادة ترخيص خاصة بها، سهل القول بأن كوبا أكثر ديمقراطية من الولايات المتحدة!

بما أن هذا المشهد تكرر سريعاً، ووقفنا مجدداً بعد وفاة القائد البوليفاري هوغو تشافيز، وبعد الذكرى الأولى والثانية والثالثة لوفاته، وكأننا متعهدو طقوس العزاء، فقد وجب التنويه، إن الأشخاص مرايا الأحداث الكبرى، والمعاني، ولو أن دورة التاريخ لم تستكمل مرحلة القبول بنبي جديد، لكان هنالك حديث آخر. أما دورتك أنت يا فيديل فدورة كاملة، العالم مادة وحركة، استهلكت بالكامل ما منحتك الطبيعة من مخزون، وكنت تواجه استرداد الطبيعة لدينها عبر الفارق الأساسي بين علم الطبيعة وعلم الاجتماع الإنساني، الإرادة العاقلة، والاستخدام الواعي للحركة النشطة، والإفادة الكاملة من الطاقة الذهنية المتاحة، ذلك حوار جمعك مع الفنزويلي ماتشادو المهووس بموضوعات التطور البشري، والذي اعتبر أن الإنسان لا يدرك مدى عظمة الماكينة المزروعة في رأسه، وأنه يستغل فقط 5 إلى 6% منها. ترجم حواركما إلى فتح عظيم في هوليود بعد نصف قرن من الزمن، ودون حقوق الملكية التي رفضتها أنت، أما الآن، وقد حسم جدل المادة والحركة لصالح دين الطبيعة، فإني أراك تتململ في قبرك.

شارك: Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterPin on PinterestShare on StumbleUponShare on TumblrShare on LinkedInPrint this page