الجمهورية العربية بين مشروعين

الكاتب: عمر أبو فرحة

03-09-2016

خمس سنوات ونيف ونحن نتسابق في إطلاق الأحكام، خمس سنوات وسورية تعاني ويلات حرب لم يشهد التاريخ الحديث لها مثيلاً، حرب ارتدت عباءة الطائفية وتسلحت بالكراهية، وفرقت بين البشر على أسس مذهبية وإثنية، هي كألسنة اللهب أشعلتها قوى الظلام الإمبريالية وتغذيها المفاهيم والأفكار الرجعية.
علم الوحدة

لن نخوض طويلاً في البحث عن الأسباب ودراسة صيرورة الأحداث في هذه الأزمة، فنحن نبحث الآن عن الخلاص والنهاية ولسنا في صدد إعادة فتح الملفات السابقة ودراستها والتعمق فيها، إنما أردنا أن نضع الإطار العام الذي يحكم الفرق المتصارعة في سورية على منضدة القضاء التاريخي العادل. فمن الجانب الأول فريق يدافع عن الدولة العميقة التي تشمل الحضارة والمؤسسات، ويدافع عن علم الجمهورية العربية المتحدة ذو النجمتين الخضراوين اللتين تمثلان وحدة مصر وسورية، وما يحمله هذا العلم من مضامين تاريخية وتقدمية مهمة نحن في أمس الحاجة لها في هذه الأيام.

وعلى الجانب الآخر تنظيمات احتوت عديد الجنسيات من أتباع الإرهاب الديني ومحبي قارعي طبوله، تمارس شتى أنواع العنف والدمار في محاولة لبناء دول دينية على أنقاض الدولة السورية خدمة لمصالح الدول الاستعمارية، وتعبر هذه الجماعات عن نفسها بعلم الانتداب الفرنسي لسورية في بدايات القرن الماضي، والذي كان يحمل النجوم الحمراء الثلاثة تمثلياً للدويلات السورية السنية والعلوية والدرزية.

علمان يمثلان الصراع بين “الخير” و “الشر” في منطقتنا على مر العصور، فالأول يبحث عن وحدةٍ حلم بها أجدادنا تصحيحاً للفاجعة التي ارتكبها مهندسو الثورة العربية الكبرى، أما العلم الثاني فجاء استكمالاً لهذه “الثورة” التي كانت تهدف لتقسيم الأجزاء الصغيرة إلى أجزاء أصغر ليسهل استغلالها والتحكم فيها. نحن اليوم نقف على خط الزمن، على الخط الفاصل بين العلمين بخلفياتهما التاريخية، وعلى الظروف الذاتية والموضوعية التي أجبرتنا على استحضار هذه الجزئية من التاريخ لإصدار الحكم الفاصل فيما يتعلق بالأزمة السورية.

ثلاث نجوم، ثلاث دويلات مصطنعة

بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى ونجاح الدول الاستعمارية -بريطانيا وفرنسا- في هزيمة الدولة العثمانية، دخلت اتفاقية سايكس بيكو حيز التنفيذ، وبدأت الدول المنتصرة بتقاسم الحصص كما يعلم الجميع، وقد كانت النية الفرنسية المبطنة تحمل في طياتها تقسيم كل من سورية ولبنان إلى عدة دول مذهبية لإضعاف هذه الدول تمهيداً لقيام دولة العصابات الصهيونية على أرض فلسطين.

اقتضت الخطة الفرنسية بتقسيم سورية إلى عدة أقاليم في شمال ووسط وجنوب سورية، حيث تسيطر سلطة الانتداب على الساحل الشرقي السوري بشكل كامل لأهميته الاستراتيجية، وتمنح الأجزاء الشمالية من سورية للأكراد بالإضافة إلى الأجزاء الجنوبية من الأراضي التركية، بينما يسيطر الدروز على الجزء الجنوبي، ويقسم الجزء الأوسط من سوريا بين المسلمين والكاثوليك، ويعطى العلويون المنطقة الممتدة من الإسكندرون إلى الحدود اللبنانية لتشمل جبال العلويين وساحل اللاذقية، وعلى هذه الشاكلة جرت الخطة لتقسيم لبنان والأردن والعراق لضمان الفرقة والضعف والهوان في المنطقة العربية.

على صعيد آخر لم تقف القوى الوطنية العربية مكتوفة الأيدي إزاء هذا المشروع، فقد عبرت المؤتمرات الوطنية السورية عن رفضها القاطع لهذا التقسيم مطالبين بوحدة الأراضي السورية تحت حكم عربي، ورحيل الانتداب الفرنسي والبريطاني عن الأراضي العربية، والتأكيد على الهوية العربية الفلسطينية ورفض وعد بلفور المشؤوم.

وقد ترجمت هذه المطالب بعدة حراكات شعبوية جماهيرية، منها ثورة عام 1919 بقيادة إبراهيم هنانو، والثورة السورية الكبرى عام 1925بقيادة سلطان باشا الأطرش، هذا إلى جانب الحراكات الجماهيرية السلمية والتي كانت تشتعل في شتى أنحاء سورية باستمرار لمقارعة الانتداب الفرنسي، ومشروع التقسيم والخلخلة لجسم الدولة السورية.

كان لثورة سلطان باشا الأطرش وقع أهم لما حققته من نتائج حقيقية ومجزية، إضافة لتركها أثراً واضحاً في نفوس الوطنيين السوريين، فقد كان الأطرش واحداً من أهم القادة الوطنيين في سوريا، حيث كانت أعين الفرنسيين تراقبه باستمرار في محاولة لكبح جماح تأثير شخصيته الكاريزمية على السوريين وسلطته على جبل الدروز آنذاك، إلى جانب محاولاتها المتكررة لتصفيته، وقد أدت الأوضاع السياسية والاقتصادية الصعبة في سورية إلى إشعال شرارة الثورة في شهر تموز من عام 1925 بعد فشل السلطات الفرنسية في إضعاف سلطان باشا سواء بتعيين حكام جدد على مناطق الجبل أو باغتياله، فبدأت الثورة بالسيطرة على مدن الجبل بعد طرد الفرنسيين منها ثم انتقلت القوات الثائرة إلى السويداء العاصمة الإدارية لجبل الدروز.

وعلى صعيد آخر وبالتوازي مع أحداث الثورة، كان فوزي القاوقجي-أحد أهم الأسماء العربية التي حاربت الاستعمار البريطاني والفرنسي في كافة الأقطار العربية- يتابع ما يحدث في الشمال السوري، ومن الجدير بالذكر أن القاوقجي شهد على جميع ثورات سورية في العصر الحديث، ولكنه اعتبر أن ثورة عام 1925 سيكون لها الأثر الأكبر لعدة أسباب منها عنصر المفاجأة الذي اعتمد عليه الثوار في البدايات إضافة إلى عددهم الكبير والذي وصل إلى قرابة ثمانية عشر ألف مقاتل.

استناداً إلى هذه الحقائق بدأ القاوقجي بفتح قنوات اتصال مع سلطان باشا الأطرش، لتقديم التوجيهات والتنسيق لضربات أكبر وأكثر على مواقع الاستعمار الفرنسي، حيث أشار القاوقجي على الثوار بأن تمتد هذه الحركة خارج مناطق تواجد الدروز لطرد الفرنسيين نحو الجنوب، وفتح جبهة قتال ثانية في حماة، وبالتوازي مع ذلك كان القاوقجي يقود حملات تمرد داخل الجيش السوري على بعض الثكنات العسكرية الفرنسية بغية تسهيل مهمة الثوار في الشمال بفرض ضغط عسكري على القوات الفرنسية من عدة جهات.

فبعد عدة أيام انتقلت الثورة عبر المدن السورية لتصل إلى ريف دمشق، حيث بدأ زعماء وقادة العاصمة السورية بدعم الثورة، ولكن بعد استسلام قوات عبدالكريم الخطابي وإخماد نيران الثوار في المغرب نقل الفرنسيون عدة كتائب عسكرية إلى سورية لمواجهة الثورة، مما أدى إلى قلب موازين القوى لتفرض القوة الاستعمارية الفرنسية كلمتها أخيراً على الميدان بقمع الحراكات الثورية وإعادة احتلال الأراضي التي حررها الثوار.

لم تتمكن الثورة السورية الكبرى من دحر القوات الفرنسية عن الأراضي السورية، ولكنها ضحدت مشروع التقسيم الفرنسي للبلاد بعد أن أعادت توحيد الأقاليم المزعم تقسيمها من جديد، واستمرت الحركة الوطنية السورية بالنضال في وجه الانتداب الفرنسي حتى نالت سورية استقلالها بعد الحرب العالمية الثانية.

الضباط الأحرار ومشروع الجمهورية العربية المتحدة

في قطر عربي آخر، في مصر تحديداً، لم يكن الحال أفضل منه في سورية، فقد كانت تبعية الملك فاروق للانتداب البريطاني تحدد من دور مصر السياسي والوطني في المنطقة، ولكن بعد أن أعلن استقلال بلاد الشام وانشغلت المنطقة بقيام الكيان الصهيوني، شرعت الشعوب والجيوش العربية تعد العدة لإفشال هذا المشروع، واتضح في معارك عام 1948 هوان الجيوش العربية في مواجهة التكتيك والقدرة العسكرية للعصابات الصهيونية، مما دفع بعض القادة العسكريين في مصر -والذين عرفوا لاحقاً بجماعة الضباط الأحرار- أن الوضع لا يمكن السكوت عليه.

تجمع نخبة من ضباط مصر بقيادة جمال عبدالناصر للتخطيط لانقلاب عسكري يطيح بالملك فاروق، ويعلن عن بداية حقبة جديدة لتفعيل دور مصر في العالم العربي بعد ظهور المعطيات الجديدة في المنطقة، حيث قامت ثورة الضباط الأحرار في 23 يوليو 1952 وأطاحت بالملك فاروق وطغمته الفاسدة، وبدأ الضباط بتفتيت قوى الدولة الرجعية في البلاد وبناء مؤسسات وطنية جديدة تؤسس لدولة على الأسس الحديثة، ومن الواضح أن القومية العربية كانت إطاراً عاماً يعمل تحت غطائه عبدالناصر ورفاقه، لذا بعد أن أرسى الضباط الأحرار القواعد الأساسية لجمهورية مصر العربية بدأت الأعين تتجه نحو سوريا تحقيقاً للأحلام القومية التي حملها ناصر.

في الوقت ذاته كانت سورية تشهد حالة من عدم الاستقرار السياسي نتيجة تعدد الانقلابات العسكرية، والتي كان آخرها انقلاب أديب الشيشكلي، ونتيجة لهذه الاضطرابات تبلورت في سورية حركة وطنية تمثلت بأحزاب تقدمية وحراكات شعبية طالبت بالدولة المدنية الحديثة، حيث خاضت هذه الأحزاب حملات شعبية ووطنية عديدة في سبيل إيقاف مسلسل الانقلابات العسكرية الجارية في سورية، حتى أن انتهى الأمر بإسقاط حكومة الشيشكلي على يد هاشم الأتاسي، والمناداة بالزعيم شكري القوتلي رئيساً للبلاد بدعم من الرئيس المصري جمال عبدالناصر.

شكلت العلاقة بين القوتلي وعبدالناصر البدايات التي أفرزت الجمهورية العربية المتحدة، وقد جذبت سياسة عبدالناصر في الصداقة مع الاتحاد السوفييتي، والابتعاد عن كنف الولايات المتحدة، وتوقيع اتفاقية الجلاء، وتأميم قناة السويس، وحرب العدوان الثلاثي، جذبت الأحزاب القومية السورية، وعلى رأسهم حزب البعث العربي الاشتراكي الذي طالب بالوحدة المصرية السورية سبيلاً ووسيلة لتحرير الأراضي الفلسطينية المغتصبة.

فضّل أكرم الحوراني وقادة البعث أن يكون النمط الفدرالي هو الشكل العام للوحدة، بينما أصر محمود رياض والضباط الأحرار على وحدة إندماجية كاملة، ولكن كان لوصول خالد العظم إلى منصب نائب رئيس الجمهورية السورية عاملاً أساسياً في التأثير على توجهات حزب البعث، فقام القادة في الحزب بتسريع الإجراءات التي سبقت هذه الوحدة إلى أن وقّع شكري القوتلي اتفاق الوحدة بين الجمهوريتين في إطار الجمهورية العربية المتحدة مع جمال عبدالناصر في الثاني والعشرين من شباط عام 1958، ورفع علم الوحدة ذو النجمتين الخضراوين في سورية ومصر أثناء زيارة عبدالناصر الأولى لسورية، حيث تم استقباله من شكري القوتلي والحكومة السورية وملايين من أبناء الشعب السوري.

لم تكن هذه المادة التاريخية بهدف السرد القصصي والتباكي على تلك الأيام، بل من أجل استحضار الخلفية التاريخية للفئات المتصارعة على الساحة السورية كما ذكرنا سابقاً. إنَّ الاستعمار بكل أذرعه وحلفائه يعمل على إجهاض وتحطيم أي دولة تقف في مواجهة أحلامهم وطموحاتهم، وقد كان لسورية دور كبير في دعم حركات المقاومة التي تقارع العدو الصهيوني، لذا كان لا بد من الحيلولة دون تعاظم شأن سورية بالتوازي مع القوة الإيرانية الصاعدة في المنطقة. فبداية من قانون محاسبة سورية الذي صدر قبيل الحرب على العراق، وبالتوازي مع المقاطعة الاقتصادية المفروضة على إيران الحليف الأكبر للدولة السورية، وانتهاءً بما يسمى بـ “الثورة السورية” التي تلقي بظلالها الثقيلة على الوطن العربي.

نقف اليوم أمام وضع صعب يحتاج منا إلى التمعن أكثر فيما يحدث داخل سورية، فبعد التدخل العسكري التركي في سورية والدعم المادي واللوجستي من قبل حكومة حزب العدالة والتنمية للميليشيات المسلحة على الأراضي السورية ترتسم أمامنا الصورة الكاملة التي حيكت خيوطها منذ ما يزيد عن عشرة أعوام، وبعد أن وصلت الأمور إلى نهايتها لا نملك إلا أن نتمنى أن يصمد الجيش السوري وحلفائه في وجه هذا المشروع إلى أن يتم تطهير الأراضي السورية، ووحدتها تحت حكم عربي سوري خالص.

شارك: Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterPin on PinterestShare on StumbleUponShare on TumblrShare on LinkedInPrint this page