“الإرهاب”، منذ الحادي عشر من سبتمبر

الكاتب: محمد فرج

06-07-2016

في الحادي عشر من سبتمبر انفجرت أبراج التجارة العالمية في نيويورك، وبحجم الإدانة الأخلاقية للفعل، فرحنا بأن القوة المهيمنة في العالم أصابها شيء من الدمار. هكذا شعرنا، إلى هذا الحد من التناقض الوجداني، أليس كذلك؟ لم ترق لنا حينها كلمة الإرهاب، ولم يرق لنا الفعل تماماً، ومنا من اندفع لدعم بن لادن بوصفه شيخ المقاومة، ومن هؤلاء كتاب يساريون وقوميون. أنا لا أدين هنا، وإنما أوصف لغايات الوصول إلى استنتاجات تتعلق بما أسماه جان بودريار "روح الإرهاب". نعم صحيح، لقد كان فرط القوة الأمريكية يثير حفيظتنا، وبحثنا عن شتى الأشكال لإهانته، وليس في ذلك أي خلل، لقد تجلى الخلل حينها في منفذي العملية، لقد قاموا بفعل ما نريد له نحن أن يحدث، وليس بذلك الشكل تماماً. والشعور بالانفصام ذاته يحدث كلما ضربت عملية جديدة شوارع فرنسا أو الولايات المتحدة.
سبتمبر

إن نقطة انطلاق هذا المصطلح “الإرهاب” كانت من الغرب، أي أن الحديث عن الإرهاب كان يدور في فلك حماية الغرب لنفسه من قوى الإرهاب، حماية تتطلب حرباً استباقية.

بعد ذلك تم تعميم هذا المصطلح “الإرهاب” وأصبح أداة فعالة لغزو الدول وتدميرها، وعملت الإمبريالية على خلط أوراق مقاومة ذلك الاحتلال بأوراق المصطلح الناشئ “الإرهاب”، الذي حدث الاحتلال “بسببه”. وعجز الكثيرون عن فرز ما بدأ يجري في العراق، من هو المقاوم، ومن هو الإرهابي؟ إنه انفصام مشابه لما حدث أثناء سقوط البرجين، فإثارة مشاهد السقوط خلقت عقلاً تبريرياً هشاً في أذهاننا لكل الحروب التي شنتها الامبراطوريات التي “تدافع” عن نفسها استباقياً.

لم يكن حينها ذلك الخلط كافياً لوصف حزب الله بالإرهابي، فعندما وقعت حرب لبنان عام 2006م، لم يتمكن أي طرف من حرف المزاج الشعبي العام الداعم لحزب الله، ولا سيما أنه التيار الذي قبل دخول الساحة السياسية وفق الشروط القائمة، التي يحمل هو كحزب ما هو أثقل منها، وما يكفي لزعزعتها، إلا أنه فضل تضييق مساحة قدراته على مساحة شروط اللعبة السياسية في لبنان، حفاظاً على السلم الأهلي في البلاد، كما أنه لم يتبنى أية عملية إلا وكانت موجهة ضد العدو الصهيوني.

اعتملت تغذية الطائفية في منطقتنا، وصُدّر إعدام الرئيس العراقي السابق، صدام حسين، على أنه فعل شيعي، وليس أي شيء آخر. انفجرت الأزمة السورية، وكانت الفرصة الأثمن لاستكمال المشروع.

لقد نجحت الإمبريالية مرتين، الأولى عندما ثبتت المصطلح ووظفته للغزو والاحتلال والتفكيك، والثانية عندما كرسته على أرضنا، وجعلت نفسها حكماً ومعاوناً في التخلص منه، طرفاً يتمكن من إطلاق حكمه على الأطراف المتناحرة، ويملك بصك الغفران من الإرهاب. ما كانت العراق إلا العينة التجريبية لكل ذلك!

لقد حرفت الإمبريالية التعاطف المضطرب مع التيارات التكفيرية في تفجير البرجين، إلى تعاطف مضطرب أيضاً مع تفكيك الدول بإسم التخلص من الأنظمة الديكتاتورية والدفاع عن الخصوصيات العرقية والدينية، لقد نقلت المراكز سمات فرط القوة وتداعياتها، من حيزها الخاص إلى حيز آخر، حيز أنظمة محددة (ما أسمته أنظمة شمولية بائدة)، ونقلت الصراع من صراع معها إلى صراع داخلي تديره هي.

نعم، لقد نجحت الإمبريالية نسبياً في تثبيت المصطلح، وجعله مصطلحاً عالمياً، ونجحت في نقله عملياً من أرضها إلى أرضنا، ومن توجيه الشعور تجاهه من شعور متعلق بفرط اليهمنة الأمريكية، إلى شعور متعلق بالتعصب المذهبي والديني، وفرط قوة أنظمة محددة، ومشاريع سياسية محددة، أعني هنا النظام السوري وحزب الله بالتحديد.

لكن هذا النجاح لا يعني مؤامرة منفردة دون روافع داخلية تساندها، كما لا يعني خور قوى الأطراف المناهضة لها.

دراسة الروافع الداخلية (الأسباب العميقة خلف الإجرام والقتل والتكفير)، لا يمكن اختصاره كما يفعل الكثير من الكتاب الصحافيين بالتعليم والمناهج الدراسية، على كل الأهمية الكبيرة لهذا العامل.

إن هذه الروافع الداخلية تتشكل من عوامل طبقية، وعوامل شعورية نفسية مرتبطة بالوعي وإدراك معنى الوجود، والنمط الاقتصادي-الاجتماعي الذي تعيشه الناس.

إن جزءاً كبيراً من وقود التنظيمات التكفيرية يتشكل من الفقراء، وهذا ينسجم مع التحليل الماركسي الرائج، “الدين زفرة المخلوقات المعذبة”، ويجب هنا ألا نغتر بوجود مهندس أو طبيب في صفوف داعش، فذلك يشبه دور محاضر فرنسي ترك المؤسسة الاكاديمية الفرنسية احتجاجاً على المجازر التي يرتكبها الفرنسيون في الجزائر. هنالك فارق بين السمات العامة للظواهر وحالات أخرى، أقل حضوراً، فيها.

إن وجود فئات من “البرجوازية الصغيرة” في صفوف التيارات التكفيرية له أسبابه غير الطبقية كذلك، التي تتمثل في شك لا يطاق لمعنى الوجود، أو فقدان القدرة على العمل المنتج، والاستقلالية والحب والتفكير.

إن الدول التي تحكمها أنظمة تابعة ترفد التنظيمات التكفيرية بأعداد كبيرة، ففقدان الاستقلالية والإنتاجية في نظام الحكم، تعني بالضرورة فقدانها عند الفرد كذلك. والدول التي لا تمنح حباً وتفكيراً ستضرب مشاريع بناء الذات العليا في الفرد. انظر أعداد المقاتلين من الأردن وتونس والسعودية!

يمكننا اختصار (وليس تلخيص) الظروف المحيطة بـ “الإرهاب”، بناء على عوامل خارجية وأخرى داخلية، وبناء عليه نتمكن من تلمس طرق الحل، إدارة الإمبريالية لعمليات نقل سمات فرط القوة من حيزها إلى مواقع أخرى، تغذية التعصب المذهبي اللازم للتفكيك، البيئة الاقتصادية التي تعمد حرمان المواطن العربي من مكتسبات الدعم الاجتماعي، أجهزة الدولة الأيديولوجية التي تقصر عمداً في مهمات إدراك معنى الوجود، والحب والتفكير والاستقلالية.

عن الحلول، التي لا أجد لها مكاناً في حيز زمني مستعجل وفوري، فلا بديل عن دعم التيار المناهض للإمبريالية، فلا يمكن وقف تأثير العوامل الداخلية دون إيقاف تأثيرات الإمبريالية نفسها. فمع التقسيم المذهبي، إما أن نمضي مع حلول الفيدرالية التقسيمية وليس الفيدرالية التجميعية، ونضيف بذلك حواجز مكانية إلى جانب الحواجز النفسية، وبذلك نكون قد أمّنا للإمبريالية الظروف اللازمة لشروط فقدان الاستقلالية والإنتاجية.

لا يمكن لكل ذلك أن يتحقق إلا من خلال سلطة شمولية واعية تضطلع بمهمات البناء المعرفي والإدراكي، أو من خلال تفاهمات بين التيارات المتعددة مطالبة بتبني خط حزب الله في الحوار مع الآخر، فمع أن الأخير هو تيار مستند بالدرجة الاولى إلى طائفة محددة، إلا أنه في الوقت نفسه قادر تماماً على العيش في بيئات التنوع، وقادر على بناء دستور واحد يلتزم به الجميع.

إيقاف عمليات النقل المستمرة للسمات سالفة الذكر، يحتاج إلى دعم المحور المناهض، والبناء الداخلي بحاجة إما لتفاهمات بعيدة عن الفيدرالية، وإما السلطة الشمولية المأمولة، التي تلعب دور المايسترو للوعي الجمعي في سماته العامة، فلا تصدقوا أن عناصر داعش قرأت ابن تيمية وابن الجوزية!

شارك: Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterPin on PinterestShare on StumbleUponShare on TumblrShare on LinkedInPrint this page