الأردن والتقسيمات الاجتماعية

الكاتب: يزن حداد

01-01-2014

في دراسة الجانب السوسيولوجي للمجتمع الأردني، فإنه ينقسم طبقياً بطبيعة الحال كأي مجتمع آخ، وكنتيجة مباشرة لوجود السلطة المتجسدة بوجود الدولة وأجهزتها بحكم أنها أداة السيطرة الطبقية التي تعمل على إنتاج الطبقات وتفرز تقسيماتها الاجتماعية بحسب علاقات الإنتاج وإرتباط الوجود الاجتماعي بها. ولكن ما يعنينا في هذه المادة بشكل مباشر هو دراسة الانقسامات الاجتماعية المشوهة ذات البُعد اللاطبقي، أي أننا سنعمل على طرح مشكلة التقسيمات الاجتماعية الأفقية للمجتمع الأردني، كالإنتماء الهوياتي والعشائري والمناطقي، وما إلى ذلك من تشعبات أفقية.
yazan

في أية قراءة موضوعية لواقعٍ ما، من المفترض أن يتم تناول التركيبة المجتمعية له بشكل عمودي تتضح فيه الهرمية في تقسيم المجتمع إلى طبقات متناقضة من حيث الجوهر ومتناحرة من حيث المبدأ، وبالتالي ضرورة النضال في ذلك السياق، لكن لما تمثله هذه القراءة الطبقية للواقع بمثابة تهديد لديمومة الحكم الطبقي وسيطرته يتم تشويه هذه القراءة بصورة متعمدة في وعي الشعوب بحيث تعمل الطبقة الحاكمة مستخدمةً أجهزتها وأدوات سيطرتها على إجتزاء التناقض الرئيسي وتفتيت المضمون الطبقي له، ليستحيل بذلك إلى تناقضات ثانوية فرعية تبتعد بتحليلها وبمضمونها عن الشكل الأساسي للصراع، الذي يعتمل وفقاً له الصراع بين الطبقات المتناحرة، ويتم غرس إختلافات سطحية لمفاهيم بديلة على شاكلة “العشيرة” ، “الطائفة” أو “المنطقة” على سبيل المثال عوضاً عنه، كما يتم تكريس هذه الإنتماءات الضيقة بحيث تشكل ضمانة لعدم تبلور وعي طبقي ثوري لدى الطرف النقيض.

تفكيك العشائرية

تحليل هذا الواقع ينطلق بدايةً من تحليل قاعدته المادية التي تتمظهر في علاقات الإنتاج، أي في بنية الدولة الاقتصادية وإنعكاسها المتبادل على الوجود الاجتماعي وبالتالي الشكل السياسي لإدارة هذه العلاقات من موقع السلطة، وطرف المعادلة الكائن في موقع السلطة ذلك هو الطبقة البرجوازية التابعة، فمن مصلحة هذه الطبقة، بحكم طبيعة تكوينها التاريخي، أن تعمل على إعادة إنتاج ما هو قائم بالأساس ولكن في صورة أكثر رجعية.

لنأخذ مفهوم “العشيرة” في الأردن على سبيل المثال، فمفهوم “العشيرة” لا يزال قائماً في وعي المجتمع الأردني ويتم تداوله على نطاق واسع بالرغم من تفكك “العشيرة” كبناء اجتماعي له وظيفته الاجتماعية التاريخية، أي أن الشكل الاجتماعي للعشيرة بوصفها تجسيداً للتكافل في ذات السياق قد تحلل بمجرد دخول رؤوس الأموال وبالتالي الإستثمار والمصالح إلى هذا البناء، بمعنى أن الأساس المادي لهذا المفهوم قد تفكك ولكن الطبقة الحاكمة عملت على إعادة إنتاجه في قوالب جديدة ضِمن خطابها الرسمي بحيث يبدو وكأنه جديد بما يضمن عدم إمكانية إحلال البديل لعلاقات الإنتاج السائدة في إطار خلق وعي ثوري جديد لدى الجماهير، وبعبارةٍ اخرى يمكننا القول أن الطبقة البرجوازية الكومبرادورية الحاكمة تلجأ إلى مأسسة خطابها الرجعي في ثوب جديد من خلال صبغه بالصفة الرسمية أو القانونية، أي أنها تعطيه طابع “الدستوري” من جهة، وطابع “المقدس” من جهةٍ أخرى بشكل يضمن تأبيد هذا الخطاب واستمراره في إعادة الإنتاج الاجتماعي لعناصره عبر المؤسسات الحكومية للدولة، فالمدرسة والجامعة والمؤسسة الإعلامية والدينية كذلك تصبح في مرحلةٍ ما أدوات أخرى في يد الطبقة الحاكمة المتمثلة بدولة هذه الطبقة لإعادة إنتاج تلك المفاهيم لتصبح أبدية وراسخة في وعي الجماهير.

يتجلى الخطاب في صيغته الرجعية على عدة مستويات مختلفة لكن قد يكون أكثرها ارتباطاً بالوعي الاجتماعي للشعب هو السلطة التشريعية وخطابها، فالشكل الحالي لهذه السلطة والذي تزامن مع نشوء الدولة الأردنية وتشكيل مؤسساتها يرتكز في جوهره إلى فرض تقسيمات معينة داخل المجلس النيابي بحيث تضمن نسبة محددة من التمثيل لكافة أو معظم “العشائر” الأردنية إضافة إلى نسبة من التمثيل النيابي لمختلف مكوّنات المجتمع الأردني الذي يتكوّن بالأساس من عدة هويات مركبة ومتجانسة نتيجة للهجرات التي توالت طوال القرن التاسع عشر والقرن العشرين إلى داخل حدود الدولة الأردنية المعروفة الآن.

ينجح هذا النوع من التمثيل في ضمانة تحقق عدة نقاط تكفل ديمومة بقاء الطبقة الحاكمة في موقع سلطتها من حيث أنه يخفي أولاً الشكل الطبقي لسيطرة الدولة ويستبدل التناقض الرئيسي بآخر فرعي، بما يعمل على تغليب التناقضات الظاهرية على الجوهرية ، وبالتالي تغييب تام من الوعي للمحورالطبقي في التناحر الاجتماعي.

وثانياً هو يعمل على تأبيد هذه التقسيمات الأفقية للمجتمع ويكرسها لدى المواطنين في وعيهم بصورة تجعل من تداولها والتعاطي معها يبدو وكأنه جزء طبيعي من الوجود الاجتماعي، يرتبط به عضوياً ولا يمكن تغييره.

وبالتالي تصبح “العشيرة” بمنطق الطبقة الحاكمة إحدى المقومات الرئيسية التي يقوم عليها المجتمع الأردني بكامله، ويصبح كذلك الإنتماء الهوياتي الضيق عنصراً أساسياً من عناصر الثقافة المجتمعية السائدة، وينتفي بذلك التناقض الطبقي من الوعي الاجتماعي للجماهير بحيث تتقلص فاعلية الطرف النقيض بوصفه الطبقة الثورية البديلة، وتتحول “العشيرة” إلى كينونة اجتماعية ثابتة في ثبات تجدد خطاب الطبقة البرجوازية التابعة التي تعيد إنتاج هذه المفاهيم بحيث ترفعها إلى المطلق وتعمل على تأبيدها بذلك.

أي أن الإنتماء الضيق سواءً للعشيرة أو المنطقة أو الطائفة أو ما إلى ذلك من تقسيمات اجتماعية، يتحدد وفقاً لطبيعة علاقات الإنتاج والمصالح الطبقية للبرجوازية التابعة المرتبطة عضوياً بالامبريالية الرأسمالية والتي تتمثل بالطموح في إستمراريتها في موقع السلطة والإبقاء على علاقات الإستغلال والربح السريع ثابتة كما هي.

وكنتيجة مباشرة للتغلغل الامبريالي الذي أدى إلى تقسيم العالم إلى مراكز جسّدت الولايات المتحدة الأمريكية عمادها الرئيسي إضافة إلى أوروبا واليابان، وأطراف شكّلت المنطقة العربية أحد أجزائها ومن ضمنها الأردن، تكونت داخل دول الأطراف أيضاً مراكز وأطراف اخرى بفعل تمركز نمط الإنتاج الرأسمالي التبعي في العاصمة تحديداً أو في المدن الرئيسية لهذه الدول بحيث يتجلى نمط الإنتاج هذا في المقام الأول على شكل قطاع خدماتي غير منتج، ولذلك نلاحظ تأثر سكان العاصمة، أي المركز، بالثقافات المستوردة بصورة أوسع وأكبر من تأثر سكان المحافظات والقرى، أي الأطراف بهذه الثقافات المستوردة من مراكز رأس المال.

وبالتالي نجد أنه كلّما اتجهنا إلى الداخل نحو المركز، يضعف ويتحلل مفهوم “العشيرة” الذي سبق وأن ناقشناه بحيث يصل إلى مرحلة يتفكك بها نهائياً ولكن تبقى رواسبه عالقة في وعي المجتمع لعدة أسباب تتلخص في آلية إعادة توظيف الطبقة الحاكمة له في سياق تأبيد سيطرتها الطبقية تلك، وبالتالي نعود للدوران في نفس الحلقة المفرغة التي لا تؤدي إلا لنتيجة واحدة مفادها أن إشتقاق النظام الطبقي الحاكم لمفاهيم رجعية كالعشيرة أو الإنتماء والتعصب الأعمى لهوية أو فئة معينة، محافظة، طائفة، أو حتى على مستويات أضيق كالمنطقة، ومأسسة هذه المفاهيم عبر صبغها بصور تعطيها طابع “الحداثي” الذي يمكن أن يتقبله وعي الشعب، وتكرار تلك المفاهيم ومن ثم إعادة تجديدها في سيرورة لا تعرف حداً من حيث الأساليب أو المضمون.

كل ذلك ينسحب ويصب في مصلحة الطبقة الحاكمة ذاتها والمتمثلة في الشكل السياسي لنظام الحكم السائد بما يؤكد (وفقاً للمنطق الرجعي ذاته) على ضرورة بقاء النظام الحاكم في صيغته الطبقية، وهو ما يوفر بالتالي الشروط المادية التي تضمن بقاء علاقات الإنتاج والسلطة الطبقية.

يمكننا أن نلخص الغاية من إعادة إنتاج الطبقة الحاكمة في الأردن لهذا البناء الاجتماعي وأسباب إنتاجه في ذلك السياق ضمن النقاط التالية للإحاطة بمختلف الأبعاد:

 الإبقاء على العشائر وشراء ولاءاتها لصالح بقاء السلطة.

 تكريس الوعي “العشائري” بوصفه تقليد وطني بغية دفع المجتمع للانكفاء عن تشكيل وعي وطني حقيقي ومستقل.

 إعطاء “العشائرية” طابع المقدس والأبدي لضرورة تحجيم أي حركة اجتماعية خارج ذلك الإطار الخاضع بالضرورة للسلطة.

 زرع التناقضات السطحية وتعزيز الصراع في ظلها (كالعشائرية والطائفية والإقليمية) عوضاً عن وعي الصراع الطبقي وطبيعته.

 صبغ هذا البناء، أو المفهوم، بالصفة الرسمية وإدخاله بشكل ضمني (غير علني، بمعنى أن السلطة تدّعي مكافحته في حين أنها تقوم بتعزيزه)، إلى سياسات الدولة الإنتخابية عن طريق المال الأسود وشراء الأصوات والولاءات الضيقة، بغرض خلق علاقة توازن، تستند إلى تقسيم عشائري، داخل المؤسسات التشريعية، مما يزرع وهم عدم وجود هذه التقسيمات داخل المجتمع نفسه وبالتالي إنصهارها داخل هذه المؤسسات. في حين أن الواقع ينطق بعكس ذلك تماماً، وهذا ما نستشفه من مجريات واقعنا اليومي وأحداثه.

وبذلك نبعت ضرورة تكريس الوعي الإنتمائي الضيق للهوية في الأردن تحديداً لموقعها الجغرافي ودور السلطة الوظيفي، بحيث أصبحت التشعبات الهوياتية جزء من الخطاب اليومي للمواطنين كنتيجة مباشرة لتأثير الآلة الإعلامية للسلطة منذ عقودٍ مضت والتي عززت هذه الإنتمائات الفرعية على المستوى الهوياتي والمجتمعي الضيق.

ثنائية الهوية

ويأتي كذلك التقسيم الهوياتي في سياق التقسيم الاجتماعي الأفقي بحيث تضمن الطبقة المسيطرة ديمومة حكمها من خلال خلق هويات فرعية عبر إعادة إنتاج الخطاب الرجعي ذاته كما سبق وأن أشرنا إلى جانب وجود ظواهر اجتماعية كالفقر والبطالة وغياب الأمن الوظيفي والغذائي والضمانات الاجتماعية.. إلخ، كنتيجة لظروف موضوعية معينة سببها نمط الإنتاج السائد بشكل مباشر، تخلق هذه الظروف شروطاً مادية تنعكس في الحاجة إلى الإنتماءات الهوياتية في إطار إزاحة الأمن الوظيفي والغذائي، على سبيل المثال، نحو مستويات إنتمائية أضيق وأكثر تطرفاً تتمثل في “العشيرة” أو الهوية التي تُختزل بالإنتماء إلى منطقة أو مدينة أو محافظة أو حتى إقليم داخل إقليم آخر أوسع.

ولربما تكون إشكالية الهوية في الأردن من أعقد الإشكاليات وأكثرها إثارةً للنزاعات الداخلية لما تمثله من قضية عالية الحساسية في وعي المجتمع، وهذه “الحساسية” تمّ إختلاقها بصورة متعمدة لدى المجتمع الأردني على مختلف عناصره، أي أنها لم تنشأ بشكل عَرَضي ظهر بالتزامن مع نشوء الدولة الأردنية، أو بمعنى آخر فإن وتر الهوية الذي يلعب النظام على تعزيزه في صيغ منعزلة عن بعضها بما يسمح بتثبيت الإنتماءات الهوياتية في وعي المجتمع بوصفها صراعات تاريخية وُجدت بوجود الدولة ليس سوى أداة اخرى من أدوات الطبقة الحاكمة لتكريس سيطرتها الطبقية.

يحيط بمفهوم الهوية في الأردن العديد من الشبهات والالتباسات، خاصة وأن موقع الأردن الجغرافي قد ساهم في تعزيز الهجرات والاستقرار فيه إلى جانب فكرة “الأمن والأمان” التي تم الترويج والدعاية لها، والتي يعتبر أمن اسرائيل جزء من مكوناتها الرئيسية كذلك، بحيث أصبح الأردن مركزاً لمختلف الهجرات التي شهدتها المنطقة. ويدّعي بعض الشوفينيين أن الهوية الأردنية كانت خالية من “الشوائب” (على حد تعبيرهم) قبل الاحتلال الاسرائيلي لفلسطين ومن ثم هجرة سكّان غرب النهر إلى شرقي نهر الأردن بفعل الاستيطان والتهجير، ولكن مجرد الرجوع في التاريخ، حتى إلى ما قبل نشوء الدولة الأردنية، يفنّد هذا التصور الشوفيني، حيث أن الأردن بحدوده المعروفة حالياً قد عاصر الكثير من الهجرات على مدى عدة قرون بدأت منذ ما يقارب منتصف القرن التاسع عشر ومن مختلف المنابت والأماكن، مما عمل على بلورة هوية مجتمعية متعددة الأقطاب تشكلت خلال سلسلة من هجرات الشركس والأكراد والأرمن إلى جانب السوريين والعراقيين والفلسطينيين (قبل عام 1948 وبعده)، إضافة أيضاً إلى البدو الرُحّل الذين وفدوا من الشمال والجنوب والشرق وشتى المناطق.

وتتمثل بعض الآراء الشوفينية ذات المنطق الذي يتنكر للهوية المركبة بتحليل المجتمع الأردني في حدودها الثنائية الضيقة “أردني – فلسطيني” ضمن أطروحات بعض الكتّاب (اليمينيين واليساريين كذلك) في تعريف المواطنة وهوية المواطن الأردني وفقاً لتقسيم اجتماعي أفقي للمجتمع، كما يذهب بعضهم باللامنطق الذي يسيّر وجهات النظر لتعريف الأردني بأنه “هو غير الفلسطيني” تحديداً ! أي أنهم يطالبون مختلف أعضاء المجتمع بإنتماء هوياتي كامل للأردن كمواطن بتعريفهم الخاص، كما جاء في مقال تحت عنوان “من هو الأردني؟” عام 1995 للكاتب والصحفي اليساري ناهض حتر.

تعتمد مثل هذه الأطروحات على تضليل أيديولوجي للمفاهيم مدفوعاً بالعداء الهوياتي الكامن في ربطها المباشر لطبقة الكومبرادور والأردنيين من أصل فلسطيني، فهي تفترض أن تكوّن الطبقة البرجوازية التابعة في الأردن حدث بصورة رئيسية كنتيجة لهجرات ما بعد إعلان الكيان الصهيوني كدولة على الأراضي الفلسطينية، ومثل هذه الأطروحات توجه ضربة مزدوجة إلى تحليل المجتمع الأردني في أنها تنسف مفهوم طبقة الكومبرادور من جهة والتي إحتكم منطق تشكلها وفقاً لعلاقات التبعية والخضوع للامبريالية دون تدخل عناصر هوياتية في آلية بنائها الداخلية، لكن يتم ربط المفهوم بالهوية في التحليل لدوافع عنصرة الإنتماء وحصره في قالب واحد! ومن جهة اخرى فإنها تعمل على تقسيم المجتمع الأردني بناءً على منطق إجتزاء التناقض في حدوده الضيقة التي تختزل الصراع في الحقل السياسي بين “هويات” متناقضة وليس في الحقل الاقتصادي بين “طبقات” اجتماعية متناقضة، علماً بأن الحقل السياسي هو هو مجال للصراع الطبقي في البنى الاجتماعية العربية.

إنّ ربط الهوية بمفهوم طبقة الكومبرادور، أي بالمستثمرين – من ذوي الأصل الفلسطيني وفقاً للمنطق الإقصائي ذاته – يرادف فكرة ساذجة تنطلق من مبدأ أنّ الثروات والأموال يتملكها الفلسطينيّون، بينما الشعب “الأردني” هو الفقير! وهذا الفكر الرجعي يُغفل في وحدة بناءه الداخلي منطق التناقض الطبقي الذي يخضع له المجتمع الأردني بمختلف العناصر المكوّنة له بصورة مباشرة، أي أنّ آليات إنتاج الفقر في إطار تقسيم العمل للمجتمع الأردني لم تنشأ نتيجة لهجرات معينة وتقسيمات هوياتية، بل نجمت عن علائق إنتاج محددة موضوعياً تندرج في سياق التبعية للامبرالية الرأسمالية.

وفقاً لهذا المنطق الأفقي في التحليل للمجتمع الأردني، تتكون وجهات النظر الشوفينية تلك، وتبتعد في مضمونها عن نقاش هوية وطنية وحدوية جامعة لمكونات المجتمع الأردني المتباينة. بل بالفعل هي بمثابة عنصرة هوياتية لجوهر الصراع المادي، تم إلباسها ثوب اليسار بصورة متعمدة لغاية كسب تأييد الأوساط المسيّسة من المجتمع الأردني، أكثر من أنها قراءة حقيقية لواقع المجتمع في الأردن وطبيعة تناقضه وصراعه مع البرجوازيات الطفيليّة التابعة، وبالتالي انتقل الصراع، الطبقي بالأساس، من مستواه المادي الفعلي بين “فقير” و “غني” إلى صراع وهمي من نوع آخر إرتكز على تعريفات هوياتية منغلقة على ذاتها شوهت في مجملها طبيعة التناقض الحقيقي مع البرجوازيات التابعة التي تدور في فلك المنظومة الاقتصادية العالمية، والتي لا تعني لها مسألة “الهوية” بعينها بقدر ما تعني لها مسألة مراكمة الأرباح على حساب إفقار أعضاء المجتمع ونهب موارد الدول وتعزيز نفوذها ومكاسبها.

شارك: Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterPin on PinterestShare on StumbleUponShare on TumblrShare on LinkedInPrint this page