آلهة التوراة

الكاتب: يزن حداد

08-04-2016

أن تبحث في الصفحات الأولى للتاريخ البشري بغرض تثبيت أقدام الحاضر مسألة شائكة ولها عواقبها، فهي تفرض معها جملة واسعة من الاحتمالات المفتوحة والقابلة للتأويل بأكثر من اتجاه؛ ناهيك عن أن الحاضر يُضفي هالة التقديس على بعض الأحداث التاريخية، الأمر الذي يصعّب أحياناً عملية الغوص في هذا الحدث أو ذاك للتحقق من معقوليته، ووضعه بالتالي على أرضية مادية صلبة، الأرضية التي قد تكون شاهداً على الحدث أو قد تسقطه من دائرة التقديس تلك.
CU060711-001hr

ينسحب ذلك على مسألة تاريخ النصوص التوراتية وما يسمّى بـ “شعب الله المختار” أيضاً. فكل الأشياء لا بد أن تخضع للبحث والتمحيص والنقد العلمي، وخط الزمن ليس استثناءً منها. فالنقد التاريخي هو ما يمنحنا مفتاح فهم الواقع، وهو ما عمل ماركس وإنغلز على إرسائه من خلال منهج المادية التاريخية الديالكتيكي.

ومن هنا فإن الاحتلال الإسرائيلي، أو لنقل الحركة الصهيونية التي سبقت الاحتلال الفعلي لفلسطين بمسافة زمنية كبيرة، تستمد جذورها التاريخية من نصٍ “مقدّس” يعجّ بالمتناقضات والحروب الدامية، نصٌ يعتليه الغموض والفجوات البنيوية والكثير من الإشكالات النابعة من لبّ النص نفسه.

إله واحد؟

ربما يستغرب القارئ من طرح سؤالٍ كهذا عن كتاب يعدّ من الكتب “التوحيدية” أو الإبراهيمية، نسبةً إلى إبراهيم بن تارح المولود في مدينة أور، والذي يعدّ الجد المؤسس للديانات التوحيدية الكبرى؛ على الرغم من أن فكرة التوحيد قد ظهرت أيضاً لدى الفرعون المصري أخناتون عندما تمرد على التاريخ ودعا إلى التخلي عن تعدد الآلهة وعبادة أتون إله الشمس وحده دون غيره.

شخصية الإله التوراتي شخصية مركبة ومتوترة إلى الحد الذي لا يمكن معه التنبؤ بسلوكها في مجرى النص، ويعود ذلك إلى تعدد مصادر النص التوراتي الذي استوحى معظم عناصره البنائية من أساطير قديمة ومتنوعة. تارة يصف هذا الإله نفسه بيهوه، إله الجبال والبراكين والحروب؛ وتارة أُخرى يتحدث بلسان الله، إله الخلق الحنون الذي حبا آدم وحواء بكل تلك النعم وفق رواية سفر التكوين.

“فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ.” (التكوين 27:1). “وَجَبَلَ الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ تُرَابًا مِنَ الأَرْضِ، وَنَفَخَ فِي أَنْفِهِ نَسَمَةَ حَيَاةٍ. فَصَارَ آدَمُ نَفْسًا حَيَّةً.” (التكوين 7:2).

آلهة التوراة

وفي مواضع أُخرى من أسفار العهد القديم يُطلِق هذا الإله على نفسه اسم إيلوهيم أو إيليم (جمع إيل)، وهو كبير الآلهة الذي احتل مركز الصدارة في الميثولوجيا الكنعانية القديمة، حيث تعني كلمة إيل في لغة السكان الأصليين “إله”، أو الإله الأعلى للدلالة على مكانته العظيمة. وقد وردت الكلمة نفسها في الترجمات العبرية للتوراة، نظراً لأن اللغة العبرية لم تكن في حينها معروفة لدى مدوّني النص (بعض المراجع تقول أن النصوص دوّنت بالهيروغليفية والآرامية)، ونقلتها بعض الترجمات العربية للتوراة كما هي.

عندما تم وضع الترجمات العربية للنص العبراني، بدءاً من الترجمة المفقودة ليوحنا أسقف إشبيلية في القرن الثامن ميلادي، قامت الترجمات بإحلال كلمة الله عوضاً عن كلمة إيلوهيم، واستعاضت عن لفظة يهوه ليملأ مكانها بالمقابل كلمة “الرب” أو “الرب الإله”. ويمكن  لنا بسهولة أن نلتقط الفارق بين الشخصيتين إذا ما اطلعنا على التوراة وقارنّا بين أسفاره.

هذا من ناحية، أمّا من ناحية أُخرى فيتجلى أيضاً الإله الكنعاني بعل في صورة الإله التوراتي المتراكبة ليلعب دوراً مختلفاً عن إيل ويهوه، مستمداً من شخصية بعل إله الطبيعة وما يترافق معها من ظواهر كالمطر والخصوبة. “وَيَكُونُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، يَقُولُ الرَّبُّ، أَنَّكِ تَدْعِينَنِي: رَجُلِي، وَلاَ تَدْعِينَنِي بَعْدُ بَعْلِي.” (هوشع 16:2). نجد هنا إشارة واضحة إلى اسم بعل، والذي كان يُستخدم للتلقيب بمعنى الملك أو السيّد وفقاً للنصوص الأوغاريتية.

ومن الواضح كذلك أن هذه التيارات المتعددة التي رفدت النص التوراتي لم تنصهر في قالب موحد يمكن هضمه ككلٍ متماسك، أي أن شخصية الإله هنا تناقض نفسها بتعدد الروايات والأسماء والمصادر التاريخية والجغرافية؛ وهي ليست مسألة شكلية عابرة يمكن التغاضي عنها بسهولة، كون المسألة تقع في صلب النقاش التاريخي حول سردية العهد القديم التي شكّلت أساساً للديانات التوحيدية الثلاث، واليهودية تحديداً، التي يتذرع بها الكيان الصهيوني اليوم بمثابة دستوره ليشرعن نفسه.

كما أن هنالك عدداً من الإشارات التي تؤكد عدم إلغاء يهوه وإيلوهيم وبعل لبعضهم البعض في النص، أو للآلهة الأُخرى التي كانت سائدة في تلك الحقبة؛ وكأن هذا “الإله” يدرك وجود منافسين له ويحاول إقصاءهم من ساحة الحدث التوراتي لا أكثر. مثلاً: “مَنْ مِثْلُكَ بَيْنَ الآلِهَةِ يَا رَبُّ؟…” (التكوين 11:15)، “الآنَ عَلِمْتُ أَنَّ الرَّبَّ أَعْظَمُ مِنْ جَمِيعِ الآلِهَةِ،…” (الخروج 11:18)، “لأَنَّ الرَّبَّ إِلهٌ عَظِيمٌ، مَلِكٌ كَبِيرٌ عَلَى كُلِّ الآلِهَةِ.” (المزامير 3:95). وغيرها الكثير من النصوص التي آثرت إله التوراة (بتعدد صوره) ورفعته فوق الآلهة الوثنية التي كان يعبدها قاطني تلك المناطق.

تراجيديا الخروج

لاحظنا سابقاً كيف تتداخل شخصيات التوراة وتتناقض أحياناً مع بعضها البعض ومع الأدوار المطلوبة منها، بحكم تشعّب الأقلام التي انكبّت على تحرير النص؛ والتي يحاول الاحتلال الإسرائيلي أن يخلق ماضٍ لنفسه من خلالها ومبرراً لوجوده ككيان.

وهذا يطرح بالضرورة على طاولة الحوار قضية جديدة، مسألة تنبع من الإشكالية التي يثيرها نص العهد القديم بحديثه عن “شعب إسرائيل” ورواية الخروج واستيطان أرض فلسطين. حيث يخاطب الرب “شعبه” في الكثير من الأماكن في التوراة مستخدماً توصيف العبرانيين أو بصيغة المخاطِب بقوله “إله العبرانيين” (الخروج 1:9). والسؤال هو: من هم العبرانيون؟

بدايةً، تمثُل أمامنا الآن أكثر من رواية محتملة حول أصل تلك التسمية؛ فالبعض يعود بالاسم إلى “عابر” أحد أجداد إبراهيم، والبعض الآخر يشتق التسمية من فعل العبور حينما عبروا البحر مع موسى؛ وهو ما ينفي فرويد حدوثه في كتاب “موسى والتوحيد” حينما اعتبر النبي موسى مصرياً وليس عبرانياً (أي يهودياً)، وأن اليهود قتلوه في صحراء سيناء قبل أن يصل بهم إلى أرض كنعان المرجوّة.

أمّا الرواية الأكثر ترجيحاً التي يقترحها الباحثون في اللغات هي أن الكلمة جاءت من النصوص القديمة لحضارات الشرق، والتي تنطوي على توصيفٍ ضمني لمجموعات عشوائية من الأفراد الذين لا ينتمون إلى جهة محددة تخضع لأنظمة ذلك العصر، فهم عبارة عن خليط بشري يتكوّن من أفرادٍ فروا من الجيش أو من دَينٍ ما، وربما لا يملكون عملاً أو فقدوا عملهم.

يقول الباحثون أن الجذر اللغوي للكلمة هو عَفَرْ، أي وجه الأرض أو الغبار، ويقابلها نفس المعنى في السريانية والعبرية، حيث كانت تُنطق الكلمة في اللهجات السامية القديمة بـ “عابيرو” (“عبريم” في العبرية). وتربط الكلمة هنا علاقة قوية مع النمط الحياتي السائد لدى العابيرو، الدافع وراء التسمية، الذي كان يفرقهم عن سكّان المدن المتحضرين.

ومن الطبيعي أن تتردد الكلمة كثيراً في النصوص الغابرة للملوك والأمراء والفراعنة المصريين، أمنحوتب الثاني مثلاً وأخناتون (أمنحوتب الرابع) ورمسيس الثاني وغيرهم؛ تحديداً في الرسائل المكتشفة في منطقة تلّ العمارنة بمصر. حيث كان النقاش عن أسرى العابيرو واستقدامهم للعمل القسري هو ما سيّر مجرى الحديث في الغالب.

فقد تم إحضارهم من المناطق الواقعة بين سورية وفلسطين والتي قطنتها هذه الفئة، للعمل في منطقة الدلتا المصرية مع ازدهار الحركة المعمارية في عهد رمسيس الثاني. ويَفترض التسلسل الكرونولوجي أن خروج اليهود من مصر كان في عهد الفرعون مرنفتاح وريث والده على العرش رمسيس الثاني، الذي أذاقهم كل أشكال الاضطهاد والقمع، بحسب الرواية التوراتية. وهي الرواية التي يحيط بها العشرات من علامات الاستفهام لشدّة غموضها وتعدد تأويلاتها وغياب الأدلة التاريخية على معقولية حدوثها.

حيث يصوّر العهد القديم ملحمة خروج العابيرو من مصر في قالب تراجيدي غريب مبني بالأساس على افتراض أن اليهود قد تعرضوا للاضطهاد في مصر، مما دفع بهم إلى الخروج نحو أرض كنعان التي وعدهم بها إله البراكين يهوه، أو “إله العبرانيين” بطل أسفار الخروج في التوراة.

خاتمة

“إِذَا سَنَنْتُ سَيْفِي الْبَارِقَ، وَأَمْسَكَتْ بِالْقَضَاءِ يَدِي، أَرُدُّ نَقْمَةً عَلَى أَضْدَادِي، وَأُجَازِي مُبْغِضِيَّ. أُسْكِرُ سِهَامِي بِدَمٍ، وَيَأْكُلُ سَيْفِي لَحْمًا. بِدَمِ الْقَتْلَى وَالسَّبَايَا، وَمِنْ رُؤُوسِ قُوَّادِ الْعَدُوِّ.” (التثنية 41:32-42).

ذلكم هو يهوه في أصفى حالاته، الرب الإله، “أنا أنا هو وليس إله معي”، إله الأنا المتضخمة!

مِن هذا النص بالتحديد، التلمودي إذا صحَّ التعبير، يستقي الكيان الصهيوني اليوم إجرامه وتطرفه، فكل النصوص التاريخية قابلة بلا شك للتأويل وإعادة الاستخدام فيما يناسب الغاية التي تمّ نبش النص من أجلها. لكن علينا أن ندرك بأنَّ الإشكالية لا تنحصر في نطاق اللاهوت وحده، أو في حيّز ضيق من تفسيرات النص وتناقضاته الجمّة، كما بيّنا في سطور هذه المادة.

فإذا قمنا بنقل الحديث إلى المستوى السياسي العملي سنلاحظ أن الوجود “الإسرائيلي” كان وما زال عثرة في طريق مجابهة التسلّط الإمبريالي على امتداد تاريخنا العربي، وهو في الواقع أداة الإمبريالية الأنجع لتمكين سيطرة رأس المال وتعزيز الانقسام على أسسٍ مذهبية وطائفية وعرقية.

يهوه نفسه قد أشرف على أبشع مجازر التطهير العرقي بحق سكّان المناطق التي صادفها شعبه الرحّال، إذا افترضنا حسن النوايا باعتبار الرواية التوراتية صحيحة، في إطارها الأسطوري بالطبع.

والدرس الأهم الذي علينا تعلّمه الآن هو أن مواجهة النار بالنار ربما لا تكون خياراً ناجحاً في بعض الحالات؛ أقصد هنا أن مواجه الكيان الذي يكتسي بثوب الدين بحثاً عن تاريخٍ مزعوم تتطلب وعياً سياسياً مبنياً على أسس مادية علمانية في الجوهر، وعي يستطيع قراءة الواقع الطبقي وتركيب رؤيته التي تتجاوز كل أوهام الحلول العجائبية.

فإمّا الانفكاك من التبعية والجهل الذي يكبّلنا أو الفناء في صحراء التاريخ بتخلفنا.

شارك: Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterPin on PinterestShare on StumbleUponShare on TumblrShare on LinkedInPrint this page